ذكاء اصطناعي

تطبيق “ماكس” الروسي: وسيلة تواصل أم أداة مراقبة شاملة؟

أراجيك
أراجيك

4 د

الحكومة الروسية تُلزم بتثبيت تطبيق "ماكس" على جميع الأجهزة المباعة في البلاد.

تكشف التحليلات أن "ماكس" يقوم بمراقبة وتسجيل البيانات بمستوى غير مسبوق.

التطبيق يفتقر لتشفير فعال، مما يترك بيانات المستخدمين مكشوفة.

يخدم التطبيق السلطة بمراقبة الاتصالات وتحديد الموقع الجغرافي للمستخدمين.

تشير التوجهات الرقمية في روسيا إلى سيطرة تكنولوجية وإعلامية أكبر على المواطنين.

حين أعلنت الحكومة الروسية الأسبوع الماضي عن القرار الجديد الذي يلزم بتثبيت تطبيق مراسلة يسمى “ماكس” مسبقاً على جميع الهواتف والأجهزة اللوحية المباعة في البلاد، ضجّت الأوساط التقنية وأسئلة القلق حول الخصوصية بدأت تتطاير. وكأننا أمام مفترق طرق، وسؤال كبير: كيف يمكن لجهازك الذكي أن يقدم لك الراحة، لكنه في الوقت ذاته يتحول إلى نافذة تطل منها السلطات على خصوصياتك كل لحظة؟

في الأسطر التالية، ننظر معاً في خبايا هذا التطبيق الذي تصنعه شركة في كونتاكتي VK الروسية، ونستعرض آراء الخبراء حول حقيقة ما يجري وراء الكواليس الرقمية.


من تطبيق للمحادثات إلى أداة مراقبة ذكية

ماكس ليس مجرد تطبيق دردشة عادي كما تعتقد للوهلة الأولى. صحيفة فوربس رصدت تحليلات متخصصين في الأمن السيبراني، ممن أجروا فحصاً تقنياً دقيقاً للتطبيق عبر أداة “كورليوم” للطب الشرعي على الأجهزة الذكية. النتيجة؟ وصف أحد هؤلاء الخبراء، الذي فضّل عدم ذكر اسمه خوفاً من الملاحقة، المشهد قائلاً: لم أرَ تطبيق مراسلات يجمع ويسجل كل هذه البيانات بهذا الشكل من قبل. فهناك مراقبة مستمرة و”تتبع مفرط” لكل نشاط المستخدم تقريباً، بدءاً من الرسائل وصولاً لإذن الوصول للكاميرا والميكروفون والموقع الجغرافي. هذا يجعل الخصوصية مجرد حلم بعيد في عالم “ماكس”.

ولأن ماكس بُني في الأساس على شيفرة تطبيق “تام تام” القديم، واستُخدم كقاعدة للبرمجة، لم يكن مستغرباً أن تبرز فيه ذات نقاط الضعف الأمنية. لكن المثير في الأمر أن خبير الأمن نفسه أكد: التطبيق لا يوفر تشفيراً فعلياً للبيانات، أو على الأقل لم تظهر آثاره التقنية أثناء الفحص، ما يترك بيانات المستخدمين مكشوفة وسهلة الرصد—عن عمد على ما يبدو.


تطبيق يخدم السلطة قبل المستخدم

هذه التقنيات تثير جملة من الأسئلة حول أهداف التطبيق الحقيقية. وهنا يبرز تعليق باتريك واردل، المحلل السابق في وكالة الأمن القومي والرئيس التنفيذي لشركة أمن معلومات أمريكية، حيث أكد بعد مراجعته المستقلة النتائج ذاتها: التطبيق يتضمن تتبعاً عالي الدقة لمواقع المستخدمين في الخلفية، ويتيح نظرياً مراقبة الاتصالات ممن يديرون النظام. وختم بسخرية مستخدماً سؤالاً استنكارياً: “أي شيء أكثر من ذلك قد يريده نظام سلطوي للتحكم في مواطنيه؟”

ولا يصعب الربط هنا بين هذا السلوك وسياسة الدولة الروسية الرامية إلى تعزيز سيطرتها على الفضاء السيبراني الداخلي. لذا سيكون التطبيق، مع اقتراب دخوله حيز الإلزام ابتداءً من الأول من سبتمبر، أداة حاضرة في كل هاتف داخل البلاد تقريباً. وهذا يقودنا للحديث عن البيئة المحيطة التي تُزرع فيها هذه الأدوات.


تحكم شامل في الأجهزة والخدمات الرقمية

ومن اللافت أن قرار فرض “ماكس” يأتي بالتوازي مع خطوات أخرى، حيث ستثبت تطبيقات إضافية مثل منصة “روستور” (متجر التطبيقات الروسي البديل) وتطبيق Lime HD TV لمتابعة القنوات الحكومية على أجهزة آبل وأندرويد والتلفزيونات الذكية بداية من العام المقبل. هذا التكامل بين التطبيقات الحكومية يعكس سعي قادة الكرملين لجعل كل جهاز ذكي في روسيا نافذة مركزية للسيطرة الإعلامية والتكنولوجية ونشر الدعاية الرسمية، خصوصاً في ظل الحرب الدائرة في أوكرانيا وما رافقها من حملات إعلامية وقيود إنترنت مشددة.

ومن هنا يبدو أن “ماكس” ليس إلا حلقة في سلسلة طويلة من مشاريع الرقابة الرقمية، تتشارك فيها شركات كبرى مثل VK، التي تهيمن عليها الآن شركات الدولة الروسية العملاقة، ويقودها شخصيات مرتبطة بدوائر صنع القرار في موسكو. ويشير دخل الشركة السنوي البالغ نحو 900 مليون دولار إلى حجم الاستثمارات والأهمية التي تلقاها تلك البنية التحتية التكنولوجية.


خصوصيتك على المحك: ما الخيارات المتاحة؟

إذاً ماذا تعني هذه الخطوات لمستخدم عادي في روسيا أو بيلاروسيا؟ الأمر يشكل تحدياً حقيقياً لكل من يهتم بخصوصية بياناته وأمانه الرقمي. فالخبراء ينصحون، وبصريح العبارة، بعدم استخدام “ماكس” إطلاقاً، واعتباره مجرد “ثغرة أمنية ضخمة بطبيعتها”. لكن أمام إلزام التطبيق على الأجهزة الذكية، يضيق هامش الاختيار ويتراجع الأمل في فضاء إلكتروني حر ومستقل.

ارتباط التكنولوجيا بالسياسة والشؤون الأمنية لم يعد مجرد خبر عابر، بل أصبح واقعاً يومياً في حياة ملايين المستخدمين، يرسم معالمه الذكاء الاصطناعي، وسائل التواصل، قواعد التتبع الجغرافي، وقرارات السلطات.

في الختام، تتكشف لنا صورة أوضح حول المسار الرقمي الذي تسلكه الدولة الروسية اليوم: توجيه الرسائل الإلكترونية لم يعد محصوراً بين الأفراد فقط، بل تحوّل إلى وسيلة للرقابة والسيطرة، حيث تتحالف منظومات الذكاء الصناعي، وتقنيات التتبع، ومعطيات البيانات الضخمة لتضييق الخناق على الخصوصية الشخصية. لذا يتجدد السؤال: هل أصبح الهاتف الذكي في روسيا أداة تواصل… أم أداة مراقبة متطورة في يد السلطة؟ في كل الأحوال، تظل حماية بياناتك مسؤوليتك الأولى في هذا المشهد المعقد والمتغير.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.