محمد المصري: بنيت Tactful، وأثبت ان التكنولوجيا العالمية يمكن أن تُبنى في صعيد مصر
7 د
في العادة تُروى قصص التكنولوجيا من القاهرة أو من عواصم عالمية معروفة، لكن رحلة محمد المصري تبدأ من الصعيد: من جامعة المنيا، ثم الأقصر وأسوان، حيث كان “بناء بيئة تقنية” هدفًا بحد ذاته قبل بناء المنتج.
بعد تخرّجه عام 2004 أسّس شركة لحلول تقنية تخدم المراكب السياحية والفنادق العائمة، ونجح في تنفيذ نظام إنترنت مؤتمت يقلّل تدخل العاملين في الفنادق فكرة لم تكن مألوفة وقتها. لكنه يتوقف عند حدود هذا النجاح: نقص الخبرة الإدارية منعه من التوسع كما كان يتخيل.
في هذا الحوار، يشرح كيف انتقل من تجارب محلية إلى بيع تقنيات لاسلكية لشركات عالمية، ثم لماذا قرر “تعلم الحجم من الداخل” عبر العمل في أنظمة أمنية حساسة، وكيف انتهى به الأمر إلى تفكيك منتجٍ كان “أكبر من أن يُموَّل دفعة واحدة” حتى وجد نقطة القيمة التي صارت أساس Tactful. وعدُ هذا الحوار بسيط: منطق القرارات، المفاضلات، وما الذي تغيّر في التشغيل عندما أصبحت المنافسة عالمية.
محمد المصري، مؤسس Tactful وهو مؤسس ورائد أعمال تقني. أسّس شركات في مجالات الشرائح الإلكترونية (Semiconductors) وتجربة العملاء المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع جذور تشغيلية بدأت من الصعيد المصري
من الأقصر: بناء التكنولوجيا كبيئة لا كمنتج
عندما تقول إن قصتك بدأت من “مكان بعيد عن مراكز الشركات الناشئة”، ماذا كان الدافع الحقيقي؟
أنا نشأت في الصعيد ودرست هندسة الإلكترونيات في جامعة المنيا. الفكرة لم تكن أن أبني “منتجًا” فقط. كنت أريد إثبات أن المنطقة نفسها يمكن أن تكون بيئة تُنتِج تكنولوجيا—وظائف، مهارات، وشغل بمعايير محترمة—حتى لو لم يكن ذلك هو المسار المعتاد.
بعد التخرّج عام 2004 أسست شركة في الأقصر لحلول تقنية للمراكب السياحية والفنادق العائمة. ماذا نفذتم تحديدًا؟
عملنا على خدمات تقنية للفنادق العائمة في الأقصر وأسوان، ومن أهم ما نفذناه نظام إنترنت مؤتمت يقلّل تدخل موظفي الفندق. وقتها كان هذا غير مألوف: أن تعتمد الخدمة على الأتمتة بدل “الذهاب والعودة” مع الطاقم في كل خطوة. التنفيذ نجح، وهذا كان مهمًا لي كإشارة: يمكن أن تُنجز شيئًا متقدمًا من هناك.
قلت إن النجاح لم يتحول إلى توسّع كامل. ما الذي كان ينقصك وقتها؟
الإدارة. التنفيذ التقني وحده لا يكفي. لم يكن لدي وقتها خبرة كافية في بناء منظمة قابلة للنمو—إدارة، عمليات، وتوسيع فريق. النتيجة أننا أثبتنا الفكرة تقنيًا، لكن لم نحسن تحويلها إلى شركة كبيرة كما أردت. تعلّمت أن “المنتج يعمل” لا يعني أن الشركة ستكبر تلقائيًا.
معيار عالمي بموارد محلية
بعدها انتقلت لتجربة مختلفة تمامًا مع Silicon Vision. ما الذي تغيّر في طبيعة العمل؟
تغيّر كل شيء تقريبًا. مع مجموعة من المهندسين الشباب شاركت في تأسيس Silicon Vision، شركة شرائح إلكترونية تعمل على تقنيات لاسلكية. لم نكن نبني مكونات يتم الاستعانة بها كتعهد خارجي، بل منتجات تُباع لشركات عالمية مثل Intel وSony. الفرق هنا أنك تعمل بمعيار عالمي لأن العميل عالمي، وملاحظاته، وتوقعاته، واشتراطاته ليست قابلة للمجاملة.
ما الذي كان يهمك أكثر: البيع لشركات عالمية أم مكان تنفيذ العمل؟
مكان التنفيذ كان جوهريًا. أن تتصمم تقنيات تُطوَّر عادةً في أوروبا أو الولايات المتحدة داخل فريق مصري محلي يعمل بمعايير عالمية. لحظة التحقق الأكبر كانت عندما استحوذت شركة أمريكية كبرى على كل تقنيات Silicon Vision. هذا كان ردًا عمليًا على فكرة “الفجوة” التي يظنها كثيرون: القدرة كانت موجودة، لكنها تحتاج سياقًا وتشغيلًا صحيحًا.
تعلّم “الحجم” من الداخل
بدل أن تؤسس شركة جديدة مباشرة، اخترت الذهاب للخليج والعمل في شركة أمن سيبراني تخدم وزارات وبنوك. لماذا؟
لأنني كنت أحتاج أن أرى الأنظمة الكبيرة من الداخل. انضممت لشركة أمن سيبراني تعمل مع وزارات الداخلية والدفاع وكذلك بنوك، وفي البداية كنت المهندس الوحيد. في هذه البيئة لا توجد مساحة للأخطاء السهلة: الاعتمادية والأمن خطان أحمران. هذا جعلني أفهم كيف تعمل المنظمات الكبيرة: إجراءات، مسؤوليات، طبقات قرار، وكيف تُدار المخاطر.
ثم عدت إلى مصر بعد ثورة 25 يناير. ما الذي كنت تبحث عنه عند العودة؟
كنت أرى فرصة لإعادة تشغيل ما حاولت أن أبدأه سابقًا، لكن بعقلية مختلفة. رجعت وأنا أفهم أكثر معنى الهيكل، ومعنى أن تبني شركة تستطيع أن تستمر تحت الضغط، لا فقط أن تُنجز مشروعًا.
تفكيك منتج كبير للوصول إلى قيمة قابلة للنمو
ما الشكل الأول لـ Tactful؟ وما الخطأ الذي ارتكبتموه مبكرًا؟
بدأنا بفكرة منصة بيت ذكي تجمع العتاد والبرمجيات لتسهيل اعتماد الناس لتقنيات متصلة. كانت فكرة طموحة ومركّزة جدًا على تجربة المستخدم، لكنها أكبر من أن تُموَّل دفعة واحدة. لو أصررنا عليها كما هي، كنا سنحرق وقتًا ومالًا بلا نتيجة.
ماذا فعلتم بدل الإصرار؟
فككنا الفكرة. كل مكوّن اختبرناه وحده بدل حزمة واحدة. مع الوقت ظهر بوضوح أين القيمة الأسرع والأكثر قابلية للتوسع: برمجيات تساعد الشركات على تحسين تجربة العملاء. التحول لم يأتِ من تنظير، بل من تجربة عملية على الأجزاء.
(متابعة قصيرة): كيف عرفتم أن “القيمة الأكثر قابلية للتوسع” كانت هنا؟
لأننا عندما اختبرنا المكونات منفصلة، وجدنا أن الشركات لديها ألم مباشر في خدمة العملاء عبر القنوات المختلفة، وأن الحل البرمجي يمكن نشره وتكراره أسرع من حل يعتمد على عتاد وسلسلة توريد وتمويل أثقل. النتيجة كانت أن هذا المسار صار أساس Tactful.
بناء فريق عبر الاستثمار في الخريجين
في التوظيف، أنت لا تتحدث عن “جمع نجوم جاهزين”. لماذا اخترت توظيف خريجين جدد؟
لأن الهدف لم يكن إنتاجًا سريعًا فقط. كنت أريد بناء قدرة طويلة المدى. جلبت خريجين جدد واستثمرنا بعمق في تطويرهم. هذا يأخذ وقتًا ومجهودًا، لكنه يبني فريقًا يستطيع أن يحمل التكنولوجيا وينمو بها، وربما يخرج منه لاحقًا مؤسسون لشركات جديدة.
ما الذي تغيّر على أرض الواقع نتيجة هذا النهج؟
اليوم كثير من هؤلاء يقدّمون عملًا بمستوى عالمي، والشركة تستعد للتوسع أكثر، خصوصًا في القاهرة. بالنسبة لي بناء الفريق ليس شيئًا منفصلًا عن بناء منظومة: عندما ترفع مستوى الناس، أنت ترفع احتمالات أن تُبنى شركات لاحقًا.
لماذا Tactful: فجوة بين توقعات العميل وقدرة المؤسسة
كيف تشرح Tactful من منظور المشكلة لا من منظور التقنية؟
المشكلة أن توقعات العملاء أصبحت أعلى وأسرع: خدمة متسقة وذكية عبر كل قناة—مكالمات، وسائل التواصل، وغيرها—بينما معظم المؤسسات ليست مجهزة لتقديم ذلك. يوجد تشتت بيانات وقنوات منفصلة وفرق تعمل بلا رؤية موحّدة.
وما الذي تبنونه عمليًا لسد الفجوة؟
نبني أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتوحيد القنوات، وتجميع بيانات العميل، وأتمتة جزء كبير من رحلة خدمة العملاء. الهدف ليس حذف البشر، بل تمكينهم ليكون ردهم أفضل وأسرع وأكثر اتساقًا. ما بدأ بشخصين صار الآن فريقًا يزيد عن 60 مهندسًا يعملون على مشكلات معقدة في تفاعل العملاء عبر أسواق متعددة.
“العقبات كانت بشرية” والتمويل يفهم الخدمات أكثر من التكنولوجيا العميقة
عندما تتحدث عن أصعب التحديات، أنت لا تبدأ بالخوارزميات. لماذا؟
لأن الأصعب كان جذب أشخاص يقبلون المخاطرة مع شركة صغيرة بموارد محدودة. تحتاج مهندسين يتخيلون شيئًا غير موجود بعد ويقررون الالتزام ببنائه. هذا تحدٍ إنساني قبل أن يكون تقنيًا.
وماذا عن التمويل؟
التمويل كان عائقًا ثانيًا. في الشرق الأوسط كثير من المستثمرين يشعرون بارتياح أكبر تجاه شركات الخدمات مقارنة بالتكنولوجيا العميقة. المفارقة أن الأفكار نفسها قد تحصل على تمويل أسهل في أوروبا أو الولايات المتحدة لأن المنظومة هناك تفهم مخاطر التقنية طويلة المدى بشكل أفضل.
قياس التقدم بما بُني فعليًا
كيف تقيسون ما تحقق بعيدًا عن “الضجيج”؟
أنظر إلى ما بُني. خلال السنوات الثلاث الماضية استثمرنا أكثر من 5 ملايين دولار في تطوير تقنيات ذكاء اصطناعي خاصة بنا، ووصلنا إلى بناء أول منصة ذكاء اصطناعي مصرية مخصصة لإدارة تجربة العملاء. المنتج اليوم يُستخدم في الشرق الأوسط وأوروبا لدى شركات في التجزئة والتجارة الإلكترونية والضيافة والقطاع المالي، ويقدّم تفاعلات أسرع وأكثر تخصيصًا مع العملاء.
حضور عالمي بجذور محلية: القاهرة وكامبريدج وبريطانيا
تتحدث عن منافسة عالمية انطلاقًا من جذور محلية. كيف تُترجم هذا تنظيميًا؟
لدينا مراكز بحث وتطوير في القاهرة وكامبريدج، ونستثمر بقوة في أبحاث الذكاء الاصطناعي للحفاظ على التفوق. والتركيز الآن على التوسع نحو أوروبا وما بعدها، لكن مع شرط واضح: سرعة تنفيذ دون التضحية بالجودة.
لماذا تأسست الشركة في المملكة المتحدة تحديدًا؟
الموضوع عملي. تأسيس الشركات في بريطانيا بسيط وسريع وغير مكلف، والأهم أن هناك دعمًا وتمويلًا وبنية تحتية تدفع شركات التكنولوجيا. جزء مهم من التمويل المبكر جاء عبر دعم من الحكومة البريطانية. ومع ذلك، مركز الثقل بقي في القاهرة: الفريق هناك، وبدايات العملاء جاءت من مصر والخليج، مثل مجموعة العربي، واتصالات مصر، ومبادلة.
قلت إن Tactful ليست “نهاية الرحلة”. ماذا قصدت؟
انتقلت إلى أوروبا لأفهم معنى العمل داخل منظمة عالمية فعلًا، والتحقت بشركة كبيرة في كامبريدج. العمل مع فرق عابرة للقارات كشف لي اختلافات الثقافة التشغيلية ونماذج اتخاذ القرار، وكيف تنتقل التكنولوجيا من البحث إلى الاستخدام اليومي، وكيف تحافظ الأنظمة الكبيرة على نفسها عبر الزمن.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.
