علميًا وبعيدًا عن الأمثال… هل فعلًا يخلق من الشبه أربعين؟

من الشبه أربعين
روان سالم
روان سالم

7 د

أركب الباص صباحًا لأذهب إلى عملي، فألمح فتاةً أحسبُها في البداية ابنة خالتي نور، وبعد التركيز في الوجه، أرى ببساطة أنها ليست نور! أعود إلى البيت وأروي لأمي أن هناك شبيهة لنور ابنة خالتي وقد رأيتها في السرفيس، لربما أختها الضائعة (أقولها مع الضحك والقهقهة)، فتبتسم لي وترفق ابتسامتها بقول: "يخلق من الشبه أربعين".

ويقول لي عمي بعد فترة، إنه عندما كان مسافرًا إلى محافظةٍ بعيدةٍ عنا، رأى فتاةً تشبهني جدًا، ولولا أن شعرها قصير وأشقر (وهو يعلم أن شعري طويل وبني)، لكان كلّمها وكأنها أنا وفتح حديثًا يبدأ بـ "ماذا تفعلين هنا؟". قلت: "هل تشبهني وكأنها نسخةً مني يا عمي؟"، فقال: "حقيقةً، وللوهلة الأولى، اعتقدتها أنتِ حقًا، ولكن عندما ركزت في ملامحها، أيقنت أنها إحدى شبيهاتك الأربعين".

هل هناك بالفعل 40 شخصًا يشبهون كل واحدٍ منّا في العالم؟ كيف؟ لماذا؟ ولمَ "أربعون" شخصًا بالتحديد وليس واحدًا وأربعين؟ هذا ما سنناقشه في مقالنا هذا.


الأشباه الأربعون: لم نشبّه أشخاصًا لآخرين ليس بينهم صلة قرابة؟


معتصم النهار إلى اليمين وأونور تونا إلى اليسار

معتصم النهار إلى اليمين وأونور تونا إلى اليسار

بعيدًا عن الأخوة، والتوائم، والأقرباء عمومًا، لم قد يكون هناك شخصٌ من بلاد المشرق، شبيهٌ بشخصٍ آخر من بلاد المغرب، دون وجود أي صلة قرابة تبرر الشبه؟

ذو صلة

ببساطة، هناك سببان رئيسيان لهذا الشبه.


السبب الأول: تشابه الحمض النووي للبشر

تقول الأبحاث إن تركيب الحمض النووي لأي شخص في العالم، متشابه مع تركيب الحمض النووي لأي شخص آخر بنسبة 99.9%، حتى لو كان الشخصان من أماكن مختلفة تمامًا، وهذه الدراسة تنطبق على كل الناس في كل العالم، أي أن حمضي النووي متشابه مع حمضك النووي أيها القارئ بنسبة 99.9%.

أما عن الـ 0.1% الباقية، فهي ما يصنع الفرق البسيط بين البشر، ويؤدي للعديد من الاختلافات، ومن ضمن هذه الاختلافات الاختلاف بالشكل، ما يجعل لكلٍ منا شكله المميز على الرغم من حالات الشبه التي نتكلم عنها.

السبب في نسبة التشابه تلك -الـ 99.9%- هو أننا جميعنا قد ورثنا حمضنا النووي من آدم أبي البشر، لذا تخيل الأمر كما لو أننا جميعًا قد ورثنا تركيب حمضنا النووي من أبٍ واحد، هذا منطقيٌ وسيخلق تشابهًا.

ولكن على الرغم من تشابه الحمض النووي لجميع البشر بشكلٍ كبير، إلا أن هناك عدة عوامل ستؤثر منطقيًا وعمليًا على شكل كل إنسان، منها مكان الولادة، واختلاف موطن الأجداد، وحتى الظروف الجوية، وهذا ما يقودنا إلى السبب الثاني لوجود الأشباه الأربعين.


السبب الثاني: تداخل الأصول العرقية للبشر

تقول الدراسات إنّه لا يوجد شخص على وجه الأرض ذو أصول عرقية نقية 100%. لو فرضنا جدلًا أنك من العراق، فعندما أسألك "مَن جدك؟ أو هل تعرف جَد جدّك؟، ما هي أصول أجدادك؟"، ستجيبني وبكل ثقة "نعم أعرفه، وأجدادي جميعهم قد استوطنوا في المنطقة التي وُلدت أنا فيها، في العراق، أي أصولنا عراقية".

ولكن يؤسفني أن أخبرك أن كلامك ليس دقيقًا بنسبة 100%، والسبب أنه لا يوجد شخص أصوله العرقية أصيلة ونقية بشكل تام، ولا يوجد شخص حمضه النووي يرجع إلى أصل جغرافي واحد، وهذا بسبب تداخل الأصول العرقية حول العالم، حيث لا يمكن أن يكون حمضك النووي عائدًا إلى منطقة واحدة هي التي تسكنها، وذلك يعود بشكل رئيسي إلى هجرة الأجداد والسفر والتداخل بين الشعوب عبر الزمن، أي من المحتمل أن يكون جَد جَد جَد جَد جَدك، ذا أصول فرنسية!

لأكمل لك المثال لتفهم أكثر: لو فرضنا جدلًا أنك من العراق، وأنك تعرف أن أصولك وأجدادك من العراق، فمن خلال بعض البحث في أصولك العرقية، وتحليل حمضك النووي، قد نكتشف أن أصولك مقسمة كالآتي:

  • 50% من أصولك فلسطينية وسورية.
  • 20% من أصولك ماليزية.
  • 10% منها من أوروبا الغربية.
  • 4% من بريطانيا.
  • 6% من العراق!

يمكننا إثبات هذا الأمر بتحليل الحمض النووي للإنسان وتفنيد أصوله، ولكن يمكن ملاحظة صحة الموضوع دون حتى أن نثبت لك، فكم مرة لاحظت أن ملامح ذاك الشخص ولون بشرته، بعيدان كل البعد عن بيئته التي ينتمي إليها؟ تفسير ذلك هو تداخل الأصول العرقية للشخص!


هل الشبيه يطابق شبيهه بشكل تام؟


هند صبري إلى اليمين وديمي لوفاتو إلى اليسار

هند صبري إلى اليمين وديمي لوفاتو إلى اليسار

أي عندما نلاحظ الشبه بين شخصين نعرفهما، هل يكون التشابه تامًا والشخصان متطابقين 100%؟ جوابك أنت سيكون للوهلة الأولى "نعم"، ولكن جوابنا العلمي سيكون "لا"!

لا يوجد شخصان على سطح الكرة الأرضية متشابهان تمامًا، حتى الأقرباء والتوائم إذا أردت، ليسوا متطابقين بنسبة 100%. لمَ؟ تابع معي لُطفًا.


السمات المميزة ودورُ المخّ في تحليل الأشكال: السبب الثالث الثانوي لوجود ما يُسمى بـ الأشباه الأربعين

في دراسة أجرتها عالمة الأحياء الدكتورة تيجان لوكاس (Dr Teghan Lucas)، مع فريقها من جامعة أديلايد (Adelaide) الأسترالية، كان الغرض هو معرفة مدى فرصة أن يوجد شخصان متشابهان ومتطابقان في الشكل 100% بدون صلة قرابة، أُجريت على حوالي أكثر من 4000 شخص، وبقياس مسافات الوجه بشكل دقيق جدًا بين العين والوجه والفم والأذن، والمقارنة، تبين أن فرصة التطابق التام لأبعاد الوجوه معدومة تمامًا، حيث كانت النسبة أقل من 1 لكل تريليون شخص.

علميًا، ليست هناك مطابقة تامة بين شخصين في الشكل، وحتى في الصفات، إنما القضية قضية تشابه، للسببين اللذين ذكرناهما أعلاه، ولسببٍ ثالث، وهو نظرتنا السطحية لمعالم الوجه عندما نقابل أحدًا للمرة الأولى.

ركز معي: السمات المميزة لوجه كل إنسان تكمن في العيون، والأنف، والأذن، والشعر، وشكل الوجه عمومًا، وبعض السمات الجانبية التي تحدد ملامح الشخص، ولكن بوجود أكثر من 8 مليارات نسمة على سطح هذا الكوكب، نلاحظ أن هذا رقم كبير جدًا فيما لو قارنّاه بعدد السمات، لذا من الطبيعي أن تكون هناك مجموعات من الأشخاص تشترك في بعض السمات، لا شك في هذا الأمر، فعددُنا كبير!

ومن جهة أخرى، للمخ البشري دور في هذا الموضوع: عندما ترى عيناك شخصًا للمرة الأولى أو للوهلة الأولى، فستقوم بنقل سيالة المعلومات الأولية عن شكل هذا الشخص إلى المخ، والذي بدوره يُعدّ عضوًا خارقًا في عملية تذكر الوجوه، ولكنه ضعيف القدرة على تذكر التفاصيل، ولذا يلغي مخك التفاصيل ويركز على الوجه عمومًا، وبالتالي هو سهل الانخداع بأشكال الوجوه، ويجعلك ترى الأشخاص المتشابهين بشكل سطحي، يشبهون بعضهم بشكل كبير.

ولكن إذا حاولت التدقيق في التفاصيل، سترى أن الموضوع مختلف، وأنه لا يوجد تطابق. مثلًا، إليك هذه الصورة أدناه التي تبين مقدار تشابه مارك زوكربيرغ مؤسس فيسبوك إلى اليسار، والملك فيليب الرابع ملك إسبانيا إلى اليمين:


للوهلة الأولى، ستلاحظ الشبه القاتل بين الشخصيتين، الهيئة العامة متطابقة، ولكن دقق في التفاصيل، التي تكمن في "العيون" التي تختلف بينهما في الحجم، و"شكل الفم" المختلف تمامًا في الشكل والحجم،  وفتحتي الأنف وما بينهما، وحتى في شكل الحاجبين وتكوينة الوجه. وهناك الكثير من صور المشاهير وأشباههم منتشرة على الإنترنت.

عزيزي، حتى التوأم المتطابق، الذي تراه مرة واثنتين وثلاثة، من بعيد، وتقسم أنه لا أحد يمكنه التفريق بينهما، تكمن فروق عديدة بينهما. لو جربت التعامل مع توأم عدة مرات، ستلاحظ الاختلافات الطفيفة بينهما، في تقاسيم الوجه، وستفرّق بينهما بكل تأكيد، هذا إذا لم نذكر شكل الجسم والتصرفات، فهي مختلفة بكل تأكيد، ويمكنك التجربة وملاحظة الموضوع فيما لو أردت التأكد.


يخلق من الشبه أربعين... لمَ 40؟

لم لا نقول يخلق من الشبه 30؟ أو 35؟ ما قصة الرقم 40؟ هل لو أحصينا عدد الأشخاص المتشابهين في العالم، ستكون هناك مجموعات كبيرة كل منها مؤلف من 40 شبيهًا من ذات الشخص؟ بالطبع لا، وذلك بعدما أثبتنا أنه لا يوجد أشخاص تشبه آخرين بشكل متطابق وتام.

ببساطة، جملة "يخلق من الشبه أربعين" ما هي إلا تعبير مجازي ومبالغ فيه بوصف شدة الشبه بين شخص وآخر، يستخدمه الناس لأنه تعبير متداول لا أكثر، حاله حال "من عاشر القوم 40 يومًا صار منهم"، الذي يُقال تعبيرًا عن تآلف الإنسان مع محيطه الجديد مثلًا، واكتسابه عادات جديدة غير عاداته تلاؤمًا مع وجوده في بيئة جديدة.

من هذه اللحظة، عندما يقولون لك إنك تشبه أحدًا لدرجة كبيرة ولا بدّ أنه أحد أشباهك الأربعين، فقل لهم وبكل ثقة: "أنا فريد ومميز ولا أحد يشبهني 😁". نعم لديك أشباه، ولكن بالفعل لا أحد يشبهك تمامًا. أكثر ما يُثبت صحة ذلك هو التوأم المتطابق، الذي، كما قلت، إذا جرّبت أن تدقق فيه وتخالطه لفترة، لن يصعب عليك التفريق بينهما فيما بعد، وستتمكن من توصيف اختلافاتهما بكل بساطة.

كم مرة قيل لكَ إنك تشبه أحدًا لا تعرفه؟ أخبرنا في التعليقات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة