محمد جاويش: لم أبنِ iSchool كدورة قصيرة… صممتُ مسارًا يمتد لسنوات
7 د
في وقت يتسارع فيه الحديث عن أن الذكاء الاصطناعي سيكتب الشيفرة بدل البشر، يختار محمد جاويش الاتجاه المعاكس: بناء منصة تُدرّس البرمجة والذكاء الاصطناعي للأطفال والمراهقين عبر مسار طويل قد يمتد حتى 6 سنوات.
هذا الحوار مهم الآن لأن سوق التعليم الرقمي يتجه نحو “الكورسات السريعة”، بينما يراهن جاويش على التراكم والانضباط: هيكل واضح، جودة تدريس، ثم توسّع محسوب.
سنرى كيف تحوّلت تجربته في تعليم البرمجة منذ 2014، ثم دراسته في 2017، ثم عمله في اليابان والصين في 2018، إلى نموذج تشغيلي أُطلق في 2019 واستفاد من موجة كوفيد دون أن يعتمد عليها وحدها.
محمد جاويش، الشريك المؤسس لمنصة iSchool لتعليم البرمجة والذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية للفئة العمرية 6–18 عامًا. درس هندسة الإلكترونيات في جامعة القاهرة، وعمل في مشاريع مرتبطة بالروبوتات ومسابقاتها في اليابان والصين.
حين بدأت القصة من فصل صغير لا من خطة شركة
قبل iSchool… ما الذي كنت تفعله؟ وكيف دخلت التعليم أصلًا؟
دخلت من باب التعليم قبل البيزنس. درست هندسة الإلكترونيات في جامعة القاهرة، لكن التحول الحقيقي بدأ 2014 لما بدأت أدرّس برمجة وروبوتكس للأطفال. هناك اكتشفت شيئًا بسيطًا لكنه “تشغيلي” جدًا: الأطفال قادرون يتقدموا بسرعة، لكن فقط لو المحتوى متفصّل عليهم—إيقاع مناسب، شرح واضح، والتزام في التسليم. لما هذه الثلاثة تتكسر، الحماس ينهار بسرعة.
في 2017 سافرت بدعم من السفارة الأمريكية إلى جامعة إنديانا… ماذا أضاف ذلك؟
كانت منحة من السفارة الأمريكية في القاهرة إلى Indiana University لدراسة ريادة الأعمال وإدارة المشاريع. ما أحب أقدّمها كقصة “إلهام لحظي”، لكنها كانت شحذ أدوات. بدل ما تعتمد على الكاريزما أو الارتجال، تتعلم كيف تبني نظام حول رسالة. بالنسبة لي، هذا كان مهم لأن التعليم لو ما صار “نظام”، ينهار مع أول ضغط.
ثم اليابان والصين في 2018… لماذا كانت هذه محطة مفصلية؟
في 2018 انضمّيت إلى Fujisoft في اليابان، واشتغلت على مسابقات روبوتكس للأطفال والبالغين، وبعدها سافرت الصين لنفس المجال. الفكرة ليست شبكة علاقات فقط. الأهم أني شفت معيارًا مختلفًا: كيف يُصمَّم التفاعل بحيث يصير مُهندسًا، لا مجرد أمل. هذا خلاني أرى الفجوة بوضوح أكبر.
الفجوة التي ظهرت في “تركيز الأطفال” لا في أرقام السوق
متى قلت: iSchool صارت ضرورة؟
الإشارة كانت “الانتباه”. في مسابقات الروبوتكس كنت أشوف الأطفال يدخلون تركيز حقيقي—ليس أداء مدرسي. تركيز شخص يبني شيئًا ويرى استجابة. هنا شعرت أن المشكلة في منطقتنا ليست غياب رغبة، بل غياب بنية تدعم هذه الرغبة. الطلب موجود، لكن البنية التي تطوّره بشكل صحيح كانت ضعيفة.
كيف تحولت الملاحظة إلى منتج؟
أنا وشركائي مصطفى عبد المنعم وإبراهيم يوسف قررنا نبني الشيء الذي لم نجده. الفكرة تبلورت في 2018، ثم أطلقنا المنصة أونلاين في 2019. التسلسل كان واضحًا: نرى المشكلة في الواقع، نصمم نموذجًا، ثم نوسّع عبر “التسليم” لا عبر الكلام.
المسار الطويل كقرار تشغيلي… لا كحيلة تسويق
ما الذي تدرّسونه تحديدًا؟ وما المختلف؟
نخدم الفئة من 6 إلى 18 عامًا. ندرّس البرمجة، تطوير الألعاب، الروبوتكس، التصميم الجرافيكي، الذكاء الاصطناعي، ومهارات رقمية مرتبطة. لكن الاختلاف ليس في القائمة. الاختلاف في “الهيكل”: نحن بنينا تقدمًا متدرجًا لا يترك الطالب بعد أول دفعة حماس.
تقول إن المسار قد يمتد حتى 6 سنوات… لماذا هذا الطول؟
لأن الهدف ليس “تجربة لطيفة” ثم شهادة ووداع. صممنا مسارًا يمكن أن يمتد حتى 6 سنوات ينتقل فيه الطالب من مبتدئ إلى متقدم بشكل متعمد. كل مستوى يبني على السابق. هذا يخلق تراكمًا: الطالب لا يجمع معلومات متفرقة، بل يبني قدرة.
وكيف تحافظون على الجودة مع هذا الامتداد؟
ركزنا على جودة التدريس ومعايير المنهج. الدورات تُقدَّم عبر مدربين ذوي خبرة عالية، والمناهج معتمدة دوليًا من STEM. بالنسبة للأهل هذا يطمئن. وبالنسبة لنا هذا “آلية ضبط جودة” تساعد على التوسع بدون ما نخفف المخرجات.
كوفيد: نمو بسبب الجاهزية لا بسبب الصدفة وحدها
متى جاء الزخم الحقيقي؟
كوفيد سرّع الطلب لأن التعليم انتقل أونلاين، ونحن أصلًا كنا Digital-first وببرنامج واضح. حدثت قفزة في الإقبال، ثم توسعنا خارج مصر إلى العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة.
المهم بالنسبة لي ليس “طفرة كوفيد” بحد ذاتها. ما كشفه هو أن كثيرًا من الأسر لم تكن تبحث عن ترفيه بلباس تعليمي؛ كانت تريد مسارًا جادًا وإرشادًا واضحًا، وكانت مستعدة تلتزم إذا العرض بدا موثوقًا.
التمويل: متى يصبح المال وقودًا وليس بديلًا
هل نمَت iSchool بالتمويل منذ البداية؟
لا. بدأنا بالنمو العضوي دون تمويل خارجي. لاحقًا جمعنا تمويلًا إجماليًا بقيمة 6 ملايين دولار، واستخدمناه كرافعة للتسريع، لا كقارب نجاة.
ما محطات الاستثمار بالأرقام؟
أول استثمار كان 160,000 دولار من EdVentures في 2021. ثم جولة أخرى في 2022. وأكبر جولة كانت في ديسمبر 2023: 4.5 مليون دولار بقيادة Venture Wave Capital من أيرلندا، وبمشاركة Oraseya Capital من دبي.
ولماذا أيرلندا بالذات ظهرت في القصة؟
ج: لأن الموضوع بدأ بالأداء لا بعروض الشرائح. في 2023 شاركت في مسابقة حضرها مستثمرون أيرلنديون، وبحسب تجربتي هم رأوا قابلية iSchool للتوسع عالميًا. النتيجة لم تكن تمويلًا فقط؛ أصبحت لدينا قاعدة استراتيجية في أيرلندا لدعم العمليات الدولية. “العالمي” أحيانًا يبدأ حين تكون مفهومًا ومقنعًا خارج سوقك.
البرمجة لم تمت… والذكاء الاصطناعي يزيد الحاجة للفهم
هناك من يقول إن الأطفال لا يحتاجون تعلم البرمجة لأن AI سيكتبها. ما ردك؟
أنا أختلف بقوة. ليس كلامًا عاطفيًا. بشكل عملي: ما زال أحدٌ يحتاج أن يفهم كيف تعمل الأنظمة، كيف يوجّهها، كيف يتحقق من مخرجاتها، وكيف يبني بالذكاء الاصطناعي بمسؤولية بدل أن يستهلك النتائج.
فكرة “البرمجة ماتت” أسمعها كل فترة، لكن الطلب في الواقع يتصاعد. لذلك في iSchool لا ندرّس فقط كيف يكتب الطفل كودًا، بل كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي ويبني به. الهدف ليس الدفاع عن الماضي، بل تجهيز الطالب للأدوات التي سيعيش معها.
المنافسة: قرار التثبيت على الجودة بدل مراقبة الآخرين
كيف ترى المنافسين اليوم؟
في أيرلندا لا أرى منافسين محليين أقوياء في نفس المجال. المنافسة الأجدّ في رأيي تأتي من آسيا—خصوصًا الهند—لأن كثيرًا من الشركات هناك تستهدف السوق الأمريكي.
أنا لا أحب أن أضيع وقتي في مراقبة الآخرين. أفضّل أن نتعلم من أفضل نماذج التدريس عالميًا، ونبقي المنتج محكومًا بنتائج الطالب. يمكنك استعارة ما ينجح تربويًا، لكن لا يمكنك تفويض مسؤولية تقدّم الطالب لأحد.
مؤشرات المصداقية: الوصول مهم… لكن التعليم يحتاج “إشارات ثقة”
ما الذي تعتبره إنجازًا يثبت أن النمو ليس رقمًا فقط؟
خدمنا أكثر من 131,000 طالب عبر مناطق متعددة، وهذا رقم مهم. لكن التعليم يحتاج اعترافًا خارجيًا لأن الثقة تُبنى ببطء.
في 2022 تم اختيار iSchool ضمن برنامج Plug and Play Middle East بدعم من وزارة الاتصالات المصرية وITIDA، وزرت مركز Plug and Play في وادي السيليكون. وحصلت على لقب Founder of the Year لشمال أفريقيا ضمن Global Startups Awards 2021 في جنوب أفريقيا. وفي 2023 أخذنا اعتراف World Summit Awards من الأمم المتحدة مرتبطًا بأثرنا على أهداف التنمية المستدامة، تحديدًا جودة التعليم.
وما أكثر مؤشر “شخصي” يهمك؟
بعض الطلاب بدأوا يحققون دخلًا من العمل الحر. لا أقدمها كحيلة تسويق، بل كإشارة أن المهارة انتقلت إلى الواقع.
الفريق: رفض أسطورة المؤسس الوحيد
ما الذي يقف وراء نجاح iSchool من وجهة نظرك؟
الفريق. أنا لا أؤمن بحكاية البطل الوحيد. المنصة نتيجة عمل يومي من فريق كامل يحاول تحسين التجربة التعليمية للطلاب في المنطقة العربية.
منصات التعليم لا تفوز بفكرة واحدة. تفوز حين تسلّم باستمرار، تحل المشاكل بسرعة، وتُحسّن الأسبوع بعد الأسبوع—حتى لو كان هذا غير لامع.
التوسع القادم: الخليج أولًا… ثم المدارس والحكومات كقنوات توزيع
ما خطط التوسع القادمة؟
جنفكر في التوسع داخل 6 دول خليجية: السعودية، الإمارات، عُمان، البحرين، قطر، والكويت. أرى فرصة كبيرة لأن عدد مزودي التعليم المتخصص في برمجة الأطفال هناك ليس كبيرًا بالشكل الجاد حتى الآن.
وهل ستبقون Direct-to-Consumer فقط؟
لا. الخطة تتوسع إلى B2B وB2G: شراكات مع المدارس والمؤسسات التعليمية والجهات الحكومية، مع الاستمرار في التسجيل عالميًا. ولدينا شراكة مستمرة مع وزارة الاتصالات في مصر عبر مبادرة مجانية لتعليم البرمجة للطلاب، ضمن طموح رؤية 2030 للوصول إلى مليون مبرمج.
والسعودية تحديدًا؟
أراها حركة وطنية كبيرة باتجاه تعليم الذكاء الاصطناعي، وأريد أن تساهم iSchool فيها، لا أن تكون مجرد توسع جغرافي. الفكرة واحدة: عندما يمتلك الطفل الأدوات الصحيحة، لا يكتفي باستخدام التقنية—بل يبتكر بها.
المحتوى: من “تعليم فصل” إلى “توزيع أفكار” على نطاق واسع
لديك حضور ضخم على السوشيال… كيف تربطه بالشركة؟
أنا دائمًا أحب تبسيط الأفكار المعقدة. في 2023 بدأت أنشر محتوى عن الإدارة وريادة الأعمال. وصلت إلى أكثر من 3 ملايين متابع وأكثر من 2 مليار مشاهدة عبر المنصات، وحصلت على Young Media Influencer of the Year في Kazan Global Youth Summit.
لا أتعامل مع المحتوى كمسار منفصل؛ أراه توزيعًا للأفكار، وطريقة للتعليم على نطاق أكبر. ويمكن أن يراكم الثقة إذا ظل مفيدًا.
نصائح لرواد الأعمال: تشغيل بارد الأعصاب
إذا أردت تلخيص نصيحة عملية لرواد الأعمال… ماذا تقول؟
أولًا: استمرارية المشروع بدون مشاكل تدفق نقدي (Cash Flow). ثانيًا: خدمة العملاء—كيف تعامل الناس. ثالثًا: التوظيف بدون عاطفة؛ لا توظف لأن بينكم علاقة شخصية أو توصية فقط. قيّم الخبرة فعليًا، ثم قرر.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.
