مخطوطة فوينيتش أكثر مخطوطات العالم غموضًا: الحقيقة معلقة بين الحرف والصورة

مخطوطة فوينيتش
رُواء سيد
رُواء سيد

5 د


 ”أفضّل العيشَ في عالمٍ يكتنفه الغموض عن العيشِ في عالمٍ صغير جدًا أكاد أحيط بكل ما فيه“..  إرنست فوسديك

في أعماقِ مكتبة باينكي للكتبِ النادرة والمخطوطات في جامعة يال تستقرُ النسخة الوحيدة من مخطوطةٍ مكونةٍ من 240 صفحة، وقدر علماء التراثِ أنها تعود للعام 1420.

بدا الأمر عاديًا للوهلةِ الأولى، مخطوطةٌ نادرة أخرى قادمة من العصورِ الوسطى، ولكن ما لفت الأنظار حولها هو كونها بلا اسمٍ، بلا عنوان، بلا أي شيء يعرفّك كنهها. وما إن تعمقوا داخلها حتى وجدوا كتاباتٍ متناثرة وصورٍ مرسومةً يدويًا تبدو وكأنها قد سُرِقت من حُلمٍ ما؛ أو من فيلم من أفلام هوليوود التي لم يكن لها أثرٌ حينها بالتأكيد.

وجدوا أن هُناك سلاسةٌ واضحة في شكلِ الكتابة؛ حيثُ تتكون المخطوطة من 17 نصٍ منفصلٍ، وكل نص يفصلُه عمّا بعده مسافةٌ ضيقة. نصوصٌ عن الأعشابِ والنباتات وأخرى عن علم الفلكِ والفضاء، والشيء الوحيد الذي كان يجمع بين كل نصوصِها المختلفة هو ذاك الغموض التي تسبحُ فيه الكلمات.

وكان أكثرُ شيء مُميز وملحوظ في تلك المخطوطة هو صور النباتات، نباتاتٌ حقيقية وأكثرها خيالية، قلاعٌ تُحلق في فضاءِ الورق، حلقاتٌ للأبراجِ؛ وبالأكثر، وجدوا رسوماتٍ لشموسٍ وأقمارٍ ترافق كلمات النصّ المُبعثرة، إلى الآن يبدو الأمر غريبًا بعض الشيء، ولكنه ما زال بعيدًا عن الغموض.

ولعلّك تتساءل الآن ما الذي يجعلُ من تلك المخطوطة إحدى أكبر الألغازِ في العالم؟ ما الذي يميزها تحديدًا من بين آلافِ المخطوطاتِ؟ وهذا هو تمامًا السؤال الذي طرحته على نفسي في أول مرةٍ سمعت فيها عن المخطوطة، وفي مقالي اليوم، أردتُ أن أصمتَ أسئلة عقلي المتضاربة وأشبع رغبتي في الكشف عن سرّها، والآن؛ إذا سمحتم لي سآخذكم في جولةٍ سريعة لنكتشف معًا ما وراء تلك المخطوطة، لنتراقص قليلًا على أوتارِ الغموضِ وخيوط الفنّ المتشابكة.

ذو صلة

 هُناك شيءٌ غامضٌ ها هُنا

تخيل معي الآن أنك بائعُ كتبٍ بسيط، ذهبت في يومٍ ما إلى مكتبةٍ مغمورة، وأثناء بحثك عن الكتب التي تحتويها قائمتك تعثرت يداك في شيءٍ ما، رفعتَه ببطءٍ تجاه عينيك وأمعنت النظر؛ مُجلدٌ يبدو مهترئًا.

في بداية الأمر لم تُعِر الأمرَ اهتمامًا كبيرًا، فكرتَ في تركِه مكانِه، ولكن شيئًا ما داخلك دفعك لإلقاءِ نظرةٍ عليه من الداخل، كانت خبرتك كافية لتعرف أيّ كتابٍ يستحقّ أن يُشترى، وأي كتابٍ يُركن على الرفّ، ولكن هذه المرة أصابك تلعثم غريب، وإذ بلسانك يعجزُ عن النطق، وعقلك لا يستطيع استيعاب الكلمات المكتوبة، أحرفٍ غريبة، متلاصقة بجانب بعضها البعض لتشكل كلماتٍ أغرب.

وقعت عيناك على رسوماتٍ مبهرة، ولكنها لا تقل غرابة عن ما يجاورها من كلمات. والآن، يجب عليكَ اتخاذ قرار، ماذا ستفعل لو كنتَ في موقف فوينيتش؟

نعم، لقد سُميّت المخطوطة نسبةً لاسمِ مكتشفُها الأول الذي تقمصتُ شخصيته منذ قليل؛ ”ويلفريد فوينيتش“.


المكتشف الأول وليام فوينيتش

وليفريد فوينيتش؛ بائع كتب بولندي أو ربما تسميه المكتشف الأول للمخطوطة. دعني أكمل لكَ بقية القصّة الآن ولكن مع المكتشف الأصليّ هذه المرّة، حينما أخذ فوينيتش في تصفح المخطوطة داهمته الحيرة، كان يُمسك بين يديه مُجلدًا بلا اسمٍ أو عنوان، أخذ يتساءل عن كاتبه، متى كتبها، وأين هو الآن يا تُرى؟ وما الذي تمثله تلك الكلمات التي لا أصل لها، وما الذي تعبر عنه تلك الرسوم؟ وكيف لألوانها أن تبقى نابضةً بالحياة رغم كل ما أصاب المجلد من اهتراء؟

مخطوطة فوينيتش

تساءل فوينيتش عن إذا ما كان ما بين يديه الآن يُخفي سرًا لم يتمكن من العثورِ عليه بين طيّات صفحاتها، تساءل إذ كانت قد كُتِبت بطريقة شفراتٍ معيّنة. قرر فوينيتش أنه لن يمضي وكأنّ شيئًا لم يكن، قام بشرائها وذهب بها إلى أمريكا. وهُناك، استمرت من بعدِ حيرته حيرةً أكبر، خاصةً بعدما أكدّ عُلماء الكتابة المُشفرة أن ما تحتويه المخطوطة من كتابات تحملُ خصائص لغةٍ حقيقية، وما يجعل الأمرَ أكثر واقعية هو أنّه في اللغاتِ الحقيقية يكون للأحرفِ نمطًا مُحددًا؛ واللغة التي تضمها مخطوطة فوينيتش تبدو وكأن لديها أنماطَ مُشابهة، فلم تتم كتابتها بعشوائيةٍ أو اعتباطية. ولكن يبقى السؤال مُعلقًا، ما هي تلك اللغة الغامضة؟


أشهر ثلاثة افتراضات لتفسير غموض مخطوطة فوينيتش

على مدارِ السنوات، ظهرت ثلاث فرضيات بخصوصِ لغز مخطوطة فوينيتش:


 الأولى: رموز وشيفرة

تفترضُ أنها قد كُتِبَت بالشفرةِ والرموز- كما اعتقد فوينيتش نفسه في أول مرةٍ يراها- وهي لغةٌ سريّة قد صُممت خصيصًا لِـكَي تُخفي المعنى الحقيقي وراء الكلمات.


 الثانية: مخطوطة زائفة

تفترضُ أن المخطوطة زائفة وأنها قد كُتبت برموزٍ غامضة لربح الأموال من مُشترٍ ساذِج؛ وليس بعيدًا أن يكون هو فوينيتش نفسه قد استطاع بعد سنين من الاطلاع على أشكالٍ مختلفة من اللغاتِ والأفكار أن يصنعها بكل حرفيةٍ.


 الثالثة: لغة حقيقية لحضارة مندثرة

تفترضُ الأخيرة أن المخطوطة قد كُتبت بالفعل بلغةٍ حقيقية ولكن بنصٍ غير معروف، ربما كان علماء القرون الوُسطى يحاولون إيجادِ أبجديةً للغةٍ محكيّة ولم تُكتَب بعد، وفي هذه الحالة يُمكن لمخطوطة فوينيتش أن تكون مثل مخطوطة رانغورانغو التي كُتِبت على جزيرة إيستر وهي الآن غير قابلة للقراءة بعدما اندثرت الحضارة التي كُتبت بواسطتها بالكامل.


الغموض هو سيد الموقف

إن عدد الفرضيات حول المخطوطة لا تُعدّ ولا تُحصى، وآخرها كانت نظرية عالِم اللغويات التطبيقية البريطانيّ ”ستيف باكس“ الذي قام باللجوءِ إلى الأساليب التي استُخدمت من قبل في فكّ الكتابة الهيروغليفيّة ومن خلالِها استطاع باكس الوصول إلى طرف خيط؛ وهو فكّ شيفرة أسماءِ العلوم التي تتضمنها النصوص، وعليه استطاع أن يفكّ جزءًا من ذاك الغموض المُثار حول المخطوطة.

وبالرغمِ من أنّ لا أحد قد تمكّن من قراءة أو فهم مخطوطة فوينيتش بالكامل، إلا أنّ هذا لم يمنع الناس من تخمين ما تحتويه، فثمّة من يعتقدون أنها كانت مُجرد محاولة لابتكارِ شيءٍ لم يُصنَع مثله من قبل، والبعضُ الآخر يخمّن أنها موسوعةٌ صغيرة تحوي نتاج الثقافة التي أنتجتها؛ ولكن مهما تعددت الأقوال واختلفت الافتراضيات، سيبقى لك رأيك وفرضيتك الخاصة، وستبقى المخطوطة غامضة.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة