ماذا لو ولد طفل في الفضاء…ما مصير الرضيع والأم؟

طفل الفضاء
آلاء عمارة
آلاء عمارة

6 د

هل سمعت عن إمكانية ولادة طفل الفضاء؟ منذ فجر التاريخ، لاحظ الإنسان السماء المرصعة بالنجوم من فوقه، واعتمد على خريطة السماء لترشده واهتدى بها في أسفاره ليلًا، وبمرور الوقت نشأ علم الفلك، واهتم البشر بدراسته جيدًا، رويدًا رويدًا، استطاع الإنسان التحليق في السماء، فحقق حلم "عباس بن فرناس".

أخيرًا، هبط الإنسان على القمر في مركبة أبولو 11 عام 1969، ما رفع سقف طموح ذلك الكائن العنيد، وجاءته فكرة مجنونة بعض الشيء، وهي السفر إلى أسطح الأجرام السماوية الأخرى والعيش هناك، وراح كُتّاب الخيال العلمي يؤلفون الروايات والقصص حول السفر إلى الكواكب الأخرى. 

اشتعلت الفكرة في رأس المغامر الأمريكي "إيلون ماسك" الذي يطمح لإرسال البشر إلى المريخ، وإقامة مستعمرات يحكمها البشر، ويظل السؤال الأهم بارزًا في الساحة: "هل يستطيع البشر إقامة حضارة كاملة خارج كوكب الأرض يومًا ما؟"، حسنًا، لفعل ذلك، يجب التأكد من ضروريات استكمال الحياة بالخارج، وأبرزها بقاء النسل، ولكي يبقى النسل، يجب ضمان سلامة عملية الولادة لطفل الفضاء خارج حدود الأرض، أي في الفضاء الخارجي.  


للوراء قليلًا: أول تجربة على كائن حامل 

في أثناء القرن الماضي، وبعد نجاح الإنسان في تحقيق الهبوط على سطح القمر، قرر الاتحاد السوفيتي تجربة تأثير ظروف الفضاء الخارجي على الأم الحامل والجنين، ولأن الإنسان ليس حقلًا للتجارب، قرر العلماء وقتها محاكاة الظروف التي قد يمر بها أي كائن حي آخر يحمل جنينًا ومن ثمّ مقارنة وضعه مع البشر. وكان الاختيار الأمثل هو فأرة حامل، وبالفعل بدأت التجربة في عام 1983 عندما أُطلق قمر صناعي يحمل على متنه الفأرة.

توّصل العلماء في النهاية إلى أنّ الرحلة الفضائية كانت أصعب على الأم، وعندما وُلدت الفئران حديثة الولادة، لُوحظت عدة تغيرات، من ضمنها: كانت تلك الفئران أضعف ونموها العقلي متأخرًا عن نظيراتها التي ولدت على الأرض. أما عن الأم، فقد تأثرت حالتها كثيرًا وفقدت ربع وزنها وحصلت تغيرات في النظام الهرموني والغدد الصماء.

ذو صلة

اقرأ أيضًا: لو تمكنت من السفر عبر الزمن هل يمكنك قتل جدك قبل ولادة أبويك؟


ماذا إذا أُجريت عملية ولادة للبشر خارج الأرض في الفضاء؟ 

منذ نوفمبر 2011، كان دائمًا هناك شخص واحد على الأقل في الفضاء الخارجي يمارس عمله في محطة الفضاء الدولية أو يؤدي مهام أخرى لصالح مؤسسات فضائية مختلفة، وتزيد أعداد رواد الفضاء الذين خرجوا من الأرض عن 500، واستطاعوا جميعًا التأقلم في بيئة الفضاء بفضل الأبحاث والإرشادات والتدريبات التي يتلقونها باستمرار، وهذا أثار العديد من التساؤلات حول إمكانية الحمل وتربية رضيع الإنسان في تلك الظروف، هل سيتحمل أم لا؟ ففي الظروف الطبيعية، يعاني رواد الفضاء الذين يعيشون في الفضاء لفترة طويلة من بعض المشكلات الصحية.

ماذا إذًا عن الطفل الرضيع؟ بالطبع سيكون الأمر أصعب، وظروف الولادة مختلفة، ولتجربة هذه الفكرة واقعيًا، أعلنت شركة هولندية تُسمى "سبيس لايف أوريجن" (SpaceLife Origin) عام 2019 عن نيتها إرسال امرأة حامل إلى الفضاء للولادة هناك. حسنًا، لنفترض أنّ عملية الحمل والولادة ستتم في محطة الفضاء الدولية باعتبارها البيئة الأنسب. 


لا يتحمل الطفل دوار الفضاء

في الظروف الطبيعية، يعاني رواد الفضاء من انعدام الوزن في ظروف الفضاء الخارجي، ما يقلل قدرتهم على حفظ توازن الجسم، فقد تطفو السوائل في الأذن الداخلية التي لا تقتصر وظيفتها على السمع فقط، إذ إنها مسؤولة أيضًا عن حفظ توازن الجسم، وهذه الحالة تُسمى دوار الحركة في العموم وبالنسبة لحالة رواد الفضاء، فغالبًا ما يُطلق عليها "دوار الفضاء".

بالنسبة لطفل رضيع مولود في الفضاء، فهو لا يستطيع تحمل مثل هذه الظروف، لا سيما إذا عاد للأرض واضطُر لتحمل الجاذبية، ويتأثر نموه الصحي. وبالفعل، لاحظ الباحثون أنّ الفئران المولودة في بيئة الفضاء ثم عادت إلى الأرض واجهت مشكلات في التأقلم مع بيئة الأرض من جديد. 


 لأن الأرض جميلة تجعلنا أكثر جمالًا 

عندما تبحث على جوجل عن الكائنات الفضائية، سيعطيك الصورة المألوفة التي نعرفها عن كائن يمشي على اثنين مثل البشر وله رأس، ولكنه كبير بعض الشيء، هذه الصورة ليست علمية، وإنما محض اجتهاد من الرسامين والكُتَّاب، لكن العلماء والباحثين لا يلتفتون لها. على أي حال، إنّ هذه المسألة جعلتني أفكر في سؤال مهم، ألا وهو "هل تتغير أشكالنا في الفضاء؟"، الإجابة باختصار هي نعم، أما التفصيلية، فهي التالية. 

على سطح الأرض، تعمل الجاذبية على سحب السوائل للأسفل، ما يجعل القلب مضطرًا للعمل ضد الجاذبية، فيبقى في وضعه الطبيعي. أما في حالة الفضاء الخارجي، ينعدم الوزن، فلا يعمل القلب جيدًا، ما قد يؤدي إلى ضموره وفقدان محتوى الدم، فيظهر الإنسان أكثر شحوبًا، ويرتفع ضغط الدم في الجزء العلوي من الجسم، ما يؤدي إلى انتفاخ الأعين وتقل كفاءة الدماغ. وهنا سأتوقف قليلًا. 

في صور الكائنات الفضائية، نلاحظ انتفاخ أعينهم، أليس كذلك؟ هذا لا يعني أنهم موجودون بالفعل، ولكنها نقطة لفتت نظري أردت إخبارك بها. أما عن فكرة وجودهم من عدمه، ربما تكون مفارقة فيرمي التي تطرح سؤال "أين الجميع؟" مقنعة. (والمقصود من سؤال فيرمي، إذا كان الكون فيه مخلوقات فضائية، فأين هي؟ ويبقى السؤال المحير مطروحًا: هل نحن الصورة الوحيدة للذكاء في الكون؟)

لذلك لا عجب في أنّ الأطفال المولودين في الفضاء مختلفون في الشكل بعض الشيء عن حالتهم إذا وُلدوا على سطح الأرض، بعبارة أخرى جاذبية الأرض تجعلنا أجمل حقًا. 


وتنهار مناعة طفل الفضاء المسكين 

ترتفع أصوات الناشطيين البيئيين والباحثين، ويقولون: "ثقب الأوزون يزداد جراء التغير المناخي"، والحقيقة إنها لكارثة لو تعلمون عظيمة دون مبالغة، فطبقة الأورزون، هي إحدى طبقات الغلاف الجوي، ويتجلى دورها في حماية الأرض من كميات الأشعة فوق البنفسجية التي قد تُضر الإنسان، بالطبع هذه الأشعة ضرورية ومطلوبة للحياة، لكن بقدرٍ محدد، وإذا زاد هذا القدر، تكون قاتلة. ما يجعل طبقة الأوزون درع وقاية فعّال ضدها. 

تخيل الحال في الفضاء الخارجي، ويا ليت الأمر يقتصر على الأشعة فوق البنفسجية فقط، فهناك العديد من أنواع الإشعاعات الكونية الأخرى التي يتعرض لها رواد الفضاء، وبالتأكيد سينضم الطفل حديث الولادة لهم مجرد خروجه من رحم أمه، فقد اتضح أنّ الجلوس في محطة الفضاء الدولية -التي تبعد عن سطح الأرض مسافة 420 كيلومترًا تقريبًا- يزيد احتمالية إصابة رواد الفضاء بمرض ألزهايمر، كما يؤدي إلى تدهور الجهاز المناعي وتنخفض أعداد خلايا الدم البيضاء، وهذا الوضع لن يكون جيدًا لطفلٍ يفتح أعينه على الدنيا. 


ضمور في العضلات والعظام 

نظرًا لانعدام الوزن، فغالبًا ما يتعرض رواد الفضاء لتمدد في الحبل الشوكي، ما يزيد أطوالهم، وقد ينمو بعضهم بنسبة 3 % عند عودتهم إلى سطح الأرض من جديد، كما أنهم أكثر عرضة لضمور كتلة العضلات والعظام، لذلك يحتاج رواد الفضاء دائمًا لأداء تمارين محددة هناك، وإلا سيُصابون بالأذى.

عند النظر إلى طفلٍ حديث الولادة على فراشه لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، نُدرك أنه لا يستطيع القيام بأي تمارين، وأكثر عرضة من غيره للكساح، وبأن يكون لديه هيكل عظمي غير منتظم، وعرضة لفقدان الكتلة العضلية والعظمية كذلك. 


تدهور الصحة النفسية 

الإنسان بطبعه كائن اجتماعي، لا يستطيع العيش وحده في بيئة ضيقة النطاق مثل محطة الفضاء الدولية، ما قد يؤدي إلى سوء حالته النفسية، فلا تصدق يا عزيزي هؤلاء الذين يحلمون بالذهاب للعيش على جزيرة هادئة وحدهم بعيدًا عن صخب البشر، فالافتقار إلى الرفقة يفتح أبواب أنواع كثيرة من الاكتئاب. نفس الأمر مع الطفل الذي قد ينشأ في بيئة الفضاء، والأدهى أنه لن يستطيع أن يبكي، فالدموع لن تسقط للأسفل، بل ستظل أمام عينيه تُذكره بحزنه طوال الوقت. 

وأخيرًا، البشر ليسوا حقولًا للتجارب، وإن كانت ستُساعد بشكل ما في تقدم العلم وفهم كيفية تطوير الأدوات التي يستطيع الإنسان التأقلم بها في ظروف الفضاء، فولادة طفل في بيئة الفضاء من أجل تسليمه إلى المشكلات الصحية العقلية والجسدية والنفسية لهو أمر أشبه بحكم مسبق بالإعدام. 

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة