ذكاء اصطناعي

بعد سبات دام 7000 عام… طحالب البلطيق تعود لتروي قصة المناخ والجينات

ملاذ المدني
ملاذ المدني

4 د

نجح الباحثون في إحياء طحالب من بحر البلطيق نائمة منذ 7000 عام.

تُظهر الطحالب قدرتها على التكيف في ظروف قاسية، موفرة نظرة ثاقبة للمناخ القديم.

كشف التحليل الوراثي كيف تتكيف الطحالب تدريجيًا مع تغيرات البيئة عبر العصور.

تُعد الرواسب البحرية أرشيفًا جينيًا هامًا لفهم تطور الكائنات الدقيقة وتكيفها.

توفر الدراسة رؤى مهمة لمستقبل النظم البيئية البحرية في ظل التغير المناخي.

في حدث علمي غير مسبوق، تمكّن باحثون من إعادة إحياء طحالب مجهرية مدفونة في رواسب بحر البلطيق ظلت نائمة قرابة سبعة آلاف عام. إذا كنت تتساءل كيف يمكن لكائن حي أن ينتظر آلاف السنين ليعاود نشاطه، فأنت على موعد مع اكتشاف مذهل يقلب تصوراتنا عن صمود الحياة. الدراسة التي نشرت في مجلة ISME Journal فتحت نافذة فريدة على الماضي السحيق، وفتحت الباب واسعاً أمام فهم أعمق لكيفية تأقلم النظم البيئية البحرية القديمة مع متغيرات المناخ، وما قد يخبئه المستقبل من مفاجآت لمخلوقات البحار.

تصور أنك تستطيع مراقبة حلقة من حلقات الحياة تعود إلى الوراء لآلاف السنين ثم تعود للحركة أمام عينيك! هذا ما أنجزه العلماء حين استعانوا بعينات رواسب من قاع بحر البلطيق، حيث عثروا على سلالات من الدياتومات – كائنات طحلبية مثل Skeletonema marinoi – ظلت محجوزة في العتمة وبدون أوكسجين أو ضوء منذ عصور ما قبل التاريخ. بمجرد توفر الظروف الملائمة، عادت هذه الطحالب الاستثنائية للنمو ونفخ الأوكسجين، في دليل حي على قدرة الكائنات الدقيقة على تخطي تحديات الزمن والمحيط.

ويزداد التشويق حين نعلم أن الفريق البحثي قام بتحليل جينات الطحالب وأجرى مقارنة بين السلالات القديمة وأخريات معاصرات. الاختلافات الوراثية التي كشفتها التحاليل أوضحت أن الطحالب القديمة مرت بمراحل تكيف تدريجية على مدى قرون طويلة لمواجهة التغيرات البيئية. وبدت قدرة هذه "الكبسولات البيولوجية" على تنفيذ عملية التمثيل الضوئي واستئناف دورة حياتها كما لو لم تنطفئ لعشرات القرون. هذا المجال، المسمى بـ "بيئة الإحياء"، يسمح بفحص مناخات الأرض القديمة من خلال عيون كائنات عاشت فعلياً في تلك الأزمنة.

ومن بين التفاصيل اللافتة أن بعض الطحالب تمكنت من الخروج من سبات عمره 6871 سنة، محافظة على بنيتها ونشاطها الحيوي. ينوي العلماء في المرحلة القادمة مراقبة استجابتها لظروف مناخية شديدة التنوع، بهدف تتبع أثر تغير المناخ عبر العصور على الفيتوبلانكتون، وهي الكائنات الأساسية لإنتاج الأوكسجين. هذه الأبحاث قد تقدم أدلة ذهبية حول مستقبل النظم البيئية في ظل تسارع التغير المناخي، إذ أن استفادة الأنواع من "خزان جيني" ضارب في الأزل ربما يكون طريقها للبقاء في وجه الكوارث البيئية.

وهنا تبرز أهمية الرواسب البحرية كأرشيف جيني للمحيطات، حيث تحفظ هذه الطبقات سجل تطور الكائنات الدقيقة من عصر إلى عصر. يعتزم الباحثون الاستمرار في سبر أغوار هذا الأرشيف لمعرفة أسرار التأقلم الوراثي وآلياته، الأمر الذي سيساهم في التنبؤ بمصير الحياة البحرية أمام تحديات المستقبل.

وبينما ترتفع حدة المنافسة العالمية على فهم أسرار المناخ الوراثية بين القوى العلمية، يشكل هذا الإنجاز رصيداً مهمّاً للعلماء الأمريكيين في مواجهة نظرائهم الصينيين في سباق حلول المناخ.


الانتقال من حالة السُبات

جدير بالذكر أن السُبات (أو السكون البيولوجي) ليس مجرد توقف عن العمل، بل هو استراتيجية بقاء متقنة تستخدمها حيوانات ونباتات عديدة لمواجهة الظروف القاسية. مثلاً، تنتج الطحالب المجهرية خلايا سميكة الجدران ومخزنة بالطاقة، تقاوم فقدان الضوء أو الأوكسجين بل وحتى التغير المفاجئ لدرجات الحرارة.

وعندما يستعيد الجو البحري دفئه وضوءه، تحدث ما يسمى بـ "الاستيقاظ الأيضي": عملية إعادة تنشيط تدريجية تشغل جميع المحركات الحيوية اللازمة للنمو السريع والتمثيل الضوئي. تختلف هذه الظاهرة عن السُبات الشتوي لدى الحيوانات أو تطور الأبواغ لدى الفطريات، وتُعد علامة فارقة في قدرات الكائنات البحرية الدقيقة على البقاء أحياء رغم تحديات الزمن.

ذو صلة

ارتباطاً بذلك، فإن النتائج ليست مجرد إنجاز بيولوجي بل تثير تساؤلات فلسفية وبيئية. كيف استطاعت هذه الطحالب حماية بنيتها الخلوية لمثل هذا الزمن الطويل؟ هل ما زالت آليات إصلاح الأضرار فعالة لديها طوال آلاف السنين؟ الإجابة على هذه الأسئلة قد تساعدنا في فهم سر الصمود على الأرض وأسرار التكيف مع تبدلات المناخ القاسية.

في الختام، ما قدمه هذا الكشف العلمي هو أكثر من قصة كائنات تعود إلى الحياة؛ هو دعوة لإعادة التفكير في حدود الحياة وقدرتها على النجاة والمقاومة عبر دهور مختلفة. ربما نجد في أعماق بحارنا أدلة على كيف يمكن أن تبقى الحياة ممكنة رغم تقلب الظروف، وما يمكن أن ننقله من دروس في السباق لحماية التنوع البيولوجي في وجه عواصف البيئة والمناخ. لا شك أن أسرار الماضي تحمل إشارات ثمينة لمستقبل أكثر صموداً وإلهاماً للأجيال القادمة.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة