اشرحها وكأني في الخامسة: الحلقة الأولى – ما هو التطور وكيف يعمل؟

شرح نظرية التطور
10

اشرحها لي وكأني في الخامسة. سلسلة مقالات وفيديوهات لتبسيط المفاهيم والأفكار المعقدة، وتلك التي أثارت الكثير من الجدل في تفسيرها، ونبدأ اليوم في شرح نظرية التطور.. يمكنك مشاهدة الفيديو مباشرة على قناة أراجيك على يوتيوب.

وفقًا لسيغموند فرويد مؤسس مدرسة التحليل النفسي، فإن نرجسيّة الجنس البشري قد تعرّضت لثلاث جروح نفسية كبحت مِن غطرستها. أولها جرح نفي مركزية الأرض، وإثبات أنها كوكب عادي غير مُهم وأن الشمس هي المركز، وهذا ما جاء به الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس.

ثانيها قوانين اللاشعور والعقل الباطن لفرويد نفسه، والتي أثبتت أن الإنسان ما هو إلا قشرة خارجية على كم هائل من الكبت، وأن تصرفاته ما هي إلا تعبير عنها بشكل غير مباشر. أما الجرح الثالث فهو التطوّر الذي جاء به العالم تشارلز دارون، التطوّر الذي نفى الخلق الخاص لأي كائنات حية ومن ضمنها الإنسان، وقال أنّه مجرد كائن في شجرة حياة ممتدة إلى أزمان سحيقة، شجرة حياة مُرتبطة مع جميع الكائنات الأخرى الموجودة على سطح هذا الكوكب.

ولو أردنا أن نضع العدسة لنكبر نظرية التطوّر ونشرحها بشكل مُبسط خالٍ من التعقيد، فيجب أن نتطرق لما سيُكتب الآن مِن كلمات.

راجع أيضًا: كل شيء عن نظرية الانفجار العظيم

ما قبل دارون وما بعد دارون

السائد من الفكر، هو أن فترة ما قبل ظهور العالم دارون وبداية حديثه عن التطوّر، كان علم البيولوجيا والحيوان مُقتصرًا في دراسته على التفسيرات الخرافية وغير المؤيّدة بأية حقائق صلبة تمت للمنهج العلمي بأي صلة، لذلك عندما أتى دارون بالتطوّر شعر الجميع بوجود نوع من (القفزة) الجديدة في تفسير كيفية تنوّع الكائنات وتطوّرها.

ولعلَ البداية كانت عندما لمعت هذه الفكرة في ذهنه على سطح سفينة البيغل، خلال رحلة 6 سنوات قام بها بالسفر حول العالم، وجمع الكثير من العينات المختلفة من الحيوانات والحشرات، كما رأى أعدادًا ضخمة أيضًا، وبعد ذلك كله يُقال أنّ فكرة النظرية قد بدأت بالتبلّور.

ما الذي يربط جميع الكائنات الحية مع بعضها البعض؟ ما هي حلقة الوصل بين كل هذه الكائنات الحية التي تقوم جميعها بالتنفس والتكاثر والهضم والإطراح وغيرها من العمليات الحيوية؟ ما هو الرابط؟

الرابط هو التطور، والآلية هي الانتخاب الطبيعي!

التعريف

التطوّر هو النظرية التي تفسّر تبدّل وتغيّر صفات الكائنات الحية مع مرور الزمن، والتي تقوم فيها هذه الصفات الجديدة بتحقيق وجود كائن أفضل من الكائن السابق، وقادر على التكيف مع البيئة الحديثة.

بمعنى أن كل كائن حي موجود على الأرض، مرتبط مع الكائنات الحية الأخرى، الفرق بينهم فقط هو فرق زمني – أحدهم ظهرَ قبل الآخر – فعلى سبيل المثال تعتبر الدجاجة حفيدة الديناصورات، كونها من ذات السلف المشترك، إلا أن اختلاف البيئات وتراكم صفات وراثية معينة أنشأتها طفرات محددة هي التي جعلت من الديناصور في نهاية المطاف دجاجة.

فتأثير الظروف على الكائن الحي، تحث الطفرات على الحدوث فتتغير الصفات وتورّث، ومن ثم يتطوّر الكائن!

الطفرات، الصفات، وآلية الانتخاب الطبيعي

حسنًا، قلنا أنّ فكرة التطوّر تدل على ارتباط الكائنات الحية مع بعضها البعض، لا سيما بعد ظهور الجينات واكتشاف الاشتراك في الحمض النووي أيضًا، ولا يوجد انفصال بين هذه الكائنات سوى بالفترات الزمنية، أي أن أحدهم سيكون عمره التطوري 10 مليون سنة، والآخر سيكون 2 مليون سنة، لذلك من الطبيعي أن يكون الأشد تطورًا هو الأكثر تعقيدًا والأكثر تكيّفًا. لكن كيف يتم حدوث كل هذه التغييرات؟ كيف تتبدل صفات الكائن ويتحول لشيء آخر؟

هناك ثلاث مراحل رئيسة تحدث هنا:

1/ تأثير الظروف المحيطة وإحداث الطفرات

تصيب بعض المؤثرات الخارجية – كالإشعاعات مثلًا – الكائنات الحية، فتؤدي بدورها إلى إحداث خطأ جيني قد يتم توريثه إلى الأبناء، وهذا الخطأ يعرف بالطفرة، والطفرة تؤدي بدورها إلى تبدّل في صفات الكائن، التي إما أن تكون تبدلات سلبية، أو تبدلات إيجابية تزوّد الكائن بصفات وميزات جديدة.

لكن بما أن الطفرة محكومة بالعشوائية نوعًا ما، وقد تؤدي لإحداث صفات جيدة وصفات قبيحة، فكيف يتطوّر الكائن؟ كيف يتم استبقاء الصفات الجيدة واستبعاد ما هو غير مفيد؟

هذا ما يتم من خلال آلية الانتخاب الطبيعي، العمود الفقري للتطوّر.

2/ الانتخاب الطبيعي

حتى نفهم هذه الآلية يجب أن نأخذ المثال الشهير عن الفراشات البيضاء والسوداء.

في فترة ما، كان هناك فراشات بيضاء تعيش على أشجار قريبة من مصنع فحم لم يفتتح بعد، كانت هذه الفراشات من خلال لونها الأبيض يتم تمويهها على الأشجار القريبة من لونها أيضًا، فلا تراها المفترسات ولا تأكلها. لكن مع افتتاح هذا المصنع بدأت هذه الأشجار تصطبغ باللون الأسود، فأصبحت الفراشات البيضاء تُرى بسهولة من قبل المفترسات وأصبحت في طريقها إلى الزوال.

لكن ليسَ بهذه السرعة حتمًا، فهنا تحديدًا تنشأ الطفرات!

نشأت إحدى الطفرات – تحت تأثير الظروف البيئية – فجعلت لون الفراشات الأسود بدلًا من اللون الأبيض، وعادت قدرة بعضها على التمويه مع الأشجار السوداء المغطاة بغبار المصنع. والآن يمكننا أن نفهم ما هي آلية الانتخاب الطبيعي.

بعد نشوء هذه الطفرة سيكون هناك نوعان من الفراشات، فراشات بيضاء سهلة الرؤية سيتم أكلها من قبل الطيور، وفراشات سوداء طافرة متطورة قادرة على التمويه وستنجو بنفسها. آلية الانتخاب الطبيعي هي آلية تؤيد البقاء دائمًا للكائن الأصلح، الكائن القادر على التكيف مع الظروف الجديدة والهروب من المفترسات، وبالتالي في مثالنا هنا عن الفراشات، بعد فترة سنلاحظ زوال كامل للفراشات البيضاء في حين سيادة للفراشات السوداء المتكيفة مع الظروف الجديدة!

آلية الانتخاب الطبيعي، هي الآلية التي تقول أنّ الكائن الذي لا يبدل صفاته وفقًا للمتغيرات الجديدة سوف يتعرض للزوال ولن يتم انتخابه كونه قد تخلّف عما استجد من الظروف!

إذن، ما الشيء الذي يفسر تحول الفراشة من لون إلى لون آخر؟ ما تفسير تغيير صفة اللون بها؟

هذا ما يعرف بالتطوّر الأصغري Microevolution، أي بقاء نفس نوع الكائن ضمن مكان ما، لكن مع تطور صفاته وخصائصه.

ما الآلية التي تفسر انقراض الفراشات التي لم تتغير، وبقاء الفراشات التي تغيرت وتطورت؟

آلية الانتخاب الطبيعي، قانون البقاء للأصلح، العمود الفقري للتطور.

3/ توريث الصفات

الخطوة الأخيرة في تطور الكائن بعد حدوث الطفرة وانتقاءها بواسطة الانتخاب الطبيعي، هي توريث الصفات الجديدة للأبناء كونها صفات جيدة ساهمت في نجاة الكائن الحي من المفترسات.


إذن، الطفرة والانتخاب الطبيعي وتوريث الصفات الجديدة للأبناء هي التي تؤدي لاختلاف وتباين الكائن نفسه فيما يعرف بالتطور الأصغري، أي بقاء نفس نوع الكائن مع تغير في صفاته. لكن ما الذي يجعل الكائن يختلف كليًا؟ كيف يتحول الكائن من نوع إلى نوع آخر؟

الأمر يمكن تلخيصه بمعادلة بسيطة:

التطور الأكبري Macroevolution = التطور الأصغري x الزمن.

التطور الأكبري – المتداول اختصارًا بالتطور – عبارة عن تراكم صفات كثيرة خلال فترة كبيرة من الزمن، عندها سنجد أن الكائن تلقائيًا قد بدأ يتحول من نمط إلى نمط آخر، ويؤكد ذلك وجود حلقات وسيطة وأحافير لكائنات تقع بين نوعين مختلفين من الكائنات.

ففي مثال الفراشات، لو أعطينا هذه الفراشات زمنًا كبيرًا، للاحظنا تطور في عيونها ليناسب البيئة، ومن ثم الأجنحة، ومن ثم قدرتها على التنفس ربما تحت الماء، وهكذا حتى لا يبقَ فيها أي شيء يدل على أنها كانت فراشة!

فالتطور يعمل على مستويين، مستوى النوع نفسه بتبديل الصفات لتصلح مع المحيط، ومستوى آخر يضاف فيه زمن طويل فتتراكم الصفات والطفرات فينشأ كائن من نوع آخر، بعد أن يمر على عدّة حلقات مفصليّة من الكائنات الوسيطة.

التيكتاليك، حلقة وسيطة تقع بين السمكة والحيوان البري.

وكل هذا يتم تحت آلية الانتقاء الطبيعي التي تؤيد الصفة الجيدة، وتستبعد الصفة السيئة. فتكون الكائنات الحية ما هي الا حلقات مرتبطة ببعضها البعض ضمن سلسلة وشجرة كبيرة تعرف باسم شجرة الحياة، وهذا ما يؤكده العلماء بالقول أنّ 97% من الأصناف التي وجدت على الأرض قد انقرضت وحل مكانها أحفاد آخرين أكثر تطورًا وتلائمًا مع البيئة الجديدة.

وبالتالي يكون الانتخاب الطبيعي هو الآلية التي تساهم في إبقاء الصفات الجيدة واستبعاد السيئة، أما التطور فهو الإطار العام الذي يجمع مختلف الكائنات تحت مظلة واحدة، مظلة أتى بها دارون لكي تفسر كيفية تنوع أشكال الحياة على سطح كوكب الأرض، دون أن تعنى بمن أين تأتي هذه الكائنات أو كيف بدأت الحياة.

10

شاركنا رأيك حول "اشرحها وكأني في الخامسة: الحلقة الأولى – ما هو التطور وكيف يعمل؟"