التعذيب باللون الأبيض: كيف ستصبح حياتك إن حلت لعنة “ملائكية” عليها؟

التعذيب باللون الأبيض
دينا خالد
دينا خالد

5 د

في رواية “العمى” للروائي العالمي جوزيه ساراماغو يحكي عن مرض يصيب الأشخاص بالعمى فجأة دون مقدمات، لكن العمى لديه لم يكن أن يغرق المصابون به في اللون الأسود ولكنهم يغرقون كما يصف في “بحر حليبي” ببساطة، فهم عندما انقطع عنهم نور البصر فجأة أصبحوا يتذكرون كل ما كانوا يعرفونه من قبل باللون الأبيض، دون تذكر لألوان الأشياء الحقيقية التي كانت عليها.

أثناء قراءتي للرواية الرائعة- بحسب رأيي- توقفت كثيراً عند تلك النقطة، ماذا يحدث إن رأى الإنسان كل ما حوله باللون الأبيض؟

ولأبين لك عزيزي القارئ سأطلب منك شيئاً واحداً ولتتحملني: أغمض عينيك وتخيل كل شيء أبيض، صورة أبيك وزوجتك وصديقك وهاتفك وكتبك وملابسك وهاتفك وما يحيط بك من أبواب، باختصار استحضر ما تود من المشاهد ثم أطِل كل ما فيه ولا تستثني شيئاً باللون الأبيض. فهل تخيلت مقدار الانزعاج؟

التعذيب باللون الأبيض

إن لم تتخيل بالقدر الكافي فالسطور القادمة تعرفك بما يسمى “التعذيب باللون الأبيض” وتحكي لك كيف يؤثر ذلك النوع من التعذيب على الصحة النفسية والعقلية للشخص، حتى أن من يتم تعذيبهم بتلك الطريقة لا يستطيعون التعافي من أثره طوال حياتهم.

اقرأ أيضًا: صناعة الجوع: هل يمكن أن يتحول اختلاق الأزمات إلى صناعة رابحة!

ذو صلة

 لون ملائكي ولكن به قدر كبير من التعذيب

في سيكولوجية الألوان يعبر اللون الأبيض عن النقاء والصفاء حتى أن الكثيرين يصفونه بأنه لون “ملائكي”، ولكن بما أننا بشر فالعيش المطلق مع ملائكي حتماً ينتهي باضطراب وزلزلة نفسية.

التعذيب باللون الأبيض هو نوع من أنواع التعذيب حيث يقيم السجين بصندوق أو زنزانة بجدران بيضاء بنفس الدرجة، وتقدم له وجبات بيضاء كالأرز داخل أطباق بيضاء، ويقدمه له حراس يرتدون الملابس والأحذية البيضاء حتى أن أنظمة الإضاءة- ذات اللون الأبيض بالتأكيد- مصممة بحيث لا يمكن للسجين حتى أن يكون له خيال على الأرض.


لا ألوان ولا أصوات: الحرمان الحسي بالتعذيب باللون الأبيض

التعذيب باللون الأبيض لا يقتصر فقط على توحيد لون ما يراه السجين، ولكنه نظام مطبق تعتبر العزلة التامة والحرمان الحسي أهم أركانه. فبجانب أطقم الأسرة البيضاء والملابس والجدران والبوابات لا وجود للأصوات مطلقاً، لا يختبر السجين حاسة السمع لديه إلا من خلال ما يصدره هو من أصوات فقط.

السجين لا يسمح له بالكلام مع أي شخص على الإطلاق حتى مع حارس زنزانته، وإن أراد شيئًا كدخول دورة المياه فإنه يكتب ذلك على ورقة بيضاء ويرسلها للحارس من المكان الضيق بين باب الزنزانة والأرض، وعند تحرك الحارس لتنفيذ طلبه، من المستحيل أيضاً أن يصدر صوت لأن الحراس يرتدون أحذية مبطنة لا تصدر أصوات عند المشي، كما أن الأقفال والأبواب يتم تصميمها لكي لا يصدرا أي صوت عند غلق الباب أو فتحه.

لذا فإن الصمت يحيط بالزنزانة من كل جهة. فلك أن تتخيل شخص يعيش لمدة- في الأغلب لا يعرف متى تنتهي- لا يسمع شيئاً ولا يرى إلا اللون الأبيض!

التعذيب باللون الأبيض

لا علامات على الجسد ولكن أثره لا يزول

كما هو مبين، فإن ذلك النوع من التعذيب لا يتم فيه استخدام لأي عنف جسدي أو حتى لفظي، ولكنه تعذيب نفسي بامتياز، فبالرغم من الاعتقاد بأن أضراره لا تتعدى سوا غرس الخوف في نفس السجين الذي يحيا بحياة لا يسمع فيها أحد ولا يرى صورته ولا انعكاسها بظل على الأرض، إلا أن انعكاساتها النفسية تصل إلى حد أبعد فهي تزلزل هوية السجين أمام نفسه فيصبح عاجزاً عن تذكر أهله وأصدقاءه ويتعرض للتشويش وعدم القدرة على التمييز بين الأشخاص الذي قابلهم في حياته السابقة للعزلة، وبالطبع تظهر فوبيا اللون الأبيض فيتفادى السجين التعرض له وقد يشعره مجرد رؤيته بأعراض الفوبيا المعروفة والتي تصل إلى حد ارتفاع متزايد في ضربات القلب قد يؤدي للوفاة.

اقرأ أيضًا: جورج أورويل صاحب تسمية الأخ الأكبر: أديب صنعته ويلات الحروب واستبداد الحكومات


الصحفيون أشهر من عُذّبوا بتلك الطريقة

بالرغم من أن التعذيب باللون الأبيض ليس درباً جديداً في وسائل التعذيب؛ بل إن استخدامه مستمر منذ عقود طويلة في كثير من الدول كالولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا وأيرلندا، إلا أنه في الآونة الأخيرة شاع استخدامه في بعض الدول على رأسها إيران.

في إيران 2004 قامت السلطات بالقبض على بعض الصحفيين المعارضين لنظام الحكم ولبعض سياساته وأودعتهم جميعاً في زنزانات انفرادية، واستخدمت في تعذيبهم النوع المذكور. من أبرز هؤلاء الصحفيين الصحفي المعارض” أمير فخرافار” الذي ألقي القبض عليه بعد نشره مجموعة من المقالات المناهضة لسياسات الحكام الداخلية والخارجية.

تعرض” أمير فخرافار ” للعزل لمدة ثمانية شهور متواصلة تعرض خلالها للعزل التام الحسي، وما زال يعاني حتى تلك اللحظة من أثرها عليه فيقول: “قضيت ثمانية شهور من عمري في غرفة التعذيب البيضاء، وبعد انقضاء الشهور هذه كنت قد نسيت كيف يبدو والدي وشكل وجه والدتي. لم أعد إنساناً طبيعيًا بعد خروجي من السجن!”. وقد قامت منظمة العفو الدولية بتوثيق تلك القضية في نفس عام اعتقاله وبعد خروجه بمدة قصيرة.

يعتبر التعذيب بعزل السجين داخل الغرف البيضاء نوع من أنواع العذاب النفسي التي لا تزول حتى بعد الخروج من السجن، إذ يبقى أثرها للأبد ولا يمكن للسجين التعافي منها. بالتأكيد إن جلسات العلاج النفسي وحلقات الدعم وتفعيل دور المحيطين بالسجين لهم دور فعال في محاولة التعافي والعودة للحياة، إلا أن الشفاء الكامل والتعافي بمعناه الحقيقي ومسح آثار تلك التجربة بالكامل هو حلم يصعب الوصول إليه، فمن يدخل الغرفة البيضاء لا تعود حياته كما كانت.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات