حادثة تشي تشي جيما.. أكل لحوم البشر وكيف كاد بوش الأب أن يُصبح وليمة لليابانيين؟

حادثة تشي تشي جيما.. أكل لحوم البشر وكيف كاد بوش الأب أن يُصبح وليمة لليابانيين؟
دعاء رمزي
دعاء رمزي

5 د

لا أحد على الإطلاق يُنكر الكارثة الإنسانية الكبرى وجريمة الحرب التي مرّت دون عقاب بعد إلقاء أمريكا لقنبلتين ذريتين على هيروشيما وناجازاكي، ولكن من ناحية أخرى هل كانت القوّات اليابانية بريئة من ناحيتها من جرائم الحرب وما هي تشي تشي جيما التي يٌتّهم بها اليابانيون؟

للأسف لا، فكما رصد مؤرخون يابانيون بأنفسهم، بناء على شهادات حية من ناجين من الحرب، أن الضباط اليابانيين وحكومة الإمبراطور مارست أبشع جرائم الحرب وهذا ليس فقط في أعدائها من الأمريكيين ولكن حتى في أفراد الكتيبة نفسها من اليابانيين، حيث كان الأكثر ضعفًا يتحوّل إلى وليمة دسمة تُسلق بالخضراوات وتتغذى عليها القوّات لأيام طويلة.

فما قصة أكل لحوم البشر في الحرب العالمية الثانية وما علاقة جورج بوش الأب بالأمر وكيف كان سيؤخذ كبده لعشاء مجموعة من ضباط اليابان.. هذا ما سوف نتعرف إليه الآن.


حادثة تشي تشي جيما.. تلك التي فجّرت الجرائم اليابانية التي سبقتها

لم تكن حادثة تشي تشي جيما أول حادثة لأكل لحوم البشر في اليابان عمومًا وعلى يد القوّات اليابانية الموزعة في مناطق أخرى من العالم خصوصًا، ولكنها جاءت لتكون الأكثر شهرة، والتي أدت إلى تعرُّض مجموعة ضخمة من الجنود والضباط لمحاكمات عسكرية ودولية واتهامات متنوعة بممارسة جرائم الحرب.

وتشي تشي جيما هي جزيرة صغيرة للغاية تقع على بعد 700 ميل جنوب طوكيو، وكانت بعد استسلام اليابان وانتهاء الحرب فعليًا مسرحًا لواحدة من أكثر حوادث أكل لحوم البشر شهرة، ففي أواخر عام 1944 شنّ سرب طيران أمريكي غارات جويّة على اليابان ومنها جزيرة تشي تشي جيما، إلا أنه تم إسقاط 9 طائرات منها وتعرّض ثمانية طيارين فقط للأسر ليهرب التاسع والذي لم يكن إلا جورج بوش الأب الذي لم يبلغ وقتها عامه الـ20، والذي التحق بعد نجاته بالبحرية الأمريكية وتدرج فيها وعمل بالسياسة ليُصبح الرئيس الأمريكي رقم 41.

ذو صلة

كان مصير زملاء جورج بوش مختلفًا تمامًا عن مسار حياته، حيث تعرضوا لأبشع أشكال التعذيب، فيقول توشيو تونو، الذي كان طالبًا في أروقة جامعة كيوشو إمبريال خلال الحرب العالمية الثانية وشاهد عيان على ما حدث، إنه رأى الأسرى الأمريكيين يتم حقن أحدهم بمياه البحر للتعرف إن كانت ستصبح بديلًا للمحلول الملحي المعقم.

كما أكد تونو في حديثه لصحيفة "ذا غارديان" عام 2015 أن السجناء تعرضوا لاستئصال أجزاء كاملة من الجسد وهم على قيد الحياة، في حين تم حرمان آخر من الرئة تمامًا بدعوى التعرف على مدى استجابة الجهاز التنفسي.

وفي حين أن هذه الجرائم بشعة في حد ذاتها وليس لها أي هدف طبي، إلا أن أكل أجزاء من لحوم الأسرى الأمريكيين قد يراه البعض أكثرها بشاعة.


مصدر للقوة والشجاعة وكدلالة على قهر الأعداء

ظل موضوع أكل لحوم البشر في اليابان يثير الجدل الكبير، خصوصًا مع محاولات اليابانيين المستمرة إنكاره بشدة أو على الأقل تبرير اللجوء له بالجوع الشديد ونقص الإمدادات، ولكن هذا في الواقع لم يكن حقيقيًا على الإطلاق.

ففي حادثة أسر وقتل الطيارين الأمريكيين في تشي تشي جيما على سبيل المثال، ثبت خلال المحاكمات وتقارير الطب الشرعي أن أجزاء من الجسم قد تعرضت للاستئصال، وأكد بعض الجنود اليابانيين أن الجنرال الياباني يوشيوتاتشيبانا، أشهر مجرمي الحرب اليابانيين، قد أمرهم بذبح 4 رجال للحصول على أكبادهم وأفخاذهم ولم يكن الأمر يتعلق بالجوع على الإطلاق.

ففي الفلكلور الياباني، الكبد هو مصدر الشجاعة والقوة وبأكله تتم السيطرة التامة على الأعداء، وبيّنت شهادة الأدميرال كينيزوموري الذي حُوكم أيضًا كمجرم حرب أن الطاهي عمد إلى ثقب الكبد وطهوه مع الخضراوات وصلصلة الصويا.

والمثير في الأمر أن جورج بوش الأب لم يُدرك حتى عام 2003 أنه كان سيكون وجبة لليابانيين خلال رحلة هروبه من هناك.

وقد جرت الكثير من التحقيقات في حادثة تشي تشي جيما وتعرض 30 من الجنود والضباط اليابانيين للمحاكمة الدولية وأُدين 5 منهم بالإعدام بسبب التعذيب والوحشية وعدم الدفن اللائق للموتى، وليس بتهمة أكل لحوم البشر حيث لم يكن لها توصيف في القانون الدولي في هذا العهد.


اكتشافات بشعة في بابوا غينيا الجديدة

كان ما حدث في بابوا غينيا الجديدة التي تقع شمال أستراليا وتتبع حكم أندونيسا موضوعًا لأول تحقيق ياباني رسمي على الإطلاق لحوادث أكل لحوم البشر، وقد كشف المؤرخ توشيوكي تاناكا عن تلك النتائج في محاولة لتثقيف شعب بلاده والكشف عن تلك الجرائم.

فقد أعلن تاناكا أن هناك أكثر من 100 حالة مؤكدة لأكل اللحوم البشرية في بابوا غينيا الجديدة، وأن هذا كان سلوكًا ممنهجًا مارسه الجنود حتى إذا لم يكونوا يعانون من الجوع.

فقد رصدت شهادات متنوعة أن الجنود اليابانيين كانوا يذبحون أسيرًا كل فترة ويعيشون على لحمه لمدة 100 يوم، كما اختفى عمال آسيويون ومجموعة من السكان الأصليين وتدور شكوك قويّة بأنهم كانوا وجبة يابانية.

حدث هذا أيضًا في الفلبين عند مقاومة الأمريكيين للاحتلال الياباني هناك، حيث اختفى عدد من سكان الفلبين والأسرى وغيرهم.


بين التكريم والطقوس الدينية والمبالغة في إيذاء العدو

في الواقع، إن أكل الجنود اليابانيين للحوم البشر قد ينظر له البعض على أنه قمة البشاعة واللا إنسانية، ولكن عند التعمق في تاريخ هذا السلوك حتى في حالة رفضه الكامل وتحريمه قد نجد بعض التفسير.

فأكل لحوم البشر قديم للغاية في قارة آسيا تحديدًا، وقد وجد علماء الآثار عظامًا بشرية داخل أوعية طهو في الصين عمرها نصف مليون عام، كما أن هناك قبائل كاملة في أمريكا الشمالية وإفريقيا تشتهر بأكل لحوم البشر.

أما في نيوزيلندا فقد تمت ممارسة أكل لحوم البشر كطقس لدفن الموتى وتمجيد ذكراهم بتناول المُخ، فعندما كان يموت شخص شديد الأهمية، أو له مكانة كبيرة في القبيلة كان يتم استخراج مخه وتوزيعه بالتساوي التام على من يحضرون مراسم الدفن ليأكلوا منه كنوع من تخليد ذكراه.

ولكن في الثقافة اليابانية يبدو الأمر مختلفًا قليلًا، إذ يعتبر مزيجًا من معتقد نقل قوة الأعداء إليهم بأكل أجزاء منهم، بالإضافة إلى المبالغة في الانتقام، مع القليل من عدم وجود مانع ديني قوي، إذ أبلغت بعض الروايات على أن فِرقًا من الجنود اليابانيين كانوا يأكلون بعضهم بعضًا باختيار الأكثر ضعفًا منهم ولكن هذا فعليًا في حالات الجوع الشديد على الرغم من بشاعة الأمر!

في الحقيقة، للحرب وجوه بشعة كثيرة للغاية، وللإنسان أيضًا الكثير من الوجوه، فمع تعاطفنا التام مع كمّ الدمار والأذى الذي تعرّض له مدنيون أبرياء في اليابان إلا أن الوجه الآخر يكشف ثقافة يراها البعض بشعة ولا تتفق على الإطلاق مع أي روح بشرية سويّة، ولكن هكذا الإنسان مثل جانبي القمر أحدهما مضيء ومبهج والآخر مظلم وكئيب، ومع الاعتراف التام برقيّ الحضارة اليابانية وتطورها إلا أن الجوانب المخفية قد تكون أكثر بشاعة مما نتصور.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة