قوائم أراجيك

نايف جوبسن: أقسى دروس التوسّع تعلّمك إياها الخسارة… والشفافية ليست خيارًا تحت الضغط

محمد كمال
محمد كمال

6 د

في هذا الحوار، لا يفصل نايف جوبسن بين التفكير والتنفيذ. يختصر مساره في فكرة واحدة: “السياق أهم من الوظيفة”. فكرة تشكّلت مبكرًا ثم اختُبرت على الأرض، قبل أن تتحول إلى منهج واعٍ وهو يبني مشاريع يريد لها أن تتوسّع، وأن تتحمل التدقيق، وأن تكون قابلة للاستحواذ في النهاية.

عمل جوبسن عبر أكثر من 50 مشروعًا و15 شركة في أسواق متعددة (من الولايات المتحدة وبريطانيا إلى اسكندنافيا والخليج وسوريا)، وهو ما جعله شديد الحساسية للتفاصيل التي تُسقط الشركات عادة: الإشارات الخاطئة، الاستقلالية غير المقاسة، وثقافة تُدار بالشعارات. هنا لا يقدم “وصفات نجاح”، بل يشرح منطق المفاضلات التي صنعته: لماذا رفض التخصص الضيق، وكيف يفكر في “جاهزية الاستثمار”، ولماذا يرى أن الصدق الراديكالي يبدأ من الداخل.

نايف جوبسن، عمل عبر مشاريع وشركات متعددة في أسواق عالمية، مع اهتمام عملي بتقاطع التقنية والمنتج والأعمال والتنفيذ.


لماذا أصررتُ ألا أختار بين التقنية والإدارة؟

س: عندما تنظر لمسارك، من أين تبدأ القصة؟
ج: بدأت كمهندس واجهات أمامية (Front-End) مبتدئ بعد الدراسة في السويد. لكن اهتمامي لم يكن محصورًا في الكود. كنتُ قريبًا من عالم الأسواق والتداول بحكم العائلة، وكان يشدّني فهم كيف ترتبط القرارات ببعضها عبر النظام كله، لا داخل وظيفة واحدة.

ومتى صار هذا الميل “موقفًا” لا مجرد اهتمام؟
عندما قال لي مدير تنفيذي كبير في وقت مبكر إن عليّ أن أختار: إما أبقى تقنيًا، أو أنتقل للإدارة. رفضت الفكرة من أساسها. الفصل بدا لي مصطنعًا، وتعاملت مع إثبات العكس كتحدٍ شخصي.

وكيف وجدت البيئة التي تسمح بهذا المزج؟
الشركات الناشئة كانت المكان الطبيعي. المشاكل تأتي بلا وصف وظيفي، والعناوين لا تحميك. ومع الوقت اشتغلت عبر أكثر من 50 مشروعًا و15 شركة في الولايات المتحدة وبريطانيا واسكندنافيا والإمارات والسعودية وسوريا. ما خرجت به لم يكن “دورًا هجينًا” على الورق، بل طريقة تشغيل تربط التقنية بالأعمال وبعلم النفس وبالتنفيذ يومًا بيوم.


حين تفهم “الترابط”… تقل رهبة الأسواق الجديدة

عملت في صناعات وأسواق مختلفة جدًا. ما الذي ينتقل فعلًا بين الصناعات؟
الأنماط تتكرر. عندما تفهم كيف تعزّز التقنية والمنتج والأعمال بعضها—أو كيف تقوض بعضها—يصبح “مجال الصناعة” أقل أهمية مما يتخيله الناس.

هل يعني هذا أنك لا تبني ولاءً لقطاع معين؟
لا أبني ولاءً لقطاعات أو تسميات. ولائي للنتائج، ولتحديد ما الذي يصنع النجاح حقًا، لا ما يبدو لامعًا داخل صناعة بعينها.


«الإيغو» كعطب تشغيلي: مشكلة استماع قبل أي شيء

تقول إن الإيغو أكبر تهديد لاستدامة الشركات. كيف يحدث ذلك عمليًا؟
يظهر الإيغو كـ“مشكلة استماع”. شخص ما يكرر فكرة تعتقد أنك قلتها من قبل، أو يطعن في شيء على خارطة الطريق. رد الفعل الغريزي: تنسحب لأن الكلام يبدو “مكررًا” أو لأنك تشعر أنه تحدٍّ.

وأنت ترى أن هذا هو بالضبط وقت الاستماع؟
نعم. قد تكون القيمة في التوقيت، أو طريقة التأطير، أو تفاصيل التنفيذ—لا في “الأصالة”. في النهاية، الشركات تُقاس بالأرقام والـKPIs والنتائج، لا بمن صاحب الفكرة أولًا. أنا أركز على أن أكون المحرك الذي يسلّم النتائج، لا “البطل” الذي يجمع الفضل.


شركة قابلة للاستحواذ: إزالة الاحتكاك قبل تحسين السرد

حين تقول إنك تبني مشاريع لتكون “قابلة للاستحواذ”، ماذا يعني ذلك بعيدًا عن الكلام العام؟
يعني إزالة الاحتكاك. تبدأ بتعريف Ideal Customer Profile (ملف العميل المثالي) بدقة، ثم تستهدفه بلا تردد. بعد ذلك يجب أن تُرسل كل نقطة تماس إشارة “ملاءمة”: تصميم المنتج، الرسائل، الـOnboarding (تهيئة المستخدم)، ونجاح العملاء.

وأين يخطئ كثيرون في رأيك؟
يتجاهلون مسارات التوسع مبكرًا: فرص الـCross-sell (البيع المتقاطع)، التعمق عموديًا داخل قطاع محدد، وحتى خلق مشاريع مستقبلية. رأيت هذا بوضوح عبر عملي مع أكثر من 50 مستثمرًا من خلال قنوات عائلية وقنوات الشركات الناشئة. شركات “صحية” تشغيليًا تفشل في تلبية معايير جاهزية الاستثمار. سد هذه الفجوة انضباط مستقل بذاته.


الاستقلالية ليست شعارًا: «ثقة + قياس + روابط»

دعنا نذهب إلى الثقافة. كيف تبني استقلالية بلا فوضى؟
أختصر الثقافة في ثلاثة مكونات: الثقة، والقياس، والروابط. العلاقات الإنسانية القوية مهمة، لكن الوضوح مهم أيضًا. كل ما يمكن تتبعه ينبغي تتبعه.

أين ينكسر النظام عادة؟
الاستقلالية بلا قياس تنجرف إلى الفوضى. والقياس بلا ثقة يخلق خوفًا. عندما يجتمع الاثنان، تتحرك الفرق بسرعة، تتعلم أسرع، وتتحمل مسؤولية النتائج بدل الاحتماء خلف العملية.


إدارة أصحاب المصلحة تحت الضغط: التحضير بدل “الأداء”

كيف تدير أصحاب المصلحة عندما تكون الضغوط عالية؟
بالتحضير والتعاطف أكثر من “الأداء”. أضع نفسي مكان صاحب المصلحة: مدير إدارة، أو مسؤول تنفيذي C-suite، أو جهة تنظيمية—لكل واحد ضغوط مختلفة.

ما الذي تفعله قبل أن تتعقد الأمور؟
أخطط لعدة خطوات إلى الأمام، أحدد مواعيد نهائية مرنة (Soft) وحاسمة (Hard)، وأترك هامش خطأ. وعندما تسوء الأمور، أبقى شفافًا. التظاهر ليس خيارًا. الاتساق والثقة والصدق عناصر غير قابلة للتفاوض، لأن المصداقية تتراكم مع الوقت.


ما لا تعلّمه الأدوات: خسارة المال… وحدود الذكاء الاصطناعي

ما التجارب التي علمتك أكثر عن “ألم التوسّع”؟
الخسارة. خسارة المال تسرّع التعلّم. والتعلّم من خسائر الآخرين يمكن أن يحقق الأثر نفسه دون تكلفة—وهنا تظهر قيمة المرشدين والشبكات الموثوقة.

وهل ترى أن الأدوات—خصوصًا AI—أصبحت بديلًا عن الخبرة؟
الأدوات لها حدود. الذكاء الاصطناعي قد يحاكي كثيرًا من التفكير الاستشاري على الورق، لكن الأسواق ما زالت تخفي أسرارًا لا تظهر إلا عبر علاقات حقيقية. وهناك أيضًا عامل الثقافة: ما ينجح مع أصحاب مصلحة أمريكيين—كالوضوح المباشر والمواجهة المنظمة—قد يفشل في أماكن أخرى. فهم هذه الفروقات قد يغيّر النتائج جذريًا.


لماذا Rasēd؟ ولماذا التزامه “واقعي” لا نظريس: ما الذي جذبك إلى Rasēd تحديدًا؟

خصوصيتها. أنا أتحفز لمشاريع ضيقة النطاق وعالية الأثر، خاصة حين تتقاطع المخاطر والتنظيم والتقنية. عمل Rasēd “بنيوي” وحاسم، ليس نظريًا. هذه الحقيقة—وثقل المسؤولية المصاحب لها—هي ما يجعل التحدي يستحق.

كيف تشرح Rasēd للمؤسسات دون لغة منمقة؟
ببساطة: نحن نقلل المخاطر، والاحتكاك، والتجزئة، مع الالتزام بالواقع التنظيمي والقيود التشغيلية. الوضوح والتنفيذ أهم من طموح يتخفى خلف لغة كبيرة.

وما التحديات التجارية والنمو؟
هي كما تبدو. عملنا تنفيذ لا رواية، وصعوبته جزء من الفكرة.


بين Rasēd وGhaith Ventures: “مسؤولية” بصيغة مختلفة

كيف يكمل دورك في Ghaith Ventures عملك في Rasēd؟
أراه مسؤولية. Ghaith Ventures وسيلة للعطاء لسوريا: تطبيق الانضباط نفسه في النمو والحوكمة والتواصل، لكن لهدف اجتماعي أعمق. لدي مبادرات قيد الحركة، لكني أفضل التحفظ على الترويج.


الإشارات أغلى مما تظن: لماذا التواصل الاستراتيجي يحسم النتائج

ما رأيك في الـPR والتواصل؟
أركز على Word of Mouth (التوصية الشفوية). الغموض مكلف. الإشارات السيئة تنتشر أسرع من الجيدة، وإصلاحها يكلف أكثر من إرسال الإشارة الصحيحة من البداية.

ماذا يعني “تواصل استراتيجي” لديك؟
الدقة لا الكثرة. أن تقول أقل، لكن تقوله بوضوح.


تحت أعلى ضغط: «الصدق الراديكالي»… ثم قابلية الاستبدال

ما المبدأ القيادي الذي تعتمد عليه عندما يصل الضغط لذروته؟
الصدق الراديكالي. يبدأ مع نفسي، ثم يمتد للخارج.

ما “الاتجاه” الذي تراه مهمًا فعلًا في التحول الرقمي؟
لا أهتم بالسرد السطحي. ما يهمني أشخاص يسدّون الفجوات بين المجالات. مثلًا: المبيعات والتسويق لم يعودا يعملان جيدًا كجزر منفصلة. عندما يُحكمان معًا يمكن أن ينتجا نتائج أكبر بكثير.

ونصيحتك للمؤسسين الذين يبنون من أجل التوسّع والاستحواذ؟
اجعل نفسك قابلًا للاستبدال. الشركة التي لا تعمل دون مؤسسها لا تتوسع ولن تُوثَق.

في الختام، من تريد أن تذكر؟
إخوتي: دانيال شاهين، وبيدر ريمان، وأرنولد جوبسن. هم يبنون مساعدًا تشخيصيًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي (AI diagnostics copilot). دوري كان استشاريًا، والفضل لتنفيذهم لا لوجودي.

وكيف تلخص نفسك؟
كلما كان التحدي أصعب، زاد انخراطي. أرى نفسي متواضعًا وتنافسيًا في الوقت نفسه. أحب تحدي الأنظمة والافتراضات والقصور—لإنجاز العمل.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.