0

بالرغم من قلة الموارد الطبيعية، نهضت تايوان التي لا تملك سوى شعبها وحده بعملاق أشباه الموصلات الأكبر في العالم، شركة TSMC أو (Taiwan Semiconductors Manufacturing Company) لتكون بداية هذا المصنع نقطة تحول تاريخية في اقتصاد تايوان، فضلاً عن كونها أحد قصص النجاح المفضلة لدى مدربي التنمية البشرية

تستحوذ اليوم الشركة التايوانية لأشباه الموصلات TSMC على حصّة سوقية تفوق الـ 50% من سوق أشباه الموصلات في العالم، عبر مصنع في جزيرة تعتبر محط خلافات جيوسياسية بمساحة تقارب الـ 13 ألف كيلو متر مربع، كيف أنشأت تايوان TSMC المتحكم الأكبر بسوق أشباه الموصلات؟ 

كيف تمكنت الجزيرة التايوانية من إنشاء أكبر المصانع في العالم TSMC؟

تكلف مصانع أشـبـاه الموصلات مليارات الدولارات والكثير من الجهد والتطوّر التقني، ما يجعل الأمر يدعو للتعجب، فكيف لجزيرة صغيرة أعلنت انفصالها عن الصين في ظروف اقتصادية غير مستقرة أن تقوم بإنشاء مصنع أشـبـاه الموصلات TSMC لتصبح من خلاله من أفضل بلدان العالم اقتصادياً؟! لنتعرف على قصة تايوان، جزيرة صغيرة خارجة من أنقاض الحرب والبلد الأم لمصنع TSMC الذي يصنع تكنولوجيا العالم!

تايوان، وليدة صراع شيوعي قومي

بعد اندلاع الحرب الأهلية في الصين، سيطرت القوات الشيوعية على الحكم آنذاك وفر زعيم الصين مع حكومته بعد فشل المفاوضات مع رئيس الحملة الشيوعية متوجهاً نحو جزيرة تايوان برفقة ما يزيد عن 2 مليون شخص، وبحوزته احتياطي الصين من الذهب والعملات الأجنبية بالإضافة لبعض الآثار، ليعلن أن “تايبيه” عاصمة تايوان بالتوازي مع إعلان الشيوعيين عن قيام جمهورية الصين الشعبية.

وبعد الإعلان عن تايوان كإقليم مستقل، تم تركيز الاهتمام على الاقتصاد حينها، حيث عانت من التضخّم الكبير وبدأ البحث لإيجاد خطة في سبيل النهوض الاقتصادي، كانت الزراعة حينها المورد الأساسي لسكان الجزيرة، فبدأت الحكومة التايوانية بدعم القطاع الزراعي من خلال إصدار قانون إصلاح الأراضي الزراعية بالتوازي مع الدعم الأمريكي للجزيرة التايوانية التي تعتبر أحد أهم الحلفاء. 

من بلد زراعي إلى أهم البلدان الصناعية في العالم

ساهمت النهضة الزراعية بزيادة رأس مال الحكومة التايوانية، ما دفع بتايوان للانتقال إلى المرحلة التالية في نهضتها الاقتصادية، لتركز على دعم الرعاية الصحية والتعليم في سبيل الاستثمار بالمورد الوحيد والأكثر الأهمية لديها “البشر”، وبعد توقف المساعدات الأمريكية، اتجهت تايوان لاستغلال أرباح القطاع الزراعي في سبيل بدء أول خطوة اقتصادية ترسم معها معالم جديدة لتايوان.

قامت تايوان بتأسيس معهد بحوث التكنولوجيا الصناعية “ITRI“، والذي يهدف إلى تعزيز الابتكار والبحث العلمي، حيث اهتمت بالتدريب المهني والإعداد العلمي لشعبها؛ لأنهم رأس المال الأهم لتايوان، بدأت حينها العديد من المصانع والشركات التكنولوجية بالنهوض لتشكل أهم ركائز الاقتصاد كالشركة العالمية “فوكسكون” وشركة أشباه الموصلات TSMC المورد العالمي الأكبر لتصنيع الرقاقات. 

بدايات مصنع TSMC

مع الحملة التي أطلقتها تايوان لإعادة استقطاب التايوانيين من حملة الشهادات للعودة إلى داخل البلاد من أجل المساهمة في بنائها من خلال تقديم بعض الامتيازات لهم، ومن بين هؤلاء كان المهندس التايواني موريس تشانغ الذي تمت دعوته للعودة ليترأس معهد البحوث التكنولوجية الصناعية ITRI بهدف المساهمة بوضع خطط فعّالة لتنمية الاقتصاد الصناعي، والتركيز بشكل خاص على قطاع أشباه الموصلات والذي كان في بداية نشوءه حينها، وبعد سنتين من ترؤسه المعهد عمل على تأسيس شركة لصناعة أشباه الموصلات، حيث كان بحاجة لفكرة تجعله قادراً على منافسة المصانع العالمية المستحوذة على سوق أشـبـاه الموصلات آنذاك. 

تمر مرحلة إنتاج أشباه الموصلات بمرحلتين، وهما التصميم والتصنيع، معظم الشركات حينها كان لها القدرة على تصميم أشباه الموصلات الخاصة بها؛ لكنها تفتقر لإمكانية تصنيعها، حيث أن بناء مصانع خاصة لإنتاج أشباه الموصلات يكلّف المليارات، ممّا كان يدفع هذه الشركات لطلب العون من الشركات التي تمتلك مصانع أشباه الموصلات بالفعل، لكن تلك المصانع كانت تستغل أهميتها وحاجة بقية الشركات لطلب الحصول على التصميم الخاص بالشركات مقابل إنتاج أشباه الموصلات لهم.

استغل تشانغ تلك المسألة لتأسيس مصنع يقوم على فكرة تصنيع أشباه الموصلات مع الحفاظ على حقوق ملكية تصميمات أشباه الموصلات للشركات، حيث تم إنشاء مصنع TSMC لأشباه الموصلات بالتعاون بين الحكومة التايوانية وشركة فيليبس الهولندية إلى جانب مستثمرين آخرين.

صعود TSMC مسيطراً على سوق الرقائق

وفقاً لموقع الشركة الرسمي، تنتج TSMC أكثر من 10000 منتج لما يقرب من 500 عميل في جميع أنحاء العالم، من بينها أسماء عالمية كإنتل الذي يعتبر أحد العمالقة في سوق أشـبـاه الموصلات التي قامت بتوكيل مهمة تصنيع رقائقها القديمة لـ TSMC، بينما تعمل هي على تصميم وإنتاج رقائق أحدث، كما أن TSMC تقوم بتصنيع الرقائق لشركة أبل بعد تزويدها بتصميماتها، وتعتبر آبل أحد أهم عملاء TSMC، حيث نمت الشركة التايوانية في غضون سنوات قليلة وحققت معدل نمو عالٍ ليفوق نصيبها في سوق أشباه الموصلات 50%.

وتجلت أهميتها في أزمة أشباه الموصلات الأخيرة، حيث اعتمد عليها العالم بشكل كبير وازداد الضغط بشكل ملحوظ وتفردت بالساحة بعد تخلف نظيرها إنتل، وذلك بسبب أخطاء إدارية أدت لتأخره بإنتاج الجيل الجديد من الرقائق الإلكترونية 7nm بينما تقوم TSMC في هذا الوقت بصناعة الرقائق الإلكترونية 5nm.  

TSMC وأزمة أشباه الموصلات الأخيرة

أججت أزمة أشباه الموصلات الحرب بين الصين وأمريكا حول تايوان البلد الأم لـ TSMC، والتي تعتبرها الصين جزءاً منها وتحاول منذ انفصالها عنها إعادتها إلى جمهورية الصين الشعبية، أما الآن فلم تعد السيادة القومية المطمع الوحيد لاستعادة تايوان، حيث أن الصين تعاني من نقص في إنتاج الموصلات ولا تستطيع تغطية احتياجاتها، وازداد الوضع سوءًا بعد أزمة أشباه الموصلات والضغوط الأمريكية ومحاولة الأخيرة كسب تايوان لصفها خاصة أن معظم الشركات الأمريكة تعتمد بشكل كبير على TSMC، بالإضافة لأن أمريكا بالاتفاق مع TSMC قررت بناء مصنع تابع لـ TSMC في ولاية أريزونا، ما يجعل الصين تفكر بشكل جدي باستعادة تايوان بأي شكل. 

ذلك كان ملخصاً لقصة عملاق أشباه الموصلات TSMC من فكرة جريئة وعبقرية في وسط مليء بالمنافسين إلى أحد أكبر المتحكمين بالسوق العالمي بأهم الصناعات عالمياً (أشباه الموصلات) والتي تشكل جزءاً لا يتجزأ من معظم القطاعات الصناعية، وقطعة الحلوى الأشهى التي تلاحقها الأنظار الأميركية والصينية. وإذا كانت أشباه الموصلات هي النفط الجديد، فيمكننا اعتبار TSMC أكبر وأهم آبار هذا النفط.

0

شاركنا رأيك حول "تعرف على شركة TSMC التي تصنع تكنولوجيا العالم.. القصة وراء عملاق أشباه الموصلات التايواني!"