تربية هنا.. وتربية هناك! 1
2

كنت قد تحدثت من قبل عن الحياة في كوريا كما عرفتها، تحدثت بشكل عام عن بعض الحسنات والسيئات أيضاً في هذا البلد البعيد..والذي أحسبها نعمة من الله أنني عشت فيه سنتين كاملتين وتعرفت فيه على ثقافة أخرى مختلفة تماماً ساهمت بشكل كبير في نضج شخصيتي..

الحقيقة أنني أضبط نفسي أفكر في عدة مواقف رأيتها بعيني هناك، أثناء تعرضي لذات الموقف بصورة مختلفة هنا في مكان آخر.. الأمر ليس مقارنة بقدر ما هو اعتراف بالفرق الشاسع بين العالمين الذي أجبرتني الظروف على العيش في كلاهما..

الكثيرون يعرفون أن الأمور بالتأكيد مختلفة، وأن هناك فارق حضاري ضخم، فكرت كثيراً في سبب ذلك، واكتشفت أن الأمر في معظم المشاكل في هذا العالم يعود أولاً وأخيراً إلى شيئين..التربية..والتعليم..

img_2819

أتحداك أن تخبرني بظاهرة سيئة ليس مصدرها الأول التربية والتعليم، أنا مؤمنة أن نصف مشاكلنا ستحل عند هدم جميع المدارس وإعادة بنائها بشكل مختلف تماماً..حتى الفصول في مدارسنا مبنية بطريقة خاطئة فما بالك بما يدرس فيها؟

الكلام عن التعليم العربي بمختلف أنواعه حتى الخاص والخاص جداً منه يملأ مجلدات، أما التربية في البيوت العربية بالرغم من الاجتهادات الدائمة من الوالدين سيئة للغاية وتفتقر إلى أقل القليل من المباديء الصحيحة.

قد يبذل الوالدين وسعيهما في سبيل تعليم الطفل مباديء دينه، قد يسارعان إلى تعليمه الفاتحة أو الوضوء أو صلاة المائدة والذهاب إلى الكنيسة، لكن التربية ليست دائماً متعلقة بالدين رغم أن مبادئها كلها منه بشكل أو بآخر..

قد ينفق الوالدان الكثير في سبيل تعليم أطفالهما الرياضة والنشاطات، لكن هذا أيضاً ليس كل شيء بالرغم من أهميته..هناك العديد من الأشياء الغير ملحوظة التي تسهم في الفشل- أكرر الفشل- الذريع الذي نعيش فيه..

سأحكي عدة مواقف لطيفة حدثت لي بصفة شخصية في كوريا الجنوبية..وذاتها في مكان آخر على سطح الكوكب..

الموقف الأول: آنيوهاسيو

كنت أجلس في انتظار شيء ما لا أذكره في المول بجوار سيدة وطفليها..داعبت الصغيرة التي لا تتجاوز السنة والنصف.. فحملتها أمها وأخفضت رأسها في اتجاهي وكأنها تنحني لي..وقالت آنيوهاسيو..

آنيوهاسيو لمن لا يعرف هي التحية بصيغة الاحترام، يتم استبدالها بـ “آنيو” فقط بين الأصدقاء، هذه الصغيرة التي لا تستطيع السير بعد، تعلمها أمها الإنحناء في مخاطبة الغريبة. هذا هو ما يفرح قلب الأم ويزيدها فخراً بإبنتها عندما تردد ورائها: آنيوهاسيو بصيغة الاحترام.

ذات الموقف في مكان آخر..

أجلس في عيادة طبيب الأطفال أنتظر دوري مع ابنتي: بجواري سيدة مع طفلها الصغير الذي لا يتجاوز العام والنصف..اداعبه فتحمله أمه وتقول مشيرة باتجاهي واتجاه ابنتي..تف (ابصق) عليها يا حبيبي..

أنظر لها في دهشة فتقول في فخر..تعلمها فقط بالأمس..

تعليم الطفل البصق والسباب (طظ) في سن صغير هو سر فخر هذه السيدة اللطيفة وابنهاالظريف..

الموقف الثاني: الطفل سيد قراره

أجلس في الحديقة العامة الممتلئة بالناس والأطفال..يسير أمامي طفل عمره ثلاثة سنوات مع والده..يقرر الطفل فجأة أنه يريد التوقف في هذه البقعة بالذات والسير في خطوات واسعة ذهاباً وإياباً..

ينتظر الأب على جانب غير بعيد طفله وهو يسير ويعد خطواته بصوت عال..ذهاباً وإياباً..ذهاباّ وإياباً..دون أن يجذبه من ذراعه..ودون أن يتململ حتى..هذا درس هام في احترام رغبة الصغير حتى ولو كانت بلا هدف معين..انتهى الطفل فعاد إلى يد والده وذهبوا..كيف يصبح هذاالطفل في المستقبل إذاً؟

نفس الموقف في مكان آخر..

الحقيقة ليس موقف بل مواقف، بدءاً من اختيار طعام الطفل في النزهات، اختيار ملابسه، مدرسته، القسم العلمي أم الأدبي، وحتى اختيار العروس، أطفالنا بلا رأي فكيف سيصبحون رجالاً ونساءاً حترم رأيهم في أي شيء إذن؟ هذا ليس خوفاً زائداً ولا حبا محموداً..هذا قتل للروح وإضعاف للشخصية.. وللأسف الأمر لا يتوقف حتى بالرغم من كل هذاالتقدم الذي نعيش فيه..

الموقف الثالث: الأعياد

في بعض الأعياد يهرع الأطفال ليسجدوا أمام أجدادهم، يبتاعون لهم الهدايا وليس العكس في انتظار العيدية، يتعلمون معاني التضحية والوفاء والنبل، ويلتزمون بالزي الكوري التقليدي الملون الجميل “هانبوك”

في مكان آخر..

يتعلم الأطفال أفضل الطرق في رمي خروف العيد بالحجارة، لف الحبال على رقبته وجره ضاحكين، مشاهده ذبحه وغمس أيديهم وأرجلهم بالدم لعمل “خمسات” على الحائط من أجل الحسد..

من سخرية الأمر أن الأهالي لا يبالون بتعليم أطفالهم قصة التضحية الكبرى للكبش فداءاً لسيدنا إسماعيل، بالرغم من أنها قصة تربوية محضة، يقوم فيها إسماعيل بالانصياع لرؤية أبيه بذبحه دون مناقشة، ثم التضحية العظمى وأهمية هذا الكبش ذو القدر الكبير.

هذا الخروف المسكين الذي يتم القاءه بالحجارة، من الأولى لكم أن تعلموا طفلكم احترامه وتقديره، فهو سبباً من أسباب سعادة الآخرين وهو تضحية من الجميع لمجتمع أفضل متوازن. أما تعليمه السادية وإيذاء مخلوقات الله، غالبا سينتج لنا مقاتل جديد في صفوف داعش.

ذات الأمر ينطبق على شراء الصواريخ التي تكفي لإشعال قرية صغيرة، وتعليم الطفل المباديء الأولى في علم التحرش بالفتيات باستخدام مسدس البليّ الأشبه بمسدس الخراطيش.

الموقف الخامس: المترو

في المترو عدة كراسي لكبارالسن والمعوقين، أشهد أنني ركبت المترو في الزحام الشديد ولم يجلس أحد أبداً على هذه الكراسي حتى ولو كانت خالية دون وجود من يحتاجها.

في مكان آخر..

يقف الرجل بكل اعتزاز وسط السيدات في عربتهن، تطالبه أحداهن بالنزول لأنها عربة للسيدات فيرفض بكل ثقة، لا أعرف مصدرها حقيقة فهو قد تخلى حالاً عن رجولته وارتضى بأن يكون معدوم الجنس لا هو برجل يلتزم بمكانه ولا سيدة باسلة في سعيها اليومي.

أراهن أن ذات الشخص هو من كان طفل الأمس الذي يتعمد ضرب الفتيات بمسدس البلي وتشجعه أمه على ضرب إخواته البنات بدعوى أنه “رجل”

الحقيقة أن الكلام يطول عن الفارق الأخلاقي الرهيب بيننا وبين الآخرين، التقدم والحضارة ليسوا بالموارد ولا بالتخطيط ولا بأي شيء آخر بقدر ماهو متوقف على الأخلاقيات أولاً وأخيراً..

الأخلاقيات المعروفة بوضوح الفطرة البشرية وتعاليم الأديان، لكننا نكتفي بالتحدث عن الإنسانية دون الالتزام بها، وعن التظاهر بالدين دون الخوض فيه. تعليم طفلك الصلاة ليس أكثر أهمية من تعليمه الوقوف عند تحيته لرجل أكبر سناً أو لامرأة.

تعليمه الألوان بالإنكليزية ليس أهم من تعليمه الرحمة بالمخلوقات الحية، وتعليم طفلتك كلمات أغنية جديدة ظريف جداً ولكنه ليس بأهمية تعليمها اتخاذ قراراتها بنفسها.

أعرف أن كل هذا الكلام قد قيل من قبل، لكن ربط تعليم الأخلاق بتقدم الأمم أمر حقيقي للغاية لا أعتقد أن هناك دولة تمتلى بالمتحرشين والساديين ومعدومي الرأي في طريقها للتقدم، لكن بالتأكيد هناك جماعات إرهابية تفعل ذلك بنجاح.

اقرأ ايضــاً : 

الحياة..عندما كانت بنكهة الخيال

من قال أن السعادة لا يمكن شرائها؟

لهذه الأسباب يفشل العرب دائماً في الاستمتاع بحياتهم

2

شاركنا رأيك حول "تربية هنا.. وتربية هناك!"