كيف تسير الدجاجة؟ سؤال ليس “بالتفاهة” التي تعتقدها! – راقب واندهش

كيف تسير الدجاجة؟ سؤال ليس "بالتفاهة" التي تعتقدها! – راقب واندهش 1
0

اعتدنا في طفولتنا بالتجمعات العائلية أو بين مجموعة من الأصدقاء أن نلعب لعبة “الأحكام”، وهى النسخة العربية للعبة “Truth or Dare” الغربية، باختلاف قواعد اللعبة من بلد لآخر أو حتى من عائلة لأخرى، فإن خطوات اللعبة تؤدي بشكل أو بآخر إلى قيام أحد المشاركين بإطلاق حُكم على آخر وينبغي على الأخير تنفيذ الحكم مهما كانت درجة سخافته أو خطورته.

إذا كان الحَكم رحيماً بالمحكوم عليه، سيحكم عليه بحبس أنفاسه لمدة دقيقة، أو لمزيد من الإذلال أن يذهب ليطرق باب الجيران طلباً لكوب من السكر، أما إذا كانت هناك عداوة قديمة بين الحَكم والمحكوم عليه، تكون تلك هي الفرصة الذهبية لإهدار كرامة المحكوم عليه وجعله يمشي في أرجاء المكان مقلداً الدجاجة!

لا سبيل للمحكوم عليه البائس سوى أن ينفذ الحكم، يشرع في النقنقة مقلداً لصوت الدجاجة، يثني ذراعيه ليحاكي جناحيها، يبدأ في التجول بأنحاء المكان ويهز رأسه للأمام والخلف تماماً كما تفعل الدجاجة، وإذا كان قلب الحَكم خالياً من الرحمة ربما جعل المحكوم عليه يجلس على بيضة وهمية!

لكن عذراً عزيزي المحكوم عليه، لقد كنت تقلد الدجاجة بالطريقة الخطأ طيلة ذلك الوقت.

تُبدي الدجاجة حركة رأس ذات إيقاع منتظم، بالتناغم مع خطوات أرجلها على الأرض، نراها تهز رأسها للأمام والخلف، للأمام والخلف، وبزيادة سرعة مشيتها، يزداد إيقاع حركة الرأس بشكل ملحوظ، لكن في حقيقة الأمر تلك ما هي سوى حركة وهمية تنشأ عن مقدرة مذهلة لدى الدجاجة على تثبيت رأسها في الفراغ!

تنقسم هزة رأس الدجاجة والعديد من أنواع الطيور الأخرى أثناء المشي إلى مرحلتين، أولاً مرحلة إمساك الرأس “Hold Phase”، وهي المرحلة التي تثبت فيها الدجاجة رأسها بالنسبة للبيئة من حولها، بينما يتقدم الجسم إلى الأمام تاركاً الرأس معلقاً وحده في الهواء! ثم تأتي مرحلة الدفع “Thrust Phase” بحركة الرأس المفاجأة والسريعة إلى الأمام، لماذا تُبدي الطيور ذلك الإيقاع الغريب في حركة الرأس؟

فلسفة الحدس: لماذا لا يجب عليك الثقة بحدسك واستخدامه مع من حولك؟!

امْسك الرأس، ثبّت الصورة، ادْفع الرأس!

حسناً، ببساطة تتعلق تلك الحركة بعملية الإبصار، تتمتع الطيور والحيوانات وحتى البشر في العادة برؤية واضحة، طالما أن الجسم الواقع تحت الملاحظة ثابت، لكن ما أن يبدأ الجسم بالحركة فإن الرؤية تصبح ضبابية، مما يحول دون تبين التفاصيل بالوضوح الكافي، ويعود التدهور في جودة الصورة وضبابيتها إلى بطء استجابة المستقبلات البصرية في العين، فلا تلحق بالتغييرات السريعة في المشهد الماثل أمام العين فيظهر مشوشاً.

إلا أن ذلك يمثل عقبة كبيرة بالنسبة إلى طائر أو حيوان يحصل على قوت يومه من صيد الحشرات أو الحيوانات الأخرى، لذا فمن الأفضل أن يكون المشهد ثابتاً بالقدر الذي يسمح بتبين التفاصيل، وبما أن العالم من حولنا لن يتوقف عن الحركة من أجل أن نستوعبه فكان لابد من آلية للتأقلم مع سرعة تغيره.

يمتلك البشر وعديد من الكائنات الحية الأخرى آلية خاصة لتثبيت الصورة على شبكية العين لأكبر قدر ممكن من الوقت، ولكي نفهم تلك الآلية دعونا نجري تجربة بسيطة. قم بتركيز بصرك على كلمة “بصر”.

بصر

الآن فلتحرك رأسك لأعلى وأسفل ثم يميناً ويساراً مع استمرار تركيزك على الكلمة، هل تلاحظ أي تغيير أو حركة في الكلمة؟ على الرغم من حركة الشاشة بالنسبة لرأسك فإن الكلمة تبقى ثابتة ولا تعاني من أي ضبابية أو تشويش!

يعود الفضل في تلك المقدرة إلى مستشعرات الدوران بالأذن الداخلية، تحتوي الأذن الداخلية على قنوات هلالية الشكل تمتلئ بسائل لزج، تخيل أنك تحمل طوق نجاة تسربت بعض المياه إلى داخله، إذا قمت بتدوير الطوق ستسمع صوت انسكاب “سليش! سلاش!” للمياه بالداخل بفعل الحركة، وبالمثل عندما يتحرك الرأس فإن السائل الموجود بالقنوات الهلالية ينسكب بحسب اتجاه الحركة منبها الخلايا التي تبطن تلك القنوات، عندما تتنبه تلك الخلايا إلى وجود حركة فإنها ترسل إشارة عبر المخ والأعصاب إلى العضلات التي تتحكم في دوران العينين.

حركة الدجاجة

عندما حركت رأسك جهة اليمين استشعرت الأذن الداخلية اتجاه الدوران وأرسلت إشارة لعضلات عينيك لتحركهما جهة اليسار، والعكس عندما حركت رأسك جهة اليسار فإن عينيك تتحركان جهة اليمين، وهكذا أياً كان اتجاه الحركة فلها حركة تعويضية تعادلها في العينين، وبذلك تضمن تلك الآلية تثبيت الصورة على شبكية العين في حالة حدوث حركة.

كما في حالة البشر، نجد كل كائن حي لديه أسبابه لتثبيت الصور على شبكيته لأطول فترة ممكنة، ولكن ليس بالضرورة أن تتضمن تلك الآلية تحريك العينين، حيث نجد أن أنواعاً عديدة من الطيور مثل الدجاج والحمام تعتمد على آلية أخرى.

فبدلاً من تثبيت العينين فقط على الهدف بينما يتحرك الرأس، تقوم بعض الطيور بتثبيت رأسها بالكامل للاحتفاظ بالصورة على الشبكية، ولكن الرأس لن يبقى هناك للأبد، لذا تأتي مرحلة الدفع كخطوة حتمية كي يلحق الرأس بالجسم، ويتكرر ذلك الأمر على مسار حركة الطائر ومن هنا تنشأ حركة الإمساك والدفع المميزة للرأس.

في تجربة شهيرة وضع العلماء إحدى طيور الحمام على جهاز المشي “Treadmill” بحيث كانت سرعة حركة حزام المشي مساوية لسرعة حركة الحمامة، عندئذ تلاشت حركة الإمساك والدفع، ويعود ذلك إلى أن الحمامة تتحرك في مكانها حقاً ولكنها لا تتحرك بالنسبة للبيئة المحيطة، ولذا يبقى المشهد الماثل أمامها ثابتاً بالفعل لا يتغير، وهو ما يدعم صحة نظرية تثبيت الصورة.

حركة الطيور

امْسك الرأس، ادفع الرأس، حدد البُعد!

تعاني الطيور قصوراً بصرياً آخر يجعل لآلية الإمساك والدفع غرض حيوي آخر بخلاف تثبيت الصورة. تمتلك بعض الطيور عينان جانبيتان وليس عينان أماميتان كالبشر وهو الأمر الذي يُعد ميزة وعيب في الوقت ذاته، تكمن ميزة العينين الجانبيتين في أنهما تعطيان الطائر زاوية رؤية أوسع على الجانبين بالمقارنة بالعينين الأماميتين (انظر الصورة).

تغطي كل عين على جانبي رأس الطائر مجال الرؤية الخاص بها، هناك جزء من مجال الرؤية تراه إحدى العينين فقط بطبيعة موقعها، بينما تكون تلك منطقة عمياء تماماً بالنسبة للعين الأخرى والعكس أيضاً صحيح بالنسبة لمجال رؤية العين الواقعة على الجانب الآخر، وتُدعى تلك رؤية أحادية “Monocular Vision”، وإن كان يحدث تداخل بين مجالي رؤية العينين في مساحة صغيرة في الأمام وتلك هي المساحة المشتركة التي يكون فيها أي جسم مرئياً بالنسبة للعينين معاُ في الوقت ذاته وتُدعى تلك رؤية ثنائية “Binocular Vision”.

أما إذا كانت العينان أماميتان تكون مساحة التداخل المشتركة بين مجالي رؤية العينين أكبر، مما يسمح للعينين بالرؤية الثنائية لعدد أكبر من الأشياء معاً في وقت واحد، قد تبدو الرؤية الثنائية رفاهية غير مطلوبة غير أنها تلعب دوراً حيوياً للغاية في إدراكنا لبعد الأشياء عنا.

بصر الدجاجة

فلنأخذ العينين البشريتين كمثال حيث تفصل بينهما مسافة 5 سنتيمترات تقريباً، وهى المسافة التي تكفل لهما مساحة مشتركة تسمح برؤية ثنائية للجسم في نفس الوقت، ولكن وجود تلك المسافة الفاصلة أيضاً يعني أن كل عين ترى مشهداً مختلفاً للجسم من زاويتها الخاصة!

لتجربة ذلك الأمر ارفع إبهامك أمام وجهك على مسافة معقولة، وأغمض عينك اليمنى بينما أبقي على عينك اليسرى مفتوحة، ثم افعل العكس اغمض عينك اليسرى بينما أبقي على عينك اليمنى مفتوحة، هل لاحظت الفرق في رؤية إبهامك في الزاويتين؟

تجربة

التفسير العلمي وراء.. سيظل الشعب العربي دائماً هكذا !

يستخلص المخ المعلومات الواردة من كل عين من الزاوية الخاصة بها، ويستخدم الاختلاف الطفيف بين الصورتين لحساب بعد أو قرب الأجسام عنها. وهو الأمر الذي تفتقر إليه الطيور التي تغلب لديها الرؤية الأحادية على الرؤية الثنائية، فلا يمكنها إدراك بُعد الأجسام باستخدام تلك الآلية، ولعلاج ذلك القصور تلجأ الطيور لحيلة ذكية.

ثمة طريقة أخرى تمكننا من إدراك بعد أو قرب الأشياء دون الحاجة إلى إدراك المشهد من زاويتين مختلفتين، هل لاحظت من قبل أثناء ركوبك للسيارة أن أعمدة الإنارة والسيارات المتوقفة على جانب الطريق تمر بشكل أسرع بالمقارنة بالبيوت والأبنية البعيدة؟ وأن الأبنية بدورها تمر أسرع بالمقارنة بالجبال والمرتفعات الأبعد في الخلف؟  تُدعى تلك الظاهرة بـ “التزيّح” Motion Parallax.

تجد ظاهرة التزيُّح لها تطبيقاً في الألعاب الحاسوبية ثنائية الأبعاد مثل سوبر ماريو، يتحرك سوبر ماريو على مشهد ثنائي الأبعاد وتكون حركته سريعة بالمقارنة بحركة الجبال البطيئة في الخلفية مما يعطي اللاعب انطباعاً خادعاً بعمق المشهد.

وهنا تكمن الحيلة.. تعتمد الطيور على ظاهرة التزيُّح لإدراك الأبعاد، يُمسك الطائر برأسه ثم يدفعه للأمام محدثاً حركة سريعة للمشهد الواقع على شبكية عينه، وبذلك يمكنه إدراك بعد الجسم عنه أو قربه منه، فإذا كان الجسم سريعاً يعني ذلك أنه قريب، أما إذا كانت سرعته بطيئة إذن هو بعيد.

استغلت شركة LG مقدرة الدجاجة على تثبيت رأسها من أجل الترويج لخاصية التثبيت البصري بكاميرات هواتفها المحمولة.

إذن إذا أردت أن تقلد حركة الدجاجة فلا تحرك رأسك للأمام والخلف، بل ثبته بينما يتقدم جسدك من أسفله إلى الأمام، وإن لم تنجح في ذلك! فقم بما أنت بارع فيه بالفعل، حدد هدفك ثم تحرك ودَع عينيك للدوران في محجريهما!

0