كي يبقى صبرنا فضيلة: متى يكون التسامح قوة ومتى يصبح نقطة ضعف تُنتَهك فيه حدودنا؟

فرح قدور
فرح قدور

6 د

يمكن أن يكون التسامح قوةً أو ضعفًا اعتمادًا على سياق الموقف، والتسامح هو السماح للناس بالتصرف دون أي اعتراض أو نقد أو حتى عقاب، والدرجة التي نسمح بها للآخرين بفعل شيء ما دون اتخاذ أي إجراء مقابل له.

أولئك الذين يمارسون التسامح يحتفلون بصفاته الخفية والمثالية، فممارسة التسامح نوع من الذكاء والقوة في بعض الأحيان. قبل كل شيء، يظهر التسامح عجائب المرونة داخلنا.

قد تعتقد أن كونك صلبًا هو أفضل سلوك لمواجهة الحياة. لكن كان هناك الكثير من الدلائل على أن المرونة في الحياة والقدرة على التسامح هي جوهر القوة.

التسامح

من المُسلَّم به عمومًا أن الإنسانية تفتقر إلى التسامح، أو ببساطة تفتقر إلى موقف الناس المحترمين والخير والمتسامحين تجاه بعضهم البعض. هناك الكثير من المشاكل التي قد تحدث نتيجة هذا العجز. قد يبدو الأمر بسيطًا جدًا؛ كمقولة “عش ودع الآخرين يعيشون”، أي اخلق أسلوب حياتك الخاص، واعتقد بما يحلو لك، وعبر عن نظرتك للعالم بشكلٍ خاص وعلني، واعترف بحق الآخرين في نفس الشيء، وسيكون كل شيء على ما يرام. لكن لسببٍ ما لا يعمل هذا الأسلوب في كل المواقف. من الواضح أن مشكلة التسامح وعدم التسامح تؤثر على مستوى عميق من العقل الباطن، وغالبًا ما لا تعمل أي حجج منطقية للعقل.

ذو صلة

متى يكون التسامح نقطة ضعف؟


يمكن أن يكون التسامح مشكلة، اعتمادًا على كيفية تطبيقه. إذا كنت تتسامح مع السلوك السيئ، فهذا يعني أنك تسمح به حيث لا يجب عليك.

لنفترض الآن، أن هناك متنمر في المكتب أو مدير يزعجك ويسبب لك الإساءة باستمرار، أو شخص يسيء لصورتك في المجتمع من خلال خلق ونشر وتكرار والمبالغة في أكاذيب عنك، أو سلوك شخص ما مقزز معك، فلديك كل الحق في عدم التسامح مع مثل هذه السلوكيات السامة، والتحدث بحزم، والوقوف، والاعتراض، لوضح حد للسلوك المسيء. إذا لم تكن كذلك، فهذا بالتأكيد ضعف.

ومن الناحية المجازية، يُعتبر التسامح زهرة هشة في الثقافة السياسية للمجتمع الحديث. إن المفهوم الغربي للتسامح هو نتيجةً لتطور طويل للفكر الاجتماعي والسياسي وصعوبة استيعابها من قِبل الوعي العام. التسامح ممكن فقط في مجتمع لم تعد فيه أشكال صارخة من الظلم والفقر، نتيجةً للتطور الاجتماعي والسياسي. لكن العكس صحيح أيضًا: بدون التسامح، المعترف به كقيمة في الوعي العام، من الصعب بناء مجتمع متحضر. لكن يمكنك دائمًا العثور على العديد من الأسباب “لتضييق الخناق”، وتقييد أي حريات باسم “ترتيب الأشياء وتنظيمها” للابتعاد عن الضعف والاستسلام الذي يمكن أن يودي إلى الأسوأ. لأنه من الجيد أن تحترم الآخرين، إلى حدٍ ما. لكن تسامحك يجب أن يكون له حدود. يجب أن يكون لديك معايير لما تريد أو لا تتسامح معه.


كيف أصبح متسامحًا؟

هناك قاعدة ذهبية للأخلاق معروفة منذ العصور القديمة: “لا تفعل للآخرين ما لا تحب أن يفعلونه لك”. إذا فكرت في كل عواقب التطبيق العملي لهذه القاعدة، فمن السهل أن ترى أنها إلى حدٍ كبير أساس كل التشريعات الحديثة، والتي بالطبع لا تغطي العلاقات الشخصية فقط. هذه القاعدة تعني أيضًا الحاجة إلى موقف متسامح تجاه الآخرين، تجاه تنوع الثقافات والأديان والجنسيات. “إذا كنت لا تريد أن يغسلوا دماغك، فلا تفعل ذلك بالآخرين”، “إذا كنت لا تريد أن تُقمع أفكارك، فلا تقم بإسكات الآخرين”، “إذا كنت لا تريد أن تُضطهد بسبب إيمانك، لا تحاول إبعاد الآخرين عن معتقداتهم”، إلخ.

لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما ننتقل من العلاقات بين الأشخاص إلى العلاقات بين الهياكل غير الشخصية للمنظمات الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكذلك علاقتها مع الإنسان بشخصه. في هذه الحالة، من السهل جدًا على الشخص أن يضحي بأي مجموعة، أو أحزاب سياسية، إلخ.


ما هو التسامح في الواقع؟


التسامح هو تقبل الاختلاف والاحترام والفهم الصحيح للتنوع الغني للثقافات في هذا العالم، والأشكال المختلفة للتعبير عن الذات. يُعزّز بالمعرفة والانفتاح والتواصل وحرية الفكر والضمير والمعتقد. التسامح هو الحرية في التنوع. هذا ليس واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل هو أيضًا حاجة سياسية وقانونية. فالتسامح فضيلة تجعل من الممكن تحقيق السلام وتعزز استبدال ثقافة الحرب بثقافة السلام، وهذا كل ما نحتاجه في وقتنا الحالي.

يعتمد التسامح على سمات شخصيتنا، أو عدوانيتنا، أو سلبيتنا، أو حسمنا. لن يتسامح الأشخاص العدوانيون، وسيعاني الأشخاص السلبيون من الصمت والاستيعاب، لكن الأشخاص الحازمين سيرون ذلك في الضوء الصحيح ويتصرفون بشكلٍ مناسب ونضج.

يستخدم مصطلح “التسامح” كثيرًا أيضًا فيما يتعلق بالتنوع. التسامح مع آراء الآخرين، ومعتقداتهم، وخياراتهم، وما إلى ذلك، هنا يمكن أن يأتي السلوك والآراء السيئة.

من ناحيةٍ أخرى، فإن مجرد التسامح مع الآخرين الذين لديهم اختلافات يُعتبر غير كافٍ هذه الأيام. التسامح أفضل من عدم التسامح مع أشخاص مختلفين عنك. لكن يُنظر إلى التسامح هنا على أنه سلبي أو يقوم بالحد الأدنى. في المقابل يُنظر إلى المشاركة بنشاط في التنوع ودعمه على أنه أقوى. يمكن أن يكون التسامح مصدرًا كبيرًا للقوة والروحانية، أو عذرًا لعجزنا ونقصنا وضعفنا.

اقرأ أيضًا: ما عليك أن تعرفه عن الحياة بعد الأربعين: تهيّأ فحياتك السابقة مجرد أبحاث الآن بدأت الرحلة الفعلية


ما الذي يعود به التسامح على مجتمعاتنا؟

  • قد تتعلم شيئًا جديدًا.
  • سوف تتمتع بسلام داخلي أكبر.
  • أن تتجنب المشاكل، لأنك لا تنتقد أو تهاجم الآخرين.
  • أن تتحلى بالصبر والاحترام، وهي فضائل تجعلنا أناسًا أفضل.
  • إن موقفك الإيجابي والترحيبي سيجعلك شخصًا لطيفًا وسهلًا.
  • زيادة ثقافتك عن العالم من خلال تعلم طرق مختلفة في التفكير.
  • تصبح قدوة للآخرين، في عالم حيث من الضروري تحسين علاقاتنا مع الآخرين.
  • قد تقابل شخصًا كنت تعتقد في البداية أنك قد لا تحبه، وينتهي بك الأمر أن تكون صديقًا له.
  • تعلُّم التعبير عن أفكارك بشكلٍ أفضل، من خلال شرحها لشخص لا يفكر دائمًا بالطريقة التي تفكر بها.
  • سوف تكون أكثر صحة! لقد ثبت أن الموقف الإيجابي والهادئ يساعدك على التمتع بصحةٍ أفضل بكثير.

إذًا، هل يمكننا الحكم على التسامح بأنه ضعف؟


التسامح ليس ضعف. هذا لا يعني “الاستسلام”. التسامح سمة من سمات القوة. إنه يعني رغبة عميقة في إحداث فرق بالطريقة الصحيحة.

يمكن أن يكون للقدرة على قبول اختلافات بعضنا البعض تأثير إيجابي على رفاهية المرء. كونك متسامحًا يزيل الحواجز التي يفرضها المرء على نفسه ويسمح له بالتفكير على نطاقٍ أوسع والتمتع بسلام داخلي أكبر. يؤدي التسامح إلى تقليل التوتر وزيادة السعادة في المجتمع ككل.

وعلى العكس، الأشخاص الحقودين الذين يبتعدون عن التسامح هم ضعفاء، ولديهم عقول صغيرة غير منضبطة، وسيئة التفكير، ويحملون الكثير من الصراع الداخلي ويخطئون في كونهم عدوانيين لكونهم حازمين، فهم باستمرار “في حالة حرب” مع أنفسهم والآخرين. ولديهم انعدام الأمان وأوجه قصور لم يجرِ حلها.

التسامح قوة ومرونة، يمكنها الرقص حول العقبات وتمهيد الممرات الوعرة. يمكن للتسامح أن ينزع سلاحًا بمفاجأة ويثير الإعجاب بشجاعة. إنه يُصر على أنه مناسب وله قيمة وتأثير فعالين في كل المواقف. فهو يناصر المظلومين ويعطي فرصة جديدة للمسيئين ليسلكوا الطريق الصحيح.

تذكَّر أن التسامح قضية ذاتية وتعتمد على قدرتنا الفردية على التحلي بالصبر، حتى يُنتَهك الحد الذي يتوقف عنده صبرنا عن كونه فضيلة!

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات