رواية غربة الياسمين.. في بعض الأحيان الأعمال الثانية تستحق القراءة !

رواية غربة الياسمين.. في بعض الأحيان الأعمال الثانية تستحق القراءة ! 4
1

خدعتني الكاتبة ” خولة حمدي” مرتين، الأولى عندما قرأت روايتها “في قلبي أنثى عبرية” بعد الكثير من الترشيحات والمدح وأصبت بالإحباط الشديد، والمرة الثانية عندما بدأت قراءة رواية “غربة الياسمين”، والتي قرأتها كتحصيل حاصل ليس أكثر لأكتشف فيها عملاً فنياً لم أستطع النوم قبل الانتهاء منه!

مالم يعجبني في “في قلبي أنثى عبرية”

20316309

في قلبي أنثي عبرية” عنوان رواية يشد القارئ بالتأكيد بمختلف أنواعه، فمن يريد رواية رومانسية يتوقع ذلك، ومن يحلم برواية تنمي معارفه عن الجانب اليهودي والعبراني يأمل في الكثير، ولكن في الحقيقة هي لا تشبع أياً من الرغبتين.

تبدأ الرواية بفتاة تونسية صغيرة مسلمة تعيش في كنف عائلة يهودية وتعاني من ربة المنزل التي تخشى على أولادها من أفكار الطفلة التي بدأت تدخل في مرحلة المراهقة، لذلك تضهدها وتسعي للتخلص منها، لتبدأ قصة الفتاة في “لبنان” ما بين تشرد وتعذيب واضطهاد، بينما الشخصية الأخرى التي تتناولها الرواية هي “ندى” اليهودية التي تعشق مسلم ترفضه عائلتها ولكن يخطبا ويحاول كل منهما أن يحبب الآخر في دينه.

نبرة الوعظ في الرواية مرتفعة للغاية، لتتحول من عمل أدبي إلى كتاب أقرب للديني، والعلاقة الرومانسية التي تجمع بين الخطيبين تحولت إلى علاقة ندية بين اثنين كل منهما يحاول أن يقنع الآخر بما يؤمن به، مع الكثير من الفلسفة والأفكار ليفقد القارئ متعته تماماً ويشعر أنه قد خُدع.

بالإضافة كذلك للكثير من الأفعال غير المنطقية من الأبطال، التي تشعر القارئ طوال الوقت أنه يتعامل مع رواية خيالية، فأرض الواقع لا يتصرف بها الأشخاص بهذه الطريقة، وبالطبع من أكبر نقاط ضعف الرواية هي النهاية، حيث قررت الكاتبة أن الشخصيات اليهودية تسلم جميعاً بينما الشخصيات المسيحية تتوفي في حادث سيارة ليعيش الجميع في العالم المثالي بالشكل الذي تراه الكاتبة.

الرواية على Goodreads

ما بين سكارليت وكونتاكنتى: روايات متناقضة تناولت العبودية !

غربة الياسمين” أخطاء تم تلافيها

24075208

من موقعي كقارئة أشكر الكاتبة التي يبدو أنها قرأت الرواية الأولى من وجهة نظري لتحاول أن تصحح كل ما أغضبني منها، لتقدم لي تجربتها الثانية التي حولت بها سخطي إلى امتنان جارف لقضاء ساعات مع رواية مشوقة للغاية.

هذه المرة تدور أحداث الرواية في فرنسا، حول العنصرية والاضطهاد الذي يعانيه المسلمون في الخارج، ورفض الكثيرين لمظهر حجاب المرأة، ولكنها لم تقع في نفس الدائرة المقيتة وتقسيم الشخصيات إلى فرق، هؤلاء مسلمون مضطهدون يدعون الآخرين للهداية، والآخرون عنصريون يذيقونهم العذاب ليل نهار ولا يتقبلون وجودهم.

بل قدمت شخصيات مختلفة غير أحادية تستحق التأمل، منها “رنيم” الفتاة المصرية التي تعمل في فرنسا ولكن لا تستطيع أن تفرقها عن مثيلاتها الفرنسيات، متحررة قليلًا، تحلم بالزواج من فرنسي يحقق الفيلم الرومانسي الذي تمنت أن تعيشه.

ولكن شخصيتها التي تنمو على مدار الأحداث تجعلها تصل في النهاية إلى منطقة أخرى تمامًا، لم تتحول إلى الشخصية المثالية من وجه نظر الكاتبة، ولكنها أيضًا أصبحت أنضج وأعمق وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات بناء على تفكير منطقي وليس عاطفي.

لا تجعل Goodreads يختار لك ما تقرأ.. الإستخدام الأمثل للموقع

أما على الجانب الرومانسي في الرواية فقد استطاعت “خولة حمدي” أن تخرج من عباءة الحب الأبدي، واللقاء الذي يجب أن يأتي في النهاية حتى يجمع الأحباب، لتقدم لنا علاقتين رومانسيتين بشكل ناضج وواقعي.

والأهم أن الرواية رغم أن محور أحداثها العنصرية والاندماج في المجتمع، إلا أنها قدمت وجهة نظر متوازنة إلى حد كبير، فالعنصرية وسوء المعاملة ليسا حكراً على المجتمعات الغربية اتجاه المسلمين، فهي موجودة في المجتمعات العربية بقسوة أيضاً اتجاه بعضهم البعض..

فهي في النهاية صفة بشرية، تحث على النفور من الاختلاف حتى لو كان في اللكنة مع تشابه اللغات أو أسلوب في ارتداء الملابس، أو درجة التدين بين أصحاب الدين الواحد. أما عن الاندماج مع المجتمع فهو أسطورة حضرية ليس أكثر، فليس هناك شخص لا يشعر أنه مستبعد في وقت من الأوقات أو يشعر أنه في غير مكانه الصحيح.

والشخصيات الغربية التي قدمتها كذلك لم تكن كلها متعصبة في عنصرية عمياء، بل كان فيها الكثير من التوازن واحترام الآخر، بل إن بعض العنصرية كانت مبررة في شخصية “باتريك” على سبيل المثال.

وأهم أجزاء الرواية بالطبع هي الخاتمة، والتي صاغتها الكاتبة بأسلوب متميز، فلم تقدم لقارئها نهاية مفبركة فقط لإغلاق كل الأبواب، ولكن تركت البعض مفتوح، لتؤكد على حقيقة أن الحياة ليس بها نهاية، بل أحداث متوالية ينتهي البعض منها ليبدأ الآخر، وأن روايتها هي قطعة من الحياة تستحق القراءة.

1

شاركنا رأيك حول "رواية غربة الياسمين.. في بعض الأحيان الأعمال الثانية تستحق القراءة !"