الحشرات كغذاء: ماذا تفعل إذا قُدم لك طبق حشرات في مطعم صيني؟

طبق حشرات
آلاء عمارة
آلاء عمارة

8 د

أتذكر مشهدًا للفنان المصري «محمد هنيدي»، في فيلم "فول الصين العظيم"، عندما أجبرته عائلة صينية على تناول حشرة، بعد رفضه الشديد، تجرأ هنيدي وتناولها بوجه مشمئز، وفقد الوعي إثر ذلك. في الحقيقة، لقد كانت تعابير الاشمئزاز على وجوهنا جميعًا خلال مشاهدة ذلك المشهد مع بعض الضحكات، في إطار أشبه بالكوميديا السوداء. لكن نفس المشهد يعكس ثقافة الصينيين وطبيعة غذائهم، والتي هي -طبعًا- غريبة بالنسبة لما هو مألوف في ثقافتنا العربية. 

لنأخذ فاكهة هذا المشهد من منظور علمي ونطرح بعض الأسئلة: لماذا يتناول الصينيون حشرات؟ هل كانت غذاءً يعتمد عليه الإنسان في الماضي؟ ما هي قيمتها الغذائية؟ وهل يستطيع الإنسان الاعتماد عليها في المستقبل؟ لماذا تتناولها بعض الشعوب بينما الأخرى "تضربها بالشبب"، بحسب هنيدي؟ حسنًا، تابعني في السطور التالية.. 


كان يا مكان.. 

ربما لا يكون غريبًا على بعض الحيوانات تناول الحشرات، منها الرئيسيات التي كانت تستخدم عصا وتُدخلها في جحر النمل الذي يتسلقها، ثم تسحبها، وتلتهم ما عليها من نمل؛ رغبة في الحصول على بروتين، بدلًا من تناول الفاكهة طوال الوقت. 

وظهر "الأسترالوبيثيسين" (Australopithecines)، وهو نوع من الرئيسيات، أقرب إلى الإنسان، ومتقدم أكثر من القرد، وكان يمشي على قدمين ويصنع الأدوات، وتغذى على النمل الأبيض أيضًا، لكن باستخدام أدوات متطورة أكثر. وقد أشارت ورقة بحثية منشورة عام 2001 في دورية (PNAS) بعد تحليل مجموعة من الأدوات في جنوب إفريقيا إلى أنّ إنسان الأسترالوبيثكس، قد استخدمها لاصطياد النمل الأبيض والحصول على غذائه منه.

بعد ذلك، جاء الإنسان المنتصب قبل 1.9 مليون سنة. وكان يمكنه استخدام النار للطهو، تمامًا مثل أسلافه، تغذى على الحشرات للحصول على بروتين، يعزز حجم دماغه الكبيرة. 

بمرور الزمن الذي لا ينتظر أحدًا، وصلنا إلى إنسان النياندرتال، قبل 250 ألف سنة، بدأ يتحرك من إفريقيا وانتقل إلى أوروبا، حيث الحرارة المنخفضة، والتي لا تناسب ازدهار عدد كبير من الحشرات، رويدًا رويدًا تلاشت فكرة التغذية على الحشرات. واعتمد النياندرتال على تناول الغزلان والحيوانات آكلة العشب.


ولكن.. 

لم ينتقل الجميع إلى أوروبا؛ فقد كان هناك جسر جليدي في تلك الحقبة، يمتد بين سيبريا وأمريكا الشمالية، ومن هناك انطلق بعضهم نحو المناطق الاستوائية مثل أمريكا الجنوبية، ولم يتخل الإنسان هناك عن الحشرات في غذائه، وما زالت هناك بعض المناطق تتغذى على الحشرات حتى يومنا هذا. ومع تطور الإنسان، تعلّم الزراعة التي قامت عليها الحضارة الإنسانية، وصارت طريقته المُثلى لإنتاج الغذاء، وكانت الآفات والجراد تهاجم النباتات وقتها، ما جعل الحصاد أكثر صعوبة، وصارت الآفات عدوًا للإنسان، وفضّل تربية الحيوانات كالماشية والأبقار؛ لإنتاج البروتين. 


وصولًا إلى الإنسان المعاصر 

تُشير الأدلة التاريخية إلى أنّ الصين قد بدأت في تناول الحشرات قبل 3200 عام؛ فقد عُثر على شرانق أثرية مثقوبة لديدان القز في مقاطعة شانشي، تعود إلى الفترة بين عامي 2000 إلى 2500 قبل الميلاد، ما يعني أنهم أكلوا تلك الشرانق. وظهر أول دليل مكتوب على أنّ الصينيين كانوا يتناولون الحشرات في أثناء حكم أسرة تانغ بين عامي 618 إلى 907 ميلاديًا.  

وكان السكان الأصليون لأمريكا يحمصون "خنفساء يونيو"، ويطهون "السيكادا"، واعتقدوا أنّ لهذه الحشرات طعمًا مشابهًا للمأكولات البحرية. وذلك عبر اتباع بعض الاستراتيجيات في جذب هذه الحشرات واصطيادها ببراعة. 

أما في أوروبا؛ فقد ذُكرت الحشرات كغذاء لأول مرة في عام 350 قبل الميلاد، ومن ضمن الذين أبلغوا عن وصفاتها، الفيلسوف اليوناني المعروف «أرسطو» في كتابه (Historia Animalum). والأمر لا يتوقف عند الاعتماد عليها كبروتين؛ فقد أبدعت بعض الشعوب في صناعة التوابل منها، كما نقل المؤرخ اليوناني «هيرودوت»، الذي جاء بوصفات هذه التوابل إلى الشعب اليوناني بعد سفره خارج البلاد لسنوات طويلة، وكان أحدها قادمًا من ليبيا، إذ كان أهل تلك البلاد في الماضي يجففون الجراد؛ للحصول على مسحوق ناعم، يُضاف للحليب. 

من اليونان، نتجه غربًا نحو روما، اتضح أنّ الشعب الروماني أحب تناول يرقات الخنفساء التي تُربى على الدقيق والنبيذ. حسب المؤرخ الروماني «بلينيوس الأكبر». مؤرخ القرن الأول قبل الميلادي. ومع نهاية القرن الأول قبل الميلادي، صار تناول الحشرات أقل شيوعًا؛ خاصة بعدما أشارت الدلائل إلى أنها من مسببات الأمراض وضارة بالزراعة. في عام 1550 ميلاديًا، وثّق «ليون الإفريقي»، كيف أنّ البدو من شبه الجزيرة العربية وليبيا يتناولون الجراد المطبوخ والمجفف. وفي أثناء القرن السادس عشر، كان الجنود الألمان يتناولون دودة القز المقلية عندما كانوا يقاتلون في إيطاليا. وفي العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث، اقتصرت عادة أكل الحشرات في المناطق الاستوائية. 


غذاء ربع سكان العالم

في نهاية 2022، أعلنت الأمم المتحدة أنّ عدد سكان العالم قد وصل إلى 8 مليارات نسمة، والذي لا يعرفه كثير من الناس أنّ هناك ما يزيد على 2 مليار إنسان يتناولون من الحشرات الصالحة للأكل، وحسب تقرير صادر عن جامعة فاخينينجن في هولندا عام 2017، هناك ما يزيد على 2000 نوع من الحشرات حول العالم، يستمتع الناس بتناوله. لذلك، لا عجب في مشاهدة الباعة الجائلين في تايلاند، يدفعون عربات فيها جراد مقلي وبق الماء. إنها مغذية وأكثر وفرة؛ فإذا افترضنا أنّ الهامبرجر يتكون من 18% بروتين و18% دهون، نجد أنّ حشرة مثل الجندب، تضم 60% بروتين و6% دهون، إذ توفر الحشرات جميع الأحماض الأمينية الأساسية اللازمة لتغذية الإنسان. 

من جانب آخر، تحتوي الحشرات على دهون غير مشبعة، مثل: أوميغا 6 وأوميغا 3 وأوميغا 9. كما أنها غنية بالكالسيوم والماغنيسيوم والحديد (المسؤول عن نقل الأوكسجين)، وفيتامين ب 12 (وهو مفيد لوظيفة الدم الطبيعية)، بالإضافة إلى الكيتين، وهي نوع من الألياف غير قابلة للذوبان، مفيدة لبكتيريا الأمعاء.


بطعم يشبه النعناع! 

النمل الأبيض غني بالبروتين ويضم العديد من الأحماض الدهنية، بطعم يشبه النعناع أو المكسرات أو الجزر، ما جعله غذاءً محبوبًا في جنوب شرق آسيا وإفريقيا، مثل كينيا. وفي غانا أيضًا يتناوله الشعب هناك في الربيع. ويمكن تحميص الحشرة وتحويلها إلى رغيف خبز لذيذ. 


مثل الكافيار ولذيذ جدًا

هناك نوع آخر من النمل في كولومبيا والبرازيل يسمى "ليف كاتتر" (Leafcutter)، ويُباع كالفشار عند دخول السنيما لمشاهدة فيلمٍ. وإلى الشمال، نجد المكسيك، عند النظر في قائمة الطعام التقليدية هناك، نلاحظ فيها ما يزيد على 500 نوع من وصفات الطعام التي تضم حشرات. وتُضاف إلى السندوتشات والمأكولات الشهية، ويعدّ بيض النمل مثل الكافيار بالنسبة لهم. 


تنوع في أطباق الحشرات 

يتناول الصينيون يرقات خلايا النحل. وتُعرض ديدان القز في أسواق الصين واليابان وكوريا الجنوبية. وتُضاف إلى الأطباق التقليدية هناك. وفي بالي، يغلون اليعسوب دون أجنحة في حليب جوز الهند. أما في ماليزيا وإندونسيا وبابوا غينيا الجديدة، يتناول السكان "ساجو جروبس" (Sago Grubs)، وهي طعام مغذٍّ جدًا. وبذلك لا عجب في أنّ الشعب الأسترالي يتناول الصراصير ونمل وعاء العسل وديدان الورم ميل، وكانوا يتغذون على هذه الحشرات منذ قرون، وما زالوا.

فوق السحاب أيضًا 

ونظرًا إلى أنّ أنظار الإنسان المعاصر تتجه نحو ما وراء السحاب -الفضاء أقصد- مع طموح متزايد يومًا بعد يوم؛ فلا بد أن وكالات الفضاء المختلفة حول العالم تسعى إلى بناء نمط حياة صحي ومناسب لرواد الفضاء عبر توفير العناصر الغذئية الضرورية للحياة، ومن ضمن الوجبات المرشحة بقوة، هي الحشرات؛ لما فيها من نسبة عالية من البروتين الذي تستطيع توفيره للإنسان في بيئة الفضاء. 


الوضع مختلف في أوروبا والولايات المتحدة

ينظر الأمريكان والأوربيون إلى الحشرات مثل نظرة هنيدي؛ فهي غير مرغوبة بالنسبة إليهم، وهذا أمر طبيعي، إذ يعيشون في المناطق الباردة التي تلاشت فيها استساغة أسلاف الإنسان للحشرات، بالإضافة إلى أنّه في أوروبا لا يوجد تنوع كاف من الحشرات، إذ تحتوي على أقل من 2% من الحشرات الصالحة للأكل الموجودة في جميع أنحاء العالم. من ناحية أخرى، يُنظر إلى الحشرات في تلك البلدان على أنها آفات. وفي بعض الثقافات الغربية، يعتقد الناس أنّ أجسامنا لا تمتلك الإنزيم اللازم الذي يمكنه تكسير الهياكل الخارجية للحشرات عند استهلاكها. وهذه معلومة غير دقيقة، ولكنها أحد الأسباب المقنعة للناس كيلا يأكلوا الحشرات في يومنا هذا. 


وأكثر استدامة لكوكبنا الأزرق

إذا أخبرتك أنّ إنتاج كيلوجرام واحد من بروتين يرقات دودة الميل ورم، يتسبب في انبعاث 14 كجم من ثاني أكسيد الكربون، بينما يتسبب الكيلوجرام من بروتين الأبقار في انبعاث ما قد يصل إلى 500 كجم من ثاني أكسيد الكربون، هل سيُغير هذا نظرتك للحشرات وتضمها لنظامك الغذائي؟ حسنًا، الإجابة عندك.. مهلًا، نسيت إضافة أنّ الحشرات لا تُنتج غاز الميثان، ولا تستهلك مساحات واسعة كالماشية لتتربى فيها. هل تغيرت نظرتك؟ ها؟ 


لماذا لا نأكل الحشرات؟ 

على الرغم من أنّ الحشرات جزء من تراثنا البشري، إلا أنها غير مقبولة في كثير من المجتمعات، وتتنوع أسباب ذلك، من ضمنها: 


تداعيات ثقافية منذ الطفولة 

في كثير من الثقافات، لا تفرح أم بابنها عندما تجده يُدخل في فمه حشرة، ويبدو وكأنه سلوك غير حميد؛ لأنّ هذه الحشرات غير نظيفة. بعبارة أخرى، الأمر مترسخ في طفولتنا؛ حتى إنّ الكثير من الثقافات الغربية تجدها وصمة عار أن يتناول الإنسان حشرات. على الرغم من أنّ حشرة مثل الجراد أو الخنافس أو يرقات الفراشات، تتغذى على النباتات. 

هل الثورة الزراعية؟ 

أدرك الإنسان ضرورة الاتجاه للزراعة قبل الثورة الصناعية بآلاف السنين، ربما قبل 10 آلاف سنة، وهنا سؤال مهم، هل ابتعد الإنسان عن أكل الحشرات بسبب الزراعة؟ حسنًا، إنه احتمال منطقي، ولكن أغلب البلدان التي تتغذى على حشرات اليوم، هي زراعية في الأساس.


ربما التحيز العرقي

عندما كان "كريستوفر كولومبوس"، مسافرًا في رحلاته الاستكشافية في البحر الكاريبي، لاحظ طبيب الأسطول وقتها "دييغو ألفاريز تشانكا"، أنّ سكان المناطق التي نزلوا بها عند الأمريكتين، يتناولون الديدان والثعابين والسحالي والعناكب التي يجدونها على الأرض، طبعًا استنكر ذلك تلقائيًا، لكنه دوّن هذه الملاحظة بنوع من التحيز أو الشعور بأنّ ثقافته أرقى من تلك الشعوب التي تتغذى على حشرات وعناكب. 

ربما لم يكن المستشكفون الأوروبيون مدركين لهذا التحيز، ما خلق بداخلهم شعورًا بالتفوق على الثقافات الأخرى الذين حكموا عليهم من خلال نظامهم الغذائي. وكان الأوربيون ينظرون دائمًا إلى أنّ آكلي الحشرات في البلاد التي استعمروها على أنهم فقراء وغير متحضرين. 

ذو صلة

نفسيًا.. 

فمن الصعب على الإنسان غير المعتاد على هذا النوع من الطعام تناول الحشرة التي تزحف على الطبق أمامه، بالإضافة إلى بعض المخاوف من العناكب والصراصير خاصة؛ أي أنّ الأمر مثير للاشمئزاز أكثر من أي سبب آخر. 
وأخيرًا.. قد تكون فكرة تناول الحشرات غير مرغوب فيها؛ خاصة في وطننا العربي، لكن هل يمكننا تغيير هذا الرأي قريبًا؛ خاصة مع أزمة الغذاء التي يعاني منها العالم؟ حسنًا، ربما..

أحلي ماعندنا،واصل لعندك! سجل بنشرة أراجيك البريدية

بالنقر على زر “التسجيل”، فإنك توافق شروط الخدمة وسياسية الخصوصية وتلقي رسائل بريدية من أراجيك

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة