طارق عبدالله: في Google لم نُدخل الشركات إلى الإنترنت فقط، بل أدخلناها إلى الاقتصاد الرقمي

5 د
يرى طارق عبدالله أن التجارة والمحتوى والذكاء الاصطناعي باتت مترابطة بالإيرادات.
انتقل من التسويق إلى مسؤولية P&L لربط الإبداع بالعائد المباشر.
في Visa تحوّلت “الرعاية” إلى دمج دفع يقاس بحجم المعاملات.
يحذّر من تحديث الأدوات دون تطوير المهارات والحوافز.
يعتبر الأسواق الناشئة مختبرًا لاتجاهات fintech و"رقمي أولًا".
في لحظة تتقاطع فيها التجارة مع المحتوى والذكاء الاصطناعي، لم يعد سؤال العلامة التجارية منفصلًا عن سؤال الإيرادات. طارق عبدالله عاش هذا التحول من الداخل: من إدارة منتجات استهلاكية تقليدية في Mars، إلى توسيع عمليات Google عبر 16 سوقًا ناشئة، وصولًا إلى Visa حيث يتحمّل مسؤولية تجارية كاملة. هذا الحوار يفكك كيف تغيّر تعريف “التسويق الجيد”، ولماذا فضّل الانتقال من قيادة تسويقية إلى مسؤولية P&L، وكيف تحوّل مفهوم “الرعاية” في Visa من وضع شعار إلى ربط مباشر بإيرادات قابلة للقياس.
طارق عبدالله هو مسؤول تنفيذي يقود أعمال Visa في منطقة أوروبا الوسطى والشرقية والشرق الأوسط وأفريقيا. شغل سابقًا مناصب قيادية في Google وTikTok وMars، مع خبرة تمتد عبر أسواق الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا الشمالية في مجالي السلع الاستهلاكية والتقنية.
من الأرفف إلى الشاشات إلى المعاملات
تنقلت بين Mars وGoogle وTikTok ثم Visa. ما الذي يربط هذه المسيرة، رغم اختلاف القطاعات؟
أراها مسيرة واحدة لفهم سلوك المستهلك والتأثير فيه، لكن من زوايا مختلفة. في Mars تعلّمت الأساسيات: فهم المستهلك، إدارة سلاسل الإمداد، والتعامل اليومي مع P&L. كانت مدرسة صارمة في الانضباط التشغيلي. القرار هناك كان يُقاس بحصة سوقية واضحة أو هامش ربح محدد.
في Google قفزت إلى البيئة الرقمية. قدت توسيع التكنولوجيا والعمليات عبر 16 سوقًا ناشئة. هنا تغيّر نوع الأسئلة: كيف نُدخل ملايين الشركات والأفراد إلى الاقتصاد الرقمي؟ وكيف نقيس التبني؟ لم يعد المنتج سلعة على رف، بل منصة تُبنى فوقها أنشطة كاملة.
TikTok بدورها نقلت التركيز من تنظيم المعلومات إلى إلهام الإبداع. أما Visa فهي تقف في نقطة حساسة بين الثقافة والتجارة. المطلوب ليس فقط تشغيل شبكة مدفوعات موثوقة، بل تحويل محرك مالي موثوق إلى علامة ذات صلة ثقافيًا في عالم رقمي بالكامل.
إعادة تعريف “التسويق الجيد”
كيف تغيّر تعريفك للتسويق مع هذا الانتقال بين الصناعات؟ وكيف تقيس “الجيد” اليوم؟
في بداياتي كانت مقاييس التسويق أقرب إلى مؤشرات عامة: وعي بالعلامة، إعجاب، صورة ذهنية. أرقام مهمة، لكنها منفصلة غالبًا عن لوحة مؤشرات الشركة الأساسية. مع الوقت أدركت أن هذا الفصل يضعف تأثير التسويق داخل المؤسسة.
اليوم أرى أن التسويق الجيد يحتفظ بالإبداع، لكنه يضع رابطًا واضحًا بين الفكرة والقيمة المتحققة. في Visa مثلًا، عندما نرعى حدثًا كبيرًا، لا نكتفي بالظهور بالشعار. نعمل على دمج تقنيات الدفع داخل تجربة المشجع نفسها. نسأل: هل زادت تفضيلات الاستخدام؟ هل ارتفع حجم المعاملات المرتبط بالحدث؟ الربط المباشر بين التفضيل والإيراد هو ما يمنح التسويق وزنًا على طاولة القرار.
من الصوت التسويقي إلى مسؤولية الأرباح
انتقلت من قيادة تسويقية إلى مسؤولية كاملة عن P&L. لماذا كان هذا التحول مهمًا لك؟
التسويق غالبًا ما يُعزل داخل المؤسسة كمركز تكلفة. هذا يحد من طموحه وتأثيره. عندما تتحمل مسؤولية P&L، تجلس إلى الطاولة ليس فقط بصفتك “صوت العميل”، بل كطرف مسؤول عن الأثر التجاري.
القرار بالنسبة لي كان توسيع نطاق التأثير. بدل الاكتفاء بتوجيه الرسائل أو الحملات، أصبحت مسؤولًا عن التسعير، الشراكات، أولويات الاستثمار. النتيجة أن النقاشات تصبح أكثر صراحة: ما الذي سنموّله؟ ما الذي سنوقفه؟ وما العائد المتوقع؟ هذا يربط الإبداع بالمساءلة.
درس الجائحة: التقنية كأداة تنمية
خلال الجائحة قدتم في Google برامج لتدريب الملايين على المهارات الرقمية. ماذا غيّر ذلك في نظرتك لدور الشركات التقنية؟
قمنا بتدريب ملايين الأشخاص في الأسواق الناشئة على المهارات الرقمية. هذا الرقم لم يكن مجرد مبادرة علاقات عامة، بل استجابة لواقع اقتصادي متعثر. أدركت حينها أن شركات التقنية ليست مجرد مزودي منتجات، بل أطراف فاعلة في التنمية الاقتصادية.
عندما دعمنا مشاركة المرأة اقتصاديًا، لم يكن الدافع أخلاقيًا فقط، بل اقتصادي أيضًا. توسيع قاعدة المشاركة يعني زيادة الناتج الكلي للنظام الذي تعمل داخله. تعلمت أن الاستراتيجية الأكثر استدامة هي التي ترفع كفاءة المنظومة كلها، لا الشركة وحدها.
ماذا يعني “Digital-First” في Visa؟
يتكرر مصطلح “رقمي أولًا”، لكن ماذا يعني عمليًا في شركة مدفوعات عالمية؟
ليس المقصود مجرد استبدال بطاقة بلاستيكية بمحفظة رقمية. الفكرة أعمق: كيف ندمج Visa داخل “كود” التجارة نفسها؟ في الألعاب الرقمية، في معاملات الشركات الصغيرة عبر الحدود، في أي بيئة تتم فيها صفقة رقمية.
“رقمي أولًا” يعني أن نكون طبقة الثقة التي تُمكّن الاقتصاد الرقمي. هذا يتطلب قرارات تشغيلية واضحة: أين نستثمر تقنيًا؟ ما نوع الشراكات التي نعقدها؟ وكيف نعيد تعريف معنى العلامة في عالم افتراضي إلى حد كبير؟
أخطاء شائعة في تحديث التسويق
ما أكثر خطأ يتكرر لدى الشركات عند محاولة تحديث وظائف التسويق؟
تغيير الأدوات دون تغيير القدرات والحوافز. الاستثمار في أنظمة تقنية متقدمة دون رفع مهارات الفريق يؤدي إلى أنظمة مكدّسة لا تُستخدم بفاعلية. رأيت شركات تمتلك أفضل المنصات، لكنها تقيس النجاح بمؤشرات سطحية.
إذا استمر التركيز على أرقام شكلية، فلن يصل التسويق إلى دوره الطبيعي كمحرّك تجاري. التحديث الحقيقي يتطلب تدريبًا، وتغييرًا في آليات التقييم، وربطًا صريحًا بين المقاييس والنتائج المالية.
الأسواق الناشئة كمختبر للمستقبل
قدت فرقًا في الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا وآسيا. كيف تقرأ الفروقات بين هذه الأسواق؟
الموهبة موجودة في كل مكان، لكن الفرص ليست متكافئة. كثير من الأسواق الناشئة هي أسواق “قفز تقني”، يتبنى فيها المستهلك حلول fintech أسرع أحيانًا من الغرب.
لذلك لا أراها مناطق نكيّف فيها حلولًا غربية جاهزة، بل مختبرات اتجاهات ستظهر عالميًا. سرعة التبني هناك تعطينا مؤشرات مبكرة عمّا سيصبح سائدًا لاحقًا.
بناء فرق عالية الأداء
ما الذي تبحث عنه عند بناء فريق قيادي؟
تنوع طرق التفكير. وجود زوايا نظر مختلفة داخل الغرفة قوة حقيقية، خاصة في المؤسسات المعقدة. أبحث عن فضول، ودافع، وقابلية للتكيّف.
كما أؤمن بأن النمو يأتي من توسيع الأدوار، لا من الترقيات الشكلية فقط. كثيرًا ما يرتقي الأشخاص إلى مستوى التحدي عندما يُمنحون مساحة حقيقية للمسؤولية.
التسويق في عصر تقارب المحتوى والتجارة والذكاء الاصطناعي
كيف ترى شكل السوق خلال السنوات القادمة، خصوصًا في الأسواق الناشئة؟
سنرى تقاربًا متزايدًا بين المحتوى والتجارة والذكاء الاصطناعي. زر “الدفع” سيقترب أكثر من موجز المحتوى. قد تتحول المنصات الاجتماعية إلى متاجر، وتظهر وكلاء افتراضيون يتخذون قرارات شراء نيابة عنا.
هذا يعني أن التسويق لن يخاطب البشر فقط، بل أيضًا أنظمة ذكاء اصطناعي تؤثر في قراراتهم. وأعتقد أن الأسواق الناشئة ستقود هذا التحول، بحكم سرعة تبنيها للحلول الرقمية.
في حديثه تظهر ثلاث نقاط عملية: ربط التسويق مباشرة بالإيراد يغيّر مكانته داخل الشركة؛ تحديث الأدوات دون تطوير المهارات خطأ يتكرر ويضعف العائد؛ والنظر إلى الأسواق الناشئة كمؤشر اتجاه، لا كسوق تابع، يمنح أفضلية تنافسية مبكرة. في النهاية، المسألة عند عبدالله ليست حملة ناجحة، بل قرار محسوب يمكن تتبع أثره.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

