سام بانكمان… هكذا خدع الشيطان الجميع متنكرًا بزي روبن هود!

سام بانكمان
نور حسن
نور حسن

6 د

يبدو أن القلب الطيب وصفة "الملياردير" لا يجتمعان في شخص واحد، أو على الأقل لم يكن سام بانكمان "فارسنا الأبيض" أبيض القلب بل كان نصابًا من الطراز الرفيع وتمكن من خداع العالم بأسره.

فعلى الرغم من أن سوق العملات الرقمية هو سوق متأرجح وغير مستقر، إلا أن إنسانية وذكاء بانكمان قاداه لبناء امبراطورية وهمية مع شعارات رنانة مثل "الإيثار الفعال" و "الكسب من أجل العطاء"، وتمكّن بين ليلة وضحاها من كسب المليارات وإقناع الجميع بشعره الأشعث وملابسه البسيطة أنه فعلًا "الشاب المعجزة"، فكيف تمكّن من فعل ذلك أمام كاميرات الجميع؟ وهل كان هو السبب حقًا في انهيار البورصة وخسارة الناس لأموالهم؟


سام بانكمان وبداية الكارثة الرقمية

تخيل أن تضع كل مدخراتك الشخصية في سلة واحدة هي العملات الرقمية وتصبح بين ليلة وضحاها مليونيرًا، سيكون هذا أفضل شيء يحصل لك بالتأكيد، وبالفعل هذا ما حدث مع مئات الألوف من المستثمرين الذين قرروا أن يستثمروا في هذا المجال، لكن، ومنذ بضعة أيام، حاول الناس سحب رصيدهم أو حتى جزء منه لكن العملية قوبلت بالرفض، وفقد الجميع إمكانية الوصول لأموالهم بسبب انهيار بورصة "FTX"  خلال ساعات قليلة، وأصبح مالكها سام بانكمان فرايد بين عشية وضحاها مفلسًا رغم أن ثروته الأسبوع الفائت كانت قد وصلت إلى 16 مليار دولار، فهل كان ضحية أيضًا؟ أم أنه آخر شخص يجب أن نتعاطف معه في هذه القصة؟

قبل الانهيار الكارثي لبورصة "FTX" كان سام بانكمان عراب العملات المشفرة ومالكًا لواحدة من أهم شركات العملات الرقمية، وكانت شركته تجني مليون دولار يوميًا، ومؤسس شركة "Alameda Research" للتداول الرقمي، وعند ازدهارها قرر إطلاق بورصة العملات المشفرة "FTX" ومن هنا بدأت القصة عندما توافد الآلاف من المستثمرين والمعجبين بالبورصة بعدما أغرتهم العروض والرسوم المنخفضة.

زاد سحره من خلال إطلاق فلسفة "الإيثار الفعال" في بداية حياته العملية، ما جعل جنيه للأموال يتسم بصفة أخلاقية وهي الكسب من أجل العطاء والتبرع للجمعيات الخيرية في سبيل تحسين الكوكب، ومع مبالغ كبيرة من التبرعات والعلاقات السياسية تمكن الحمل الوديع من استقطاب العديد من المستثمرين الكبار وجمع أكثر من ملياري دولار، خلف ستار الشرف كان بانكمان يخطط للاحتفاظ بهذه الأموال مع نخبة من أصدقائه المقربين لتغطية البيانات المالية لشركة "FTX"، وأبقى فريق إدارته والمستثمرين جاهلين وغير قادرين على الوصول للمعلومات المالية المهمة في الشركة، قبل حدوث الانهيار الكبير في 10 نوفمبر الماضي.

ذو صلة

في حديث سابق لسام بانكمان عبر بودكاست تحدث عن كيفية إنشاء قيمة من لا شيء باستخدام الرموز وهذا ما وضع مضيفه في حيرة من كلام صاحب أكبر منصة لتداول العملات الرقمية وهو يقول بصريح العبارة إنها رموز بلا قيمة حقيقية، وبعد هذا البودكاست بأسابيع قليلة انهارت مملكته.


أين وضعت بورصة "FTX" أموال الناس؟

في الحقيقة هذا هو السؤال الذي يبحث جميع المستثمرين عن جوابه، فعندما تضع أموالك في عملة رقمية معينة تكون بذلك قد قامرت بأموالك، لأنك ببساطة في حال انهيار تلك العملة ستخسر رصيدك بالتأكيد، بينما في البورصة فأنت تضع أموالك في شركة ما (وهي شركة "FTX") تكون هي الوسيط فقط بين البائع والمشتري مع عمولة تتلقاها نتيجة دورها كوسيط، أي أن الشركة هنا لا يحق لها التصرف بدولار واحد من أموالك ومن هذا المبدأ نكتشف أن بورصة "FTX" تلاعبت بعملائها وسحبت أموالهم دون إذنهم وتسببت في إفلاسهم جميعًا، فماذا فعلت بكل تلك المليارات؟

في عام 2017 أسس بانكمان صندوقه الاستثماري للعملات الرقمية باسم "Alameda Research" بينما أسس منافسه تشانغ بينغ زاو المعروف باسم "CZ" بورصة "Binance" لتداول العملات الرقمية وخلال فترة قصيرة بنى كل منهما مملكته الخاصة بالعملات الرقمية، وبعد سنتين -وتحديدًا في عام 2019- قرر بانكمان تأسيس بورصة للعملات الرقمية الخاصة به وبذلك أنشأ بورصة "FTX" بالإضافة لبورصة"FTX.US" الخاصة للمقيمين في الولايات المتحدة وسرعان ما أصبحت رقمًا صعبًا في عالم الأعمال، ما شجع شركة بايننس لشراء 20% من أسهم "FTX" وبذلك أصبحت شريكة لمنافستها في السوق.

بعد عدة شهور تدهورت العلاقة بين الشريكين بسبب أمور تقنية تطويرية، ما دفع بانكمان لشراء حصة بايننس عام 2021 وكان الدفع بالعملات الرقمية والجزء الأكبر منه كان على شكل عملة بايننس BUSD، بينما الجزء الآخر عبارة عن العملة الخاصة بشركة "FTX"  وهي "FTT". وحصلت بعدها شركة "FTX" على الترخيص الخاص بها.

يوم الأربعاء 2 نوفمبر الفائت كانت بداية النهاية لإمبراطورية بانكمان عندما نشر بايننس تغريدة مفادها أنه يريد بيع جميع عملات FTT المتبقية لديه وذلك إثر تسريب وثائق مفادها أن معظم الأصول في شركة ألاميدا ريسيرتش هي عبارة عن رموز FTT، وأثبتت الوثيقة المسربة أن بورصة FTX أودعت لشركة ألاميدا ريسيرتش مليارات من الدولارات مضمونة الأصول من أموال المودعين في البورصة وحولتها لرموز FTT الوهمية، فسارعت كارولين أليسون المديرة التنفيذية لألميدا ريسيرش لشراء العملات منه بسعرها الحقيقي في السوق وهو 22 دولار آنذاك لكل رمز لتجنب الخسارة.

لكن مؤسس بايننس قام بوضع الكمية التي يملكها في السوق من أجل تخفيض قيمتها الشرائية، وهذا ما حصل بالفعل حيث سارع المتداولون ببيع رموز FTT الخاصة بهم وسحب أموالهم من بورصة "FTX" وانهارت العملة حتى وصلت لـ 2 دولار، وارتفعت طلبات السحب يوم الأحد 6 نوفمبر إلى 5 مليارات دولار في يوم واحد فقط، ولم يستطع بانكمان تغطية السحب الهائل لأن طلبات السحب أكبر بكثير من الأصول والسيولة وتم توقيف عمليات السحب بشكل مؤقت.

لم يتمكن أحد من تقديم المساعدة للشركة المدينة بـ 8 مليارات دولار للسوق، ولم يكن أمام بانكمان سوى طلب المساعدة من منافسه بايننس، وصرح الأخير على تويتر يوم 8 نوفمبر أنه يدرس إمكانية الاتفاق مع FTX (عادة لا يعلن الناس عن صفقة كبيرة مسبقًا لكن يبدو أن لبايننس مآرب أخرى).

وخلال هذه العملية سمحت الشركة لبايننس بالاطلاع على بياناتها المالية لتقدير حجم الضرر اللاحق بالشركة لكن وبهذه الحركة قامت FTX بفضح نفسها أمام منافسها وكشفت الثغرات المالية الهائلة فيها، فقام باييننس بنشر التغريدة القاضية وقال فيها: "في البداية كان لدينا آمال بأن نكون قادرين على دعم عملاء FTX من خلال توفير السيولة، ولكن المشاكل الخاصة بـ FTX خارجة عن السيطرة وتتجاوز قدرتنا على المساعدة".

كانت تلك التغريدة هي بمثابة حفر القبر لبورصة FTX وفي تاريخ 10 نوفمبر يوم الخميس صرح سام بأنه قد فشل، وقدم ملفاته لمحكمة أمريكية في ولاية ديلاوير لحمايته من الإفلاس (أحد قوانين الحماية من الإفلاس في الولايات المتحدة) وهذا يعني أن الشركة لا تزال قائمة لكن تحت قيادة مختلفة وسلطة المحكمة، وبذلك خسر جميع العملاء أموالهم خلال ساعات قليلة.

يقول أحد الموظفين السابقين في FTX إن سام يختبئ وراء الإيثار مدعيًا أن سعيه للحصول على المليارات كان لهدف إنساني وخيري، لكنه في الحقيقة أراد الاستيلاء على أموال المودعين والاختباء خلف الشركة القانونية التي يمتلكها والداه، كما تراجعت شركة بانكمان في أكتوبر عن تعهدها بالتبرع بمليار دولار لصالح الجمعيات الخيرية لأسباب سياسية. 

بعد الانهيارات المتتالية لعالم العملات المشفرة، والاحتيالات الكثيرة التي تحدث؛ برأيك هل ستبقى ثورة العملات الرقمية؟ أم أنها ستنتهي بعد هذه الفضيحة المدوية التي تمكنت من خداع العالم بأسره.

يبدو أن سام بانكمان جاءنا بمظهر روبن هود الذي يسعى لإسعاد الفقراء، وجعلنا نبتعد عن شرعية مصادره في اكتساب هذه المليارات بوقت قليل، وتمكن من خداعنا وتهافتنا لإعداد المقابلات وكتابة المقالات عن الفارس الأبيض صاحب الشعر الأشعث الذي خدعنا بإنسانيته المزيفة وبساطة مظهره.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة