بابا ياجا: قصة الساحرة خاطفة الأطفال من الأدب الشعبي الروسي الغني

بابا ياجا - الأدب الشعبي الروسي
0

من المعروف أن لكل بلد ثقافتها وحكاياها المميزة التي قد تتفق في شكلها العام مع غيرها من حكايات البلدان الأخرى، فنجد مثلاً أن قصة (سندريلا) موجودة في الكثير من الدول ولكن بتفاصيل مختلفة لكن خطوطها العريضة واحدة. أيضاً قصة مثل (ليلى والذئب) حيث تخطو الضحية بكامل أرادتها إلى منزل الوحش صيغة تكررت في مئات القصص والأفلام ولكنها مستمدة في الأساس من الأدب الشعبي لكل بلد. الاختلاف يأتي فقط من اختلاف ثقافة البلد وطبيعته وحتى مناخه، وربما الأدب الشعبي الروسي مثال ممتاز على ذلك.

الحكايا في الأدب الشعبي

الحكاية الشعبية هي عمل أدبي يعتمد على النقل الشفهي من جيل إلى جيل، وعليه من المتوقع أن تختلف بعض التفاصيل وتطرأ بعض التغييرات على هذا النوع من الحكايات نتيجةً لهذا النقل الدائم، فتكون الاختلافات غالباً بسبب الراوي الذي يختلف من جيل إلى جيل وكذلك الزمن الذي تُروى فيه الحكاية. والصفة الأهم في الحكايا الشعبية هى أنها بلا مؤلف عادةً، فلا أحد يعرف مصدرها الحقيقي سوى أنها موجودة منذ القدم.

الأخوان (جريم) والأدب الشعبي الألماني

الأخوان جريم نجما الأدب الشعبي الألماني

هما (جايكوب) و (فيلهلم) أخَوان مما نعرفه اليوم بأنه ألمانيا، كانا أكادميين ولغويين وباحثين ثقافيين وكاتبين، وقاما معاً بجمع القصص الشعبية الألمانية وتخريجها في كتاب واحد خلال القرن التاسع عشر، حيث شاعت قصصهم بين الناس بكثرة حتى وقتنا هذا مثل قصة سندريلا، والأمير الضفدع، وهانسل وجريتل، وبياض الثلج والأقزام السبعة، وذات الرداء الأحمر، وروبنزل والشطر الأكبر من ما نعرفه اليوم بأنه “قصص ديزني“.

البعض كان يعتقد مخطئاً أن هذه القصص من تأليفهما، لكن الحقيقة أنهما قاما بتجميعها على امتداد نحو 40 سنة واشتهر كتابهم حول العالم كله باسم قصص الأخوَين جريم وتم ترجمته إلى أكثر من 100 لغة. وتم تحويل قصص الكتاب إلى العديد من الأعمال السينمائية ولعل أهم من اقتبس قصصهم هو (والت ديزني) الذي منح شخصيات هذه القصص الشكل الذي انطبع في وجدان الجميع حتى هذه اللحظة لدرجة أن القصص اليوم تُنسب لديزني أكثر مما تُنسب لمصدرها في “الغابة السوداء”.

الكاتب الروسي (ألكساندر أفاناسييف)

ربما هو المعادل الروسي لنفس الدور الذي قام به الأخوان جريم لكن في الأدب الشعبي الروسي. يعد ألكساندر أفاناسييف أهم الكتّاب الروس الذين اهتموا بجمع قصص التراث الشعبي الروسي نظراً لقناعاته بما تعكسه تلك الحكايا عن واقع الحياة عندهم وتعطي ما هو أكثر من لمحة عن معتقداتهم وقيمهم الأخلاقية.

يعد أفاناسييف حتى الأن أحد أهم مصادر التاريخ الشعبي والفلكلور الروسي، حتى أن بعض المراجع أطلقت عليه (جريم الروسي). نٌشرت النسخة الأولى من كتابه “الحكايات الشعبية الروسية” ما بين سنتي 1855 و1863. وكما أشرت في بداية المقال إلى تشابه الحكايا الشعبية بين البلاد إلا أن الحكايا الشعبية الروسية تتميز بسمات بلادها من صقيع وغابات وبروده وأنهار متجمدة. كما تبرز فيها سمات الريف وأهل القرية كون المجتمع الروسي كان أكثر قروية من نظرائه الأوروبيين حتى وقت قريب.

كأغلب الحكايا الشعبية تنتهي الحكايات الروسية عادةً باكتساب حكمة، أو في حالة المغامرات بالعودة إلى الديار والنهاية السعيدة، كما يجب أن تنتهي قصص الحب بزواج أو حفلات زفاف. الحكايا الشعبية عموماً دائماً ترسخ مبدأ الثواب والعقاب وانتصار الخير على الشر وهذا ما يجعلها دائماً صالحةً للأطفال في كل زمان ومكان.

(بابا ياجا) أشهر منتجات الأدب الشعبي الروسي

صدرت مجموعة الحكايا الروسية مترجمة في معرض القاهرة للكتاب هذا العام. وتضم المجموعة 26 قصة من الأدب الشعبي الروسي. أغلب القصص أعطتني انطباع حكايات ألف ليلة وليلة حيث تتحقق النبوءات وتتحدث الجمادات والحيوانات وينقلب السحر على الساحر!

(بابا ياجا) إحدى قصص المجموعة، قصة لطيفة تُروى عن فتاة ذكرتني بـ (سندريلا) وإن لم يُذكر اسمها في العمل. تموت والدتها ويقرر والدها الزواج من أخرى التى تغار من الفتاة فتقرر إرسالها إلى (بابا ياجا) وهي شخصية الساحرة العجوز في القصص الأخرى، لكن هنا يعمل عقل الفتاة وتذهب إلى خالتها لتطلب منها المساعدة.

تساعدها الخالة بطريقة خيالية فتعطيها منديلاً به بعض الزيت وقطع اللحم وتطلب منها الذهاب بالفعل إلى منزل (بابا ياجا) وفي طريقها ستقابل قطيعاً من الكلاب عليها أن تطعمه من اللحم وستجد بوابة حديدية صدئه ستدهنها بالزيت، تنفذ الفتاة الكلام وتصل إلى البيت القائم على أرجل دجاجة عملاقة! لتقابل الساحرة التي تعزم على التهامها لكن الفتاة تعطي المنديل الحريري للخادمة وباقي قطع اللحم للقط الجائع الموجود داخل المنزل فيساعدونها على الهرب. وتنتهي القصة بوصول الفتاة سالمة إلى أبيها وطرد الزوجة الشريرة وموت الساحرة (بابا ياجا).

في القصة كل الموجودات تتحدث وأنا أرى هذا نقطة إيجابية في قصص الأطفال حيث يساعد هذا الأمر في إنعاش الخيال وترسيخ احترام كل ما يحيط بهم من أشياء. وفي القصة تفكر الفتاة وتواجه مخاوفها وتنجح في التغلب عليها وتنتهي كالمعتاد بتحقيق قيمة العدالة وانتصار الخير.

كما العديد من القصص التقليدية، ربما باتت هذه القصة مخيفة نوعاً ما لأطفال اليوم (أو أنها أصبحت تُعتبر كذلك على الأقل). لكن ربما بعض الخوف ليس أمراً سيئاً بالضرورة مقابل الدروس الأخلاقية التي تقدمها العديد من القصص الموجهة للأطفال، حيث من يفعل الخير ويتصرف بحكمة يلقى ما يريده.

0

شاركنا رأيك حول "بابا ياجا: قصة الساحرة خاطفة الأطفال من الأدب الشعبي الروسي الغني"

أضف تعليقًا