وهم من صنع نيوتن: ماذا إذا كان ما يجذبك للأرض ليست قوة الجاذبية؟

هل الجاذبية وهم؟
آلاء عمارة
آلاء عمارة

7 د

عام 1907، في مكتب براءات الاختراع بمدينة برن، عاصمة سويسرا، كان هناك شاب في مقتبل العمر جالس على مكتبه، يبدو أنه يُفكر في معضلة تؤرقه، ورأى من الشباك المقابل بعض العمال، يعملون فوق المبنى المقابل، وتخيل سقوطهم من سطح المنزل إلى الأرض. على الرغم من أنّ هذه الفكرة مؤلمة، إلا أنّ صاحبنا قد وصفها على حد قوله: 


"لقد كانت أسعد فكرة في حياتي"

كيف لا، وهي اللكمة التي ضربت نظرية "إسحاق نيوتن" في مقتل، ووُلدت نظرية النسبية العامة التي أعلن عنها عام 1915. كان ذلك الشاب، هو عالم الفيزياء العبقري "ألبرت أينشتاين"، الذي لم يقتنع بفكرة نيوتن عن الجاذبية، فإذا سألتك، تُرى، ما الذي يجعلك تسقط على الأرض عندما تحاول القفز؟ حتمًا ستأتي الإجابة فورًا: "إنها قوة الجاذبية التي اكتشفها نيوتن منذ عدة قرون"، هذه هي الإجابة التي يعرفها أغلب الناس، لكن أريد الآن طرح سؤال مريب بعض الشيء: "ماذا إذا كان ما يجذبك ليست قوة الجاذبية؟". حسنًا، لا تدع تفكيرك يقودك نحو العالم السفلي وترتعب، لنجد إجابة علمية أكثر إقناعًا عبر موضوعنا هذا. 


بين تفاحة نيوتن ونسيج آينشتاين 

بحسب نظرية نيوتن، فإنّ أي جسم له كتلة، تتولد من داخله قوة جذب تجاه الأجسام الأخرى، وعادة ما ينجذب الجسم الأقل كتلة نحو الأعلى كتلة، ما يفسر سبب دوران الكواكب حول الشمس، وكلما زادت الكتلة وقلت المسافة بين الجسمين، صارت قوة الجذب أكبر. وهذا يُفسر ما يحصل عندما تترك شيئًا في يديك، مثل التفاحة أو أي أداة حولك، تجدها تسقط بسرعة نحو الأرض، فيما يُعرف بـ"السقوط الحر". واجه نيوتن هجومًا كبيرًا من قِبل العلماء، واتُهم بأنه أتى بافتراضات لا محل لها من الصحة، مع ذلك، سُجل على أنه واحد من عظماء التاريخ. 

رحل نيوتن، لكن تركت نظريته العديد من علامات الاستفهام، لكن عرف الناس الجاذبية على أنها أقوى القوى في الطبيعة، وحاول العديد من العلماء حل الألغاز التي تركها نيوتن غامضة، إلى أن جاء عالم فذ، يُدعى "ألبرت أينشتاين"، ووضع نظريته الشهيرة التي نسجت قصة الكون من جديد، لكن بإحكام ودقة أكثر من نيوتن، إنها "النسبية العامة". 

ذو صلة

عادة ما نشعر حولنا بثلاثة أبعاد، وهي: الطول والعرض والارتفاع، أضاف أينشتاين بُعدًا رابعًا، وهو الزمن، وجعل الكون يبدو وكأنه نسيج -أطلق عليه اسم الزمكان- تتحرك فوقه الأجسام السماوية نحو أجرام أخرى أكبر حجمًا، فالأخيرة لديها قدرة على تشويه النسيج الكوني، بحيث تتحرك نحوها الأجسام الأخرى، تمامًا كالكرة الكبيرة الموضوعة فوق قطعة قماش، عند وضع كرات أخرى أصغر، تجدها تتحرك نحو الكرة الأكبر، ليس بسبب قوة جاذبية تندفع منها، لكن نتيجة تشوه قطعة القماش عند الكرة، ما يخلق انحناءات، تجعل الكرات الصغيرة تتحرك نحوها، وتبقى على مسافات محددة منها. 

تلك هي النسبية العامة لأينشتاين ببساطة. ولخصها "جون ويلر"، أول عالم يأتي بمصطلح الثقب الأسود، في عبارته الشهيرة: 


"تخبر المادة الزمكان كيف ينحني، بينما يخبر الزمكان المادة كيف تتحرك"

ويتكون الزمكان من مجموعة من الانحناءات التي تتحرك في الفضاء مثل أمواج البحر، نتيجة تصادم المجرات أو حركة النجوم النيوترونية بسرعة حول بعضها، ويُطلق على تلك الأمواج اسم "الموجات الثقالية"، وقد تنبأت بها نظرية النسبية العامة لأينشتاين، وعمل الباحثون في مركز الأمواج الثقالية بالولايات المتحدة الأمريكية (ليغو - LIGO) على الكشف عن تلك الموجات من خلال استشعار الاهتزازات الحاصلة في الزمكان باستخدام أجهزة خاصة، وفي 14 سبتمبر/أيلول 2015، وأخيرًا بعد عمل دام لسنوات طويلة، استشعر المرصد الموجات الثقالية في الزمكان، وهي ناتجة عن اصطدام اثنين من الثقوب السوداء مع بعضهما على مسافة 1.3 مليار سنة ضوئية (أود لفت النظر إلى أنّ هذين الثقبين اصطدما معًا منذ 1.3 مليار سنة)، وتوالت اكتشافاتهم عن تلك الموجات، ومع كل مرة، يزداد اليقين بصحة نظرية النسبية العامة لأينشتاين. 


نعم، الجاذبية وهم!

نجت نظرية النسبية العامة من كل النقد الذي وُجه إليها، فيما يتعلق بشأن الجاذبية، وصارت الجاذبية مجرد وهم، أي أنها ليست قوة، وإذا اعتبرناها قوة أساسية، فهي الأضعف. وهنا سؤال مهم: "إذا كانت الجاذبية محض وهم، فما الذي يجذبنا للأرض؟"، لا بد من وجود قوة أخرى تعمل في الخفاء. في الحقيقة، إنها ليست قوة، ولكنها مفاهيم لم نستوعبها، رغم أنّ أينشتاين أخبرنا بها منذ وقت طويل. 

هل تعرف لماذا كان أينشتاين سعيدًا عندما تخيل سقوط أحد العمال من على سطح المبنى؟ إنه ليس مختلًا بالطبع، ولكنه افترض أنّ ذلك الشخص يسقط من فوق المبنى سقوطًا حرًا بلا وزن، أي أنه لم يشعر بوزنه، وأي شيء يسقط بجواره، سيبدو وكأنه ثابت في موضعه، لأن الاثنين يتحركان نحو الأرض بسرعة متساوية وفي نفس الاتجاه. 


رجل يسقط

تخيل أينشتاين معضلة مسافر الفضاء، فربط فكرة السقوط برجل الفضاء الذي يبحر بمركبته في الفضاء، ويشعر بانعدام وزن معظم الوقت، ليس بسبب عدم وجود جاذبية، وإنما لسبب آخر، وهو عدم وجود ما يُسمى بـ"التسارع". وفي تلك الحالة، إذا حرك مسافر الفضاء أي شيء حوله، سيتحرك في خط مستقيم. (يبدو الأمر صعب التخيل أعرف، لكن ركز في الآتي) 


الاستسلام للكون دون الخضوع للتسارع 

عادة ما نشاهد فيديوهات وصورًا لرواد الفضاء يصلحون شيئًا أو يتجولون خارج محطة الفضاء الدولية، يبدون وكأنهم يطيرون، إذا دققت النظر، ستشعر وكأنهم يسبحون بين موجات أو انحناءات غير مرئية. مثل صاحبنا هذا. 


تُرى ما سر التشابه بين الشخص الذي سقط من على سطح المنزل ورائد الفضاء ذلك من وجهة نظر أينشتاين؟ حسنًا، ببساطة شديدة، وعلى حد تعبير أينشتاين، إنّ الحالتين متكافئتان وليستا متشابهتين، تمامًا على نفس منوال "مبدأ التكافؤ" لكوبرنيك، الذي ينص على أنّ قوانين الفيزياء تُطبق في كل مكان في الكون، وطور أينشتاين الفكرة، وأكد على أنّ قوة الجاذبية تكافئ القصور الذاتي، وهو مصطلح فيزيائي، يعني مقاومة الجسم الطبيعية للحركة، ما لم يتعرض لأي مؤثر خارجي. وفي الفضاء الخارجي، يكون رائد الفضاء متجردًا من أي مؤثر يدفعه للسقوط الحر، مثل التسارع الذي يتعرض له الآخر الذي يسقط من فوق المنزل.


لماذا قد تنجذب المركبات الفضائية للكواكب أو الأجسام الضخمة؟ 

في الحالات الطبيعية -كما ذكرت- تتحرك الأجسام في خط مستقيم، فإذا افترضنا أنّ مركبة فضائية تسير في خط مسار مستقيم، وفجأة انحنت عن مسارها قليلًا نحو كوكب ما، وأنت تلاحظ هذا الانحناء في موضع المراقب. فما السر وراء ذلك؟ إنه الزمكان المنحني، فالمركبة الفضائية اقتربت بشكل ما من انحناءات ذلك الكوكب الذي قادها نحوه، علمًا بأنها لم تفقد حركتها في خط مستقيم. لكن مهلًا، ما هذا الهراء؟ كيف انحنت عن مسارها وفي نفس الوقت أقول إنها تحافظ على حركتها في خط مستقيم؟ حسنًا، أتفهم سوء الفهم هذا، ركز معي في الآتي، ربما تنعتني بالجنون الآن، تأمل الأشكال التالية.. 


دائرة وخط مستقيم

ربما تظن أنني أخطأت عندما أشرت إلى المستقيم على أنه خط منحنٍ وإلى الدائرة على أنها خط مستقيم. والحقيقة أنني تعمدت ذلك، أريد منك فقط تخيل طائرة تسافر من كندا (الموضع 1) إلى مصر (الموضع 2)، ولأن الأرض كروية، فلا بد من أنّ الطائرة قد اتخذت مسارًا منحنيًا، أليس كذلك؟ في الحقيقة لا، لقد تحركت الطائرة على خط مستقيم طوال رحلتها في طبقة الستراتوسفير، ولم تنحنِ كما هو المتوقع من شكل الأرض الكروي. انظر إلى الصورة التالية، وستدرك ما أقصده. 


طائرة تطير بخط مستقيم

لقد كانت تسير الطائرة في خط مستقيم، لكن انحناءات الأرض حولها، يُظهرها للمراقب البعيد وكأنها تنحني، وتُسمى هذه المسارات على الأسطح المنحنية مثل الأرض بـ"جيوديسيا"، نفس الأمر في بيئة الفضاء، يمكن تفسير انحناء مسار المركبة الفضائية (الانحناء الوهمي) على أنه فقط تغير في انحناء الزمكان من حولها، تمامًا مثل الحركة في حلقة مغلقة، يبدو كأنه خط مستقيم للدائر ولكنها منحنية على أي حال. 


لكن ما الذي يجذبك للأرض؟ 


"أنا وأنت في حالة تسارع على الأرض ولسنا تحت تأثير الجاذبية" 

سؤال بسيط: "كيف يرتفع الصاروخ وينطلق إلى الفضاء؟"، بالضبط، إنها قوة الدفع، وهي نفسها التي تجعل رائد الفضاء يستقر على سطح السفينة هكذا. 


صاروخ

هناك قوة تدفعه من أسفل، فيتسارع معها، ويشعر بوزنه لأنه ارتكز على أرضية الصاروخ من تحته، نفس الأمر معنا هنا على الأرض، نحن نتسارع مع الأرض المستقرة تحت أرجلنا. من ذلك نخلص إلى أنّ الجاذبية ليست موجودة، وإنما هي وهم، كل ما في الأمر، أننا نتحرك بناءً على 4 أبعاد حددها أينشتاين وهي الزمان والمكان (الطول والعرض والارتفاع)، وعندما وقع الشخص من فوق المنزل إلى الأرض، فقد سقط في خط مستقيم، لأنّ هذا الخط سيصل به إلى الأرض ليس أكثر. 

هذا كل ما في الأمر، نحن فقط نتسارع مع الأرض، ولا نخضع لحقول الجاذبية، ولا يوجد ما يُسمى بقوة الجاذبية، إنها ليست قوة كما أشار إليها ألبرت أينشتاين. هل عرفت الآن ما الذي يجذبك للأرض عندما تسقط فوقها؟ 

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة