أسطورة الكهف الشهيرة لأفلاطون.. هل حقًا نعيش في عالم حقيقي؟

أسطورة الكهف لأفلاطون
دعاء رمزي
دعاء رمزي

6 د

أسطورة الكهف لأفلاطون... ما الدليل الذي تستند إليه والذي يؤكد لك أن ما تراه وتسمعه وتشعر به هو الواقع الحقيقي وليس حلمًا أو أوهامًا؟ فإذا كنت تجلس الآن أمام شاشتك وتقرأ المقال فهل هذا يعني أنك موجود بالفعل وأن ما تراه بعينيك هو الواقع الحقيقي.

في الحقيقة ليس هناك شيء مؤكد على الإطلاق في عالمنا، فما تراه وتسمعه الآن قد يأتي دليل غدًا يدحضه بقوة وبأساليب غاية في الإقناع أيضًا، وما تشعر به بحواسك قد ينقلب رأسًا على عقب بين يوم وليلة، أو قد يراها شخص آخر بطريقة مختلفة تمامًا، وهذا ما يفتح الباب لسؤال أكثر أهمية عن ماهية قيمة الإنسان وطبيعته، فإذا كان الواقع الذي تلمسه بيديك وتدركه بحواسك قابلًا للتغيير السريع، فما بالك بما لا تلمسه ولا تراه مثل مشاعرك وقراراتك ونظرياتك وحتى هدفك من الحياة.

هنا يأتي دور عالم الميتافيزيقا والفلسفة في محاولة التبرير وتفسير جوهر وجود الكائنات الحية عمومًا والإنسان بشكل خاص.


فيلم Inception وطبيعة الواقع

في الغالب تتذكر فيلم Inception الشهير بطولة ليوناردو دي كابريو وإخراج كريستوفر نولان، ومن المحتمل أنّك اضطررتَ لمشاهدته أكثر من مرة بتركيز شديد حتى تفهم ماذا يعني، أو لم تكمله من الأساس وأنت تلعن الجوائز العالمية والنقاد الذين أشادوا بالفيلم ورشحوه لعدد لا نهائي من الجوائز ولكنك لا تفهم منه شيئًا.

ولكن الآن التقط نفسًا عميقًا ودعنا نبدأ من البداية..

ذو صلة

فالفيلم يدور في تجربة خيالية عن شخص أو مجموعة أشخاص قادرين على سرقة الأفكار من العقول، بما يشمل الأسرار العسكرية وكلمات سر الخزائن وخطط الشركات وغيرها، ولكن بالتدريج يفشلون تمامًا في التفرقة بين واقعهم الحقيقي وبين عقول الأشخاص التي يقتحمونها سواء لسرقتها، أو بعد هذا لغرس أفكار فيها.

فيبحث كل واحد فيهم عن تميمة ترشده للحالة التي يوجد فيها، وهل هو في عالم واقعي أم يعيش في حلم أحد الأشخاص، فنجد أن تميمة كوب هي النحلة التي تدور، ويعرف أنه في الواقع إذا سقطت على الأرض، أما إذا لم تسقط فهذا يعني أنه في حلم شخص آخر أو أن هناك من يتلاعب بعقله.

ونجد تميمات بقية مجموعته متنوعة فآرثر اتخذ النرد الأحمر كتميمة له وقد صنعه مغشوشًا بحيث يقع دائمًا على الجهة نفسها إذا كان في عالم واقعي، أما أريادني فتميمتها هي بيدق الشطرنج والذي صنعته بحيث لا يقف ثابتًا، أما تميمة إيمز فهي رقاقة البوكر الحمراء.

وفي حين يظهر كل منهم أمام أشخاص آخرين أنه نائم تمامًا إلا أن كلًا منهم يعيش تجربة ثرية من المغامرات التي لا تنتهي والتي تتداخل بشكل يصيبك بالجنون من الفيلم.

ماذا إذا كان هذا ما يحدث لنا بالفعل، ونحن نائمون تمامًا أمام كائنات أخرى على الرغم مما نشعر به ونحسه ونراه ونتفاعل ونتجاوب معه؟

فأنت ترى الشخص الذي يموت جثة هامدة لا تتحرك، ولكن إذا كنت مؤمنًا بالله فسوف تعرف أنه يشعر بكل شيء ويعيش تجربة خاصة حتى وإن كانت حواسك الواقعية لا تعيها.

وأنت تعرف قصة سيدنا إبراهيم والنار، وكيف أنها تخلّت عن خواصها ولم تحرقه، وكيف تمكّن محمد عليه الصلاة والسلام من الخروج أمام الكفار من منزله دون أن يروه متحدّيًا بذلك القوانين التي نعرفها. فكيف تعرف أن ما تشاهده حقيقة وأن ما تعيشه هو الواقع؟

 هذا في الحقيقة من أشهر أسئلة الفلاسفة، التي حاول الكثيرون الإجابة عنها ولكن ربما لم ينجح أحد في هذا حتى الآن، لكنّ أفلاطون قرّبها بأسطورة الكهف.


أسطورة الكهف الشهيرة لأفلاطون

منذ 2400 سنة تقريبًا وصف أفلاطون طبيعة الواقع الذي نعيشه بشكل لم يسبقه إليه أحد، وظل مرجعًا لسنوات كثيرة في كتابه الجمهورية حيث أطلق نظرية الكهف.

فوفقًا لنظرية أفلاطون عن الواقع أنه يُشبه بالضبط كهفًا فيه مجموعة من السجناء مقيدون بسلاسل في جدار منذ ميلادهم ولا يشاهدون شيئًا إلا ظلالًا ثنائية الأبعاد على جدار فارغ لأشياء تمر خارج الكهف ولا يستطيعون تبيُّنَها أو التفاعل معها، بل كل ما يرونه هو الظلال وحسب.

وفي نظرية أفلاطون فإن هذا الكهف يرتبط بالعالم الخارجي من خلال ممر طويل للغاية يمنع ضوء النهار من اختراقه، وأن تلك الظلال ناشئة عن نار لا تنطفئ وإنهم لا يرون حتى أنفسهم ولا بعضهم بعضًا.

وتظل هذه الظلال قناعتهم عن طبيعة العالم وهي غير قابلة للتغيير حتى ينجح سجين في الهرب ويرى الشمس للمرة الأولى والأشياء المجسمة ثلاثية الأبعاد، وبعد فترة كبيرة من محاولة التأقلم مع العالم الخارجي والاستشفاء من صدمة أن كل ما كان يؤمن به طوال حياته هو غير حقيقي تمامًا يفكر في العودة مرة أخرى للسجن الذي خرج منه لرؤية هل كان بمفرده وهل هناك آخرون أم لا.

وبالفعل يجد آخرين، ولكنّ رد فعلهم جاء أكثر صدمة له من الحقيقة التي اكتشفها والتي لا يزال يحاول التأقلم عليها، إذ اعتقدوا جميعًا أنه مجنون تمامًا ويروِّج لحقيقة لم يشاهدوها أو يعرفوها، وتزيد الأمور سوءًا عندما يفشل السجين الهارب في رؤية حتى الظلال على الجدار بسبب تأثر عينه بعمى مؤقت من ضوء الشمس المبهر، لذا فهو من وجهة نظر السجناء الآخرين أضر نفسه وهدم عالمه وواقعه الذي كان يعيشه طوال حياته، وهو من ناحية أخرى لا يُدرك عالمًا يعيشون به بالفعل بسبب تعطل حوّاسه.


الرابط بين تجربة الكهف لأفلاطون وفيلم Inception

شعر الكثير من شخصيات فيلم Inception بذات الصدمة العنيفة التي شعر بها الرجل في تجربة الكهف لأفلاطون، وهذا عندما أدركوا أن هناك طبقات متعددة من الواقع، ولم يتمكنوا بالتالي من رؤية العالم كما كان من قبل، ما جعلهم يشعرون بحالة شديدة من الرعب والصدمة.

ليس عليك أن تدخل في تجربة شديدة التعقيد مثل ما فعله المخرج كريستوفر نولان في Inception والذي أنهى الفيلم بشكل يؤكد أنهم جميعًا في حلم عميق، ولا أن تخوض تجربة مثل تجربة أفلاطون في الكهف التي فنّدها تلميذه أرسطو فيما بعد لتدرك كم أن عقلك وتجاربك قد تكون خادعة حقًا.

 ليس عليك هذا لأنك مررت بالفعل بالكثير من هذه التجارب الخادعة في حياتك ودعنا نتذكر القليل منها، فمثلًا إذا كان لديك دب صغير من الفراء ولم تشاهد مطلقًا أي دب حقيقي ولا حتى في التليفزيون، وكان دبدوب الفراء هو كل فكرتك عن هذه الحيوانات، فتخيّل الصدمة إذا ذهبت إلى حديقة الحيوانات وشاهدت دبًا حقيقيًا!

نحن في العادة يتم تعليمنا "الحقائق" ببطء وبالتدريج ومنذ نعومة أظفارنا، لذا لا نستقبلها بصدمة شديدة، ولكن إذا فوجئت يومًا بحقيقة مغايرة تمامًا عما تعيشه بالفعل، فبالتأكيد سوف تكون صدمتك كبيرة وربما قاتلة أيضًا، وقد تنجح في التأقلم مع هذه الحقيقة الجديدة التي قد تتغير أيضًا وقد تفشل تمامًا.

قد لا تمثل قضية حقيقة وجودك أهمية كبرى لك، وغالبًا لن تولي الأمر الكثير من التفكير فماذا يعني لك في مطلق الأحوال أن تكون في حلم شخص آخر أو تكون مجرد جرافيك حتى في لعبة فيديو؟!

 ولكن ما يهمك بالتأكيد هو عدم اتخاذ أحكام نهائية فيما يتعلق بمشاعرك وقراراتك وتوجهاتك، فجميعها قد تكون خادعة إلى حد كبير، وما تشعر به من قلق وتوتر وكره وحب قد لا يكون حقيقيًا على الإطلاق بل هو متغير بشكل أكبر من قدرتك حتى على التفكير.

فحتى الأمور الواقعية الملموسة مثل الشيء الساخن لا يكون إحساس الجميع به واحدًا، بل إنّك لو وضعت إحدى يديك في مياهٍ ساخنة وأخرى في باردة، ثم وضعتهما كلاهما في مياهٍ فاترة، كلٌّ منهما ستخبرك بشيءٍ مغاير عمّا تخبرك به الأخرى. حتى أنت نفسك يمكن أن تتحمل السخونة والبرودة بالتدريج مع التأقلم أو الاعتياد.

لذا، لا شيء نهائي ولا شيء أبديّ في عالمنا، وكل شيء قابل للتغير في لحظة واكتشاف أشياء جديدة وهدم نظريات ومعتقدات كانت فيما مضى حقيقة لا تقبل الشك… إذا أدركت هذا فربما تتغير الكثير من المفاهيم والأشياء في ذهنك وحتى ردود الفعل والقرارات وحكمك على ما يراه الآخر واقعًا لا شكّ فيه وتراه أنت مجرّد هراء.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات