أشهرُ النظريات وراء العواطف والانفعالات… السر المكنون

نظريات العواطف والانفعالات
4

يمكن للعواطف بسلطتها المهينة أن تسيطر على السلوك البشري بشكلٍ لا يصدق. قد تؤدي العواطف القوية إلى اتخاذ مواقف لا تؤيد فعلها دائمًا، أو تجنب أحداث وأماكن تستمتع بوجودك فيها غالبًا. لكن السؤال الذي يبقى الآن لماذا نمتلك هذه العواطف بالضبط؟ وما الذي يسبب لنا هذه المشاعر؟ للإجابة على هذه الأسئلة اقترح الباحثون والفلاسفة وعلماء النفس نظريات مختلفة وتفسيرات عدّة تشرح لنا كيف تحدث هذه العواطف البشرية، وما هي المسببات التي تقف خلفها.

دعنا أولًا نُعرّف ما هي العاطفة؟

غالبًا ما يتمّ تعريف العاطفة في علم النفس بأنَّها حالةٌ معقدةٌ من الشعور الذي يؤدي إلى تغييرات جسدية ونفسية تؤثّر على الفكر والسلوك.

ترتبط العاطفية بمجموعة من الظواهر النفسية، بما في ذلك تحديد الطباع والشخصيات والمزاج والمحفزات، فوفقًا للبروفسور David G. Myers، فإنَّ المشاعرَ الإنسانية تتضمن “الإثارة الفسيولوجية والسلوكيات التعبيرية والخبرات الواعية”.

تقسيمات نظريات العاطفة:

يمكن تصنيف النظريات الرئيسية إلى ثلاث فئات رئيسية:

  • فسيولوجية: تشير إلى أنَّ الاستجابات داخل الجسم هي المسؤولة عن العواطف.
  • عصبية: تقترح النظريات العصبية أنَّ النشاط داخل الدماغ هو الذي يؤدي إلى استجابات عاطفية.
  • معرفية: تجادل النظريات المعرفية بأنَّ الأفكار والأنشطة العقلية الأُخرى يلعبان دورًا أساسيًا في تكوين العواطف.

في هذا المقال نستعرض أهم 6 نظريات حاولت أن تجيب على الأسئلة الواردة أعلاه.

نظرية تطوّر العواطف:

كان عالم الطبيعة المشهور “تشارلز داروين” هو أول من اقترح أن تكون العواطف قد تطوّرت؛ لأنَّها كانت تكيفيةً، وهي من سمحت للإنسان والحيوان بالبقاء والتكاثر.

تؤدي مشاعر الحب والحنان بالناس إلى البحث عن أقران لهم ومن ثم التكاثر، وعلى الجانب الآخر تجبرهم مشاعر الخوف، إمَّا على القتال أو الهروب من مصدر الخطر.

ووفقًا لهذه النظرية فإنَّ عواطفنا وُجدت لتحفز الناس على الاستجابة بسرعة للمؤثرات الموجودة في البيئة الخارجية، مما يساعد على تحسين فرص النجاح والبقاء.

نظريةُ جيمس – لانج:

نظريةُ جيمس – لانج هي واحدةٌ من أفضل الأمثلة المعروفة لنظرية الفسيولوجية للعاطفة. أتت تسميتها من اسمي مخترعيها وهم: العالم النفسي الأميركي “ويليام جيمس”، والعالم بعلم الوظائف الدنمركي “كارل لانج”.

قدّمت هذه النظرية تفسيرًا أنَّ العواطفَ تحدث نتيجةً للتفاعلات العضوية مع الأحداث. على سبيل المثال، لنفترض أنَّك تمشي في الغابة ثم وقعت عيناك على دب عملاق يحاول تتبعك ستبدأ في الارتعاش، وتبدأ نبضات قلبك في التسارع. كلّ ما سبق ممزوج بالعرق الذي سيتصببه جسدك عبارة عن تفاعلات جسمانية وعضوية، تقترح نظرية جيمس – لانج أنَّك سوف تفسر ردود فعلك الجسدية، وتستخلص أنَّك خائفٌ “أنا أرتجف. لذلك، أنا خائفٌ”.

اذًا تأتي الانفعالات أولًا ثم الشعور ثانيًا وليس العكس. مثال آخر لتوضيح: تعابير وجهك بدأت في التموج ثم تكرمشت عينيك وأطلقت ضحكات قوية من القلب، الآن سوف يفهم جسدك أنَّك سعيدٌ لأنَّك ضحكت، مما يعني أنَّ الضحك هو سبب السعادة وليست السعادة هي من سببت الضحك. أتمنى أن يكون المعنى واضحًا الآن حتى لو بدا غير صحيح تمامًا؛ لأنَّ هذا ما سنوضحه تباعًا في النظريات القادمة.

نظرية كانون – بارد:

يختلف عالم النفس الأمريكي “والتر كانون” مع نظرية “جيمس لانج” للعاطفة والانفعال من عدّة أوجه. أولًا، لاحظ “والتر” أنَّه يمكن للإنسان تجربة تفاعلات فسيولوجية وعضوية مرتبطة ببعض العواطف دون الشعور بتلك المشاعر ذاتها. على سبيل المثال، جميعنا يعلم أنَّ تسارع القلب والتعرق الزائد يصاحب حالات الخوف، ولكن قد يحدث هذا أيضًا عندما نمارس التمارين الرياضية مثلًا، مما يفند الادعاء القائل أنَّ أعراض معينة (مثل التعرق وتسارع نبضات القلب) تجعل العقل يستجيب لشعور معين كالخوف في حالتنا هذه.

قدّم “كانون” نظريته لأول مرة في عشرينيات القرن الماضي، وتمّ توسيع أعماله فيما بعد بواسطة العالم “فيليب بارد” خلال ثلاثينيات القرن العشرين.

باختصار ووفقًا لنظرية كانون – بارد للعاطفة، فأنّنا نشعر بالعواطف ونشعر بالتفاعلات الجسدية مثل التعرق، والارتعاش، وتوتر العضلات في وقت واحد.

مثلًا عندما ستجيب أدمغتنا لمؤثر خارجي فإنّها سترسل الاستجابات التي تسبب ردود الفعل الجسدية والعاطفية، مثلًا في حاله الخوف فإنّنا نشعر بالارتعاش يسرى في أجسادنا والخوف يتغلغل إلى قلوبنا في نفس الوقت، ولا يعتبر أحدهما نتيجةً أو سببًا للآخر.

نظرية شاشتر – سنجر:

تُعرف نظرية Schachter-Singer أيضًا بنظرية العواطف الثنائية للعواطف، وهي مثال على النظرية المعرفية للعاطفة. تقترح هذه النظرية أنَّ الاستثارة الفسيولوجية تحدث أولًا، ومن ثم يجب على الفرد تحديد سبب هذه الإثارة لتجربتها وتصنيفها على أنَّها عاطفةٌ. يؤدي الحافز إلى استجابة فسيولوجية، ثم يتمّ تفسيرها وتوصيفها على نحو معرفي مما يؤدي إلى انفعال.

تعتمد هذه النظرية على نظرية جيمس – لانج السابقة من جهة أنَّ الناس يستنتجون العواطف بناءً على الاستجابات الفسيولوجية. العامل الحاسم هو الوضع والتفسير المعرفي الذي يستخدمه الناس لتسمية تلك العاطفة.

وعلى نظرية كانون – بارد التي توضح أنَّ الاستجابات الفسيولوجية المماثلة يمكن أن تنتج عواطف متفاوتة. مثلًا إذا صادفت شعور بالحماس الزائد في مسابقة ما، فستعرف أنَّ ما يصاحب هذا الانفعال الجسدي هو شعورك بالقلق، وإذا واجهت نفس الردود الجسدية في تاريخ آخر مهم لك، فيمكنك تفسير تلك الإجابات على أنَّها حب أو عاطفة، والاختلاف في الحالتين ما يسمى بالعنونة المعرفية.

نظرية التقييم المعرفي:

تشير هذه النظرية أنَّه يجب أولًا أن يحدث التفكير قبل أن تختبر أيّ شعور أو رد فعل فسيولوجي. تعود هذه النظرية للعالم “ريتشارد لازاروس”، والذي كان رائدًا في هذا المجال، وغالبا ما يشار إلى هذه النظرية باسم “نظرية لازاروس”.

ووفقًا لهذه النظرية، فإنّ تسلسل الأحداث ينطوي أولًا على حافز خارجي، يتبعه فكر يؤدي إلى تجربة متزامنة لاستجابة فسيولوجية (جسدية) مع عاطفة. على سبيل المثال، إذا واجهت دبًا في الغابة، فقد تبدأ على الفور في التفكير أنَّك في خطر كبير، ومن ثم يؤدي ذلك التفكير إلى تجربة الإحساس بالخوف ورد الفعل الفيزيائي المرتبط بالهروب.

نظرية انعكاسات تعابير الوجه:

تشير نظرية انعكاسات الوجه إلى أنَّ تعبيرات الوجه ترتبط بالعواطف، حيثُ أشارَ كلّ من “تشارلز داروين” و”وليام جيمس” في وقت مبكر إلى أنَّ الاستجابات الفسيولوجية في كثير من الأحيان كان لها تأثير مباشر على العاطفة، وليس مجرد كونها نتيجة للعواطف. يشير أنصار هذه النظرية إلى أنَّ العواطف مرتبطة بشكلٍ مباشر بالتغيرات في عضلات الوجه. على سبيل المثال، يوجد مجموعة من الأشخاص يعملون في وظيفة اجتماعية، وملزمين بأن يبقوا الابتسامة معلقةً على شفاههم طوال ساعات الدوام في هذا الحال، فهم قد قضوا وقت أفضل وأكثر سعادةً أكثر مما لو كانوا قد عبسوا أو أبقوا تعبيرات وجوههم أكثر حياديةً.

أخيرًا… مهما اختلفت التفسيرات والنظريات فأنَّ لكتلة المشاعر التي تسكن أنفاسنا وخلجات قلوبنا حكمة نافذة خافية تسير الدروب، وتحفظنا من الخطوب.

4

شاركنا رأيك حول "أشهرُ النظريات وراء العواطف والانفعالات… السر المكنون"