ذكاء اصطناعي

القروش تفقد أنيابها… والمحيطات تتحول إلى مقبرة صامتة!

ملاذ المدني
ملاذ المدني

3 د

تؤثر حموضة المحيطات على أسنان القروش، مما يهدد بقاءها في البحار.

تشير الدراسات إلى أن زيادة حموضة المياه قد تزيد تآكل أسنان القروش.

التجارب أظهرت تعرض الأسنان لمستويات تآكل أعلى في المحيطات الأكثر حموضة.

ضرورة الحد من انبعاثات الكربون لتقليل تحمض المحيطات وحماية الحياة البحرية.

تخيل عالماً تسبح فيه القروش بلا أسنان حادة تنهش بها فرائسها! قد يبدو هذا المشهد حلمًا سارًا لعشاق البحر أو هواة ركوب الأمواج، لكن دراسة حديثة تشير إلى أنه سيناريو وارد بسبب تفاقم ظاهرة حموضة المحيطات، والتي تهدد أسلحة القروش الأساسية للبقاء والتغذية.

بدأ العلماء يدقون ناقوس الخطر بعد أن لاحظوا تأثير التغير المناخي والانبعاثات الكربونية على كيمياء مياه البحر. إذ بات امتصاص المحيطات لكميات متزايدة من غاز ثاني أكسيد الكربون يسبب انخفاضًا في درجة الحموضة (pH)، وهو ما يعرف بظاهرة “تحمض المحيطات”. هذا التغير الكيميائي الخفي تتجاوز تداعياته الشعاب المرجانية والمحار لتصل إلى القروش نفسها، تلك الكائنات المفترسة ذات السمعة المخيفة في عالم البحار.

تشير الدراسة التي أجراها مجموعة من الباحثين الألمان إلى أن أسنان القروش، تلك البنية المعدنية المعقدة والتي تعتمد عليها القروش في الصيد، باتت مهددة فعلاً بفعل زيادة الحموضة في مياه البحار. فالقروش تمتاز بامتلاكها صفوفًا متجددة من الأسنان، حيث تندفع أسنان جديدة للأمام مع كل فقدان لأي سن، لكن مع زيادة التآكل الناتج عن تحمض البحر، قد يفقد الحيوان أسنانه بسرعة تفوق قدرته على تعويضها، وهذا ما يضع بقائها وقدرتها على التأقلم على المحك. تبرز هنا أهمية هذا الاكتشاف، إذ لم يعد ضرر الحموضة يقتصر على المحارات والأصداف، بل طال حتى من يقف على قمة السلسلة الغذائية البحرية.


تجربة علمية تكشف حجم الخطر

في محاولة لفهم التأثير الواقعي لتحمض المحيطات، أجرى الباحثون تجربة مثيرة باستخدام ستين سنًّا حديثة السقوط من قروش شعاب سوداء الرأس، حيث وُضعت الأسنان في أحواض تحاكي مياه البحر الحالية وأخرى بدرجة حموضة متوقعة في المستقبل قد تصل إلى 7.3 بحلول عام 2300. النتائج جاءت صادمة، فقد تعرضت الأسنان في الحوض الأكثر حموضة لتآكل ضعف ما تعرضت له الأسنان في الوضع الطبيعي. رُصدت تأثيرات واضحة مثل تآكل الجذور وضعف الحواف المسننة، والتي تُعد ضرورية لفعالية الأسنان في التقطيع والثقب.

هذه النتائج تلقي بظلالها على استقرار المنظومة البيئية البحرية، إذ أن الصيد الفعال من طرف القروش ضروري لتحقيق التوازن وضبط أعداد الفرائس، وبدون أسنان قوية، قد يتأثر النظام بأكمله. وهذا ينقلنا للحديث عن ارتباط هذه القضية بتحديات أخرى تواجه القروش، مثل نقص الفرائس بفعل الصيد الجائر وتأثير الحرارة المتصاعدة، لتصبح مشاكل القروش متعددة الأبعاد ومترابطة بقوة مع التغيرات البيئية.

ومع تصاعد المشاكل التي تواجه القروش حول العالم، تزداد أهمية الحد من انبعاثات الكربون الضارة. فبحسب العلماء، الحد من مصادر التلوث الكربوني من شأنه إبطاء عملية تحمض المحيطات، وبالتالي الحفاظ على صحة القروش والكائنات البحرية الأخرى القائمة على تراكيب معدنية حساسة. يضاف إلى ذلك أن هناك أنواعًا من القروش أكثر حساسية لهذا التغير الكيميائي، خاصة التي لديها عدد صفوف أسنان أقل أو وتيرة تبديل أبطأ مما يعرضها لخطر أكبر.

ذو صلة

اللافت في الدراسة، والتي لاقت اهتمامًا من متخصصين في علوم البحار مثل البروفيسورة ليزا وايتناك، أنها تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول قدرة القروش على التكيف. فرغم الأضرار الملحوظة على أسنانها، يبقى السؤال: هل ستنجح القروش في تطوير آليات أسرع لتجديد أسنانها أو تقوية بنيتها لتتصدى لظروف البحر المتغيرة؟ وربما تظل بعض الأسنان المتآكلة فعالة بشكل كافٍ للنجاة، على الأقل لبعض الوقت.

وفي الختام، يتضح لنا أن مستقبل القروش وحيوية المنظومة البيئية البحرية باتتا مرتبطتين بشكل وثيق بالصحة الكيميائية لمحيطاتنا. فحموضة البحر ليست مجرد قضية علمية؛ بل هي تحدٍ مصيري يستدعي تحركًا سريعًا ومسؤولية مشتركة للحفاظ على التوازن الدقيق في كوكبنا الأزرق. إذا استمرت الأمور على ما هي عليه، فقد نجد يومًا ما أن القروش، تلك المفترسات الأكثر رهبة، اضطرت للمنافسة بلا أسنان... وهذا سيناريو لا تتمناه الطبيعة ولا عشاق البحر.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة