ماذا تعرف عن أحمد زويل، كريستوفر كولمبس عالم الفيمتو؟

العالم أحمد زويل
0

في الثاني عشر من أكتوبر لعام 1999، تم الإعلان عن الفائز بجائزة نوبل في الكيمياء، وجاء الإعلان مثيرًا لبهجة العرب بشكلٍ عام، والمصريين بشكلٍ خاص، حيث تم الإعلان عن تتويج العالم المصري أحمد زويل بهذه الجائزة، ليصبح المصري والعربي الوحيد الذي يفوز بنوبل في الكيمياء.

أكثر من 15 عامٍ مضت على هذا الإعلان، تقدم خلالها العلم بخطواتٍ واضحة، إثر هذا الإنجاز الذي وهبه د. زويل للمصريين والعرب، بل الى العالم أجمع. حيث أعلنت الأكاديمية الملكية للعلوم بأن فوز الدكتور زويل بجائزة نوبل جاء نتيجةً لدراساته لحالات الانتقال والتحول للتفاعلات الكيميائية مستخدمًا مطياف الفيمتو ثانية..

الأمر الذي أدى الى ثورة علمية هائلة في مجال الكيمياء، وميلاد فرع كيمياء الفيمتو، التي مكنت العلماء من رؤية وملاحظة جميع التفاعلات الكيميائية التي تحدث داخل الذرات بسرعة الفيمتو ثانية التي تعد جزءًا من مليون مليار جزء من الثانية.

الحديث عن الفخر العربي بالفوز بتلك الجائزة، يستلزم الحديث عن صاحب هذا الإنجاز بطبيعة الحال، والذي يحتفل العالم اليوم بعيد مولده، تقديرًا للإنجازات العلمية الغير مسبوقة التي قدمها للعالم.

حياته وتعليمه

ولد العالم أحمد زويل في السادس والعشرين من فبراير لعام 1946، في مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة. وحصل على بكالريوس العلوم من جامعة الإسكندرية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى عام 1967، ثم عمل بعدها معيدًا في نفس الجامعة بقسم الكيمياء.

بالرغم من أن دراسة الماجستير كان مقدرّا لها الاستمرار بين عامين كحدِ أدنى، وأربع سنوات كحدٍ أقصى، إلا أن د. زويل استطاع الانتهاء من إجراء التجارب المعملية، وإعداد رسالة الماجستير فقط في ثماني أشهر، لكن نظرًا لهذا القانون لم يكن يحق له التقدم لمناقشة رسالته التي ارتبطت بدراسة علم الطيف إلا بعد انقضاء العامين كحدٍ أدنى.

خلال هذا الوقت استطاع د. زويل الحصول على موافقة كتابية من المشرف الرئيسي على الرسالة، الأستاذ الدكتور تهاني سالم، بأنه قام بإنهاء المطلوب العملي اللازم لإنهاء رسالته. باستخدام هذه الموافقة الكتابية، بدأ د. زويل على الفور بالتواصل مع جامعات أمريكية من أجل السفر والحصول على درجة الدكتوراة، حيث تواصل مع ثلاث جامعات وهي جامعة يوتا، بنسلفانيا، وجامعة ولاية فلوريدا بالإضافة الى بعض الجامعات الأخرى مثل كالتك.

بعد ثلاثة أشهر من ارسال الخطابات الى الجامعات الأمريكية، تلقى زويل خطابًا من جامعة بنسلفانيا في الثاني من أبريل 1969 ورد فيه أن لجنة الدراسات العليا بقسم الكيمياء قد أوصت بقبوله للحصول على درجة الدكتوراة على أن تبدأ الدراسة في أغسطس لعام 1969. كذلك حصل على إعفاء كامل من رسوم الدراسة، بالإضافة الى راتب سنوي مقداره 2700 دولار، وأيضًا منحة دراسية للأبحاث الصيفية مقدارها 900 دولار.

في عام 1973، انتهى د. زويل من دراسة الدكتوراة تحت إشراف البروفيسور “روبن هوكشتراسر”، وكان موضوع رسالة الدكتوراة “أطياف الرنين الضوئي والمغناطيسي للأكسيتونات والحالات الموضعية في البلورات الجزيئية”. والأكسيتون هو اللفظ الذي يطلق على حركة الجسيم الذي يتم تحفيزه بالضوء. ليس هذا فقط، بل بمجرد الانتهاء من دراسة الدكتوراة، كان الدكتور زويل قد شارك في نشر اثني عشر بحثًا علميًا.

الانتقال الى كالتك، وعالم الفيمتو

1

بعد إنهاء دراسة الدكتوراة، انتقل د. زويل الى جامعة بيركلي في كاليفورنيا حيث استكمل مرحلة أبحاث ما بعد الدكتوراة. بعد انقضاء تلك الفترة، بدأ بالتواصل مع العديد من الجامعات من أجل الحصول على وظيفة، وبالفعل حصل على العديد من العروض من جامعات مختلفة مثل شيكاغو، هارفارد، نورث ويست، وأيضًا جامعة كالتك التي كان يرغب بالانضمام الى صفوفها نظرًا للمكانة العلمية المرموقة التي احتلتها تلك الجامعة.

انتقل د. زويل الى جامعة كالتك حيث عمل بقسم الفيزياء الكيميائية، وتم تخصيص معملًا من أجله لاستكمال أبحاثه بالإضافة الى مكتب ملحق بهذا المعمل. بعد فترة من العمل، بدأت النتائج المثيرة والمبشرة لأبحاث د. زويل وفريقه، والتي أثارت اعجاب جميع العاملين بكالتك، حيث كانت هذه الأبحاث هي البداية الحقيقية لاكتشاف علم الفيمتو كيمياء.

يقول د. أحمد زويل في كتابه “عصر العلم” عن أبحاثه التي ترتب عليها ميلاد علوم جديدة مثل الفيمتو كيمياء، والفيمتو بيولوجيا:

التقاط صورة للحالات الانتقالية للجزيئات لن يتأتى الا في جزء من الزمن بالغ الضآلة وباستخدام تقنية التصوير التوقيفي (إيقاف حركة الصورة). تمكننا في كالتك الوصول الى أسرع كاميرا لهذا العمل في منتصف ثمانينات القرن الماضي، كانت أسرع بعشرة بلايين مرة من سرعة الكاميرا التي كانت في يد المصور “إدوارد موبيريدج”، وأمكننا بهذه الكاميرا أن نرصد الذرات وهي في حالة حركة.

وكان بمقدورنا أيضًا أن نرصد الحالات الانتقالية صورة بصورة، وتكون الروابط الكيميائية بين الذرات، ثم تركب تلك الصور المنفصلة في فيلم سينمائي. وبعد قرن من الزمان على وجه التقريب من تجربة مايبريدج على الحصان، قمت بنشر نتائج تجاربنا في نفس المجلة التي نشر فيها مايبريدج نتائج دراسته، وهي مجلة العلوم الأمريكية..

وقد نشرتها تحت عنوان “ميلاد الجزيئات”. وقد نوهت لجنة جائزة نوبل إلى هذا البحث بقولها “والآن فإنه بإمكاننا أن نرى حركة الذرات المنفردة كما نتصورها، ومن ثم لم تعد تلك الجسيمات أشياء غير مرئية..”. وترتب على ذلك ميلاد علوم جديدة مثل الفيمتو كيمياء والفيمتو بيولوجي، وفي ذلك الوقت تولدت قناعة بأن عالم “الفيمتو ثانية” سوف يؤدي الى اكتشافات وتطورات علمية وتكنولوجية تساهم في ترويض المادة وقياس الزمن..

جائزة نوبل

2

جاء الإعلان الرسمي بفوز د. زويل بجائزة نوبل في الكيمياء في الساعة الخامسة والنصف من صباح الثاني عشر من أكتوبر لعام 1999. حيث وصله اتصالًا هاتفيًا من السكرتير العام للأكاديمية الملكية يخبره فيها بنبأ فوزه منفردًا بتلك الجائزة، وكيف أن أبحاثه وإنجازاته العلمية أثارت إعجاب اللجنة.

في تمام الساعة السادسة إلا عشرين دقيقة، أردف المتحدث قائلًا كلماته الشهيرة التي رددها زويل في المؤتمر الصحفي الخاص بإعلان فوزه بجائزة نوبل: “سوف تكون هذه آخر عشرين دقيقة تنعم فيها بالسلام في حياتك”.

أثار إعلان الفوز الأمل الذي بُعث من جديد للمصريين. استقبل المصريون والعرب جميعًا هذا الخبر بحفاوة تامة، فهذا المصري الذي يحمل جينات الفراعنة استطاع الحصول على أفضل جائزة علمية قد يحصل عليها بشر.

استطاع بالرغم من كافة المشاكل التي يعاني منها العرب، شق طريقه العلمي، وإثبات القدرة العلمية لدى العرب. لقد أصبح أول مصري وعربي يقلّد بهذا الوسام في مجال الكيمياء والوحيد حتى الآن. لقد رأي المصريون والعرب الأمل والعلم متمثلين في شخصية زويل، فأصبح قدوةً لجميع الباحثين، ونظرة أمل لجميع الآباء الذين تمنوا رؤية زويل آخر في ذرياتهم. تناولت جميع وسائل الإعلام خبر الفوز بنوبل لتنشر إحساس الفخر في صفوف المصريين.

وليست جائزة نوبل فقط التي استطاع د. زويل الحصول عليها، بل استطاع أيضًا الحصول على العديد من الجوائز والأوسمة العالمية والمحلية مثل جائزة ماكس بلانك، جائزة الملك فيصل، جائزة السلطان قابوس، وسام بنجامين فرانكلين، قلادة النيل العظمي، وأيضًا العديد من الجوائز الأخرى بالإضافة الى عددٍ كبير من أوسمة الدكتوراة الفخرية التي حصل عليها من جامعات عريقة مثل أكسفورد وغيرها من الجامعات.

زويل وكريستوفر كولمبس

3

بعد الإعلان عن فوز د. زويل بجائزة نوبل، أصدر معهد المعلومات العلمية بفيلادلفيا تقريرًا أعلن فيه أن علم الفيمتو ورد ذكره في المصادر العلمية خمسين ألف مرة منذ ظهوره! كذلك قام الأستاذ بمعهد روشستر للتكنولوجيا “روبرت بارادوسكي” بكتابة مقال علمي تناول فيه أهمية علم الفيمتو وآثاره المستقبلية المشوقة والممتعة، وأورد في هذا المقال تشبيه الدكتور زويل بكريستوفر كولمبس حيث كتب:

لقد أصبح زويل باكتشافه هذه الطريقة الجديدة كريستوفر كولمبس لعالم الفيمتو، وأصبح بذلك أول شاهد عيان للأحداث الكيميائية التي تقع في زمن يقدر بجزء من مليون بليون من الثانية..

مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا

4

بعد الفوز بجائزة نوبل، كانت لدى د. زويل مجموعة من الأحلام التي يرغب في رؤيتها تتحقق في مصر، كان أبرزها هو إنشاء مدينة علمية تحتوي على مراكز بحثية مجهزة بأحدث الوسائل التكنولوجية من أجل المشاركة المصرية الفعالة في عصر العلم..

فأولًا وأخيرًا الوطن الذي خرج من أبنائه شابًا استطاع الحصول على نوبل منفردًا وقاد العلم الى مرحلة أخرى من التطور، هو بكل تأكيد وطنًا ما زال يحمل في جعبته الكثير من القدرات الشابة الذين يثبتون بشكلٍ قاطع أن مِصر ما زالت تستطيع تقديم الكثير الى العالم.

بالفعل وافق الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك على مشروع الدكتور زويل بإنشاء مدينة علمية، وقامت الحكومة المصرية بمنحه قطعة أرض بمساحة تقرب من 270 فدان، وتم وضع حجر أساس المشروع في الأول من يناير عام 2000.

كعادة العديد من الأنظمة العربية في القضاء على أحلام شعوبها، واستمرارًا للفساد الذي سيطر على هذا العصر، تجاهلت الحكومة تمامًا المشروع غير عابئة به، وكأن الغرض من هذا الأمر كان فقط تصدر المشهد الإعلامي العالمي الذي حظى به د. زويل بعد فوزه بجائزة نوبل، ليتم نسيان المشروع بعدها، ويصبح حجر الأساس هو القطعة الوحيدة التي تم إنشاؤها في هذا المشروع العلمي.

بعد مواقف تجاهل المشروع التي حدثت خوفًا من زيادة شعبية د. زويل لدى المصريين، لم يجد العالٍم مفرًا من العودة الى كالتك واستكمال أبحاثه هناك، حيث ظل الحلم دفينًا طيلة أحدى عشر عامًا، لتأتي ثورة يناير حاملةً الأمل من جديد في إعادة إحياء تلك الفكرة.

بعد ثورة يناير، وتحديدًا في مايو 2011، تم الإعلان عن إعادة إحياء مشروع مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا. والمثير في الأمر أن تلك المدينة العلمية تباشر عملها بانتظام في الوضع الحالي، حيث استقبلت دفعتين من طلاب الثانوية، بالإضافة الى وجود العديد من الباحثين بالمراكز البحثية التي أنشأتها المدينة.

مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا .. أمل علمي عربي متجدد

إن السيرة الذاتية الخاصة بالدكتور زويل والتي ما زال الحاضر والمستقبل يسطران فصولًا جديدة في طياتها، تمثل الأمل والفخر للعديد من المصريين. فمن كان يدري أن الشاب الذي نشأ في إحدى القرى التي تطل على النيل، وتلقى تعليمًا متواضعًا في جامعة حكومية، سيكون يومًا من الأيام قادرًا على تغيير وجهة العلم في العالم.

إن النجاح الذي حققه د. زويل يُعد دليلًا كافيًا على أن مصر تستطيع.

مصادر
كتاب عصر العلم، أحمد زويل.

0

شاركنا رأيك حول "ماذا تعرف عن أحمد زويل، كريستوفر كولمبس عالم الفيمتو؟"