الضوء الأزرق
5

وُلد حسين البرغوثي في قرية كوبَر شمال غرب مدينة رام الله سنة 1954م وتوفي في مسقط رأسه إثر صراعه مع مرض السرطان سنة 2002م، ويُعتبر كتاب الضوء الأزرق -الصادر سنة 2001م عن بيت الشِّعر الفلسطينيّ ومؤسسة بيت المقدِس للدراسات والنّشر- من أبرز وأهم مؤلفاته، حيث يتحدث فيه عن فلسفة الإنسان من منظوره الخاص، وعَبّر عنه محمود درويش بقوله:

“لقد تحقّقت شَاعريّة حسين البرغوثي الحقيقية في ‘الضوء الأزرق’ كما لم تتحقق في محاولاته الشّعرية. إنه نص لا يُصنف في جنس أدبي واحد، وهو ليس سيرة ذاتية، بالمعنى المتعارف عليه. ولا هو رواية… فهو خليط غريب من البوح الشّخصي والتّأمُّلات الذهنية”.

كتاب الضوء الأزرق للشاعر حسين البرغوثي

حسين البرغوثي - الضوء الأزرق - كتاب
الشاعر “حسين البرغوثي” صاحب كتاب “الضوء الأزرق”.

في البداية، يعد “حسين البرغوثي” هو شاعر ومفكر فلسطيني، درس العلوم السياسية والاقتصادية في جامعة بودابَست وحصل على البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة بيرزيت سنة 1983م، ثم نال درجتيْ الماجستير والدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة واشنطن في سياتل بين 1985-1992م. صدرت له عدة أعمال أدبية موزعة بين الشعر والرواية والسيرة والنقد، إضافة إلى كتابة المسرحيات والسيناريوهات والأغاني.

الضوء الأزرق – أمّا قبل

غلاف كتاب الضوء الازرق للشاعر حسين البرغوثي - فلسفة الإنسان
فلسفة الإنسان – غلاف كتاب الضوء الازرق للشاعر حسين البرغوثي

يُولد الإنسان وتُولد معه أو قبله مُسلّمات تشكل له هويته التي لا فِكاك منها، فأفضل لاعب كرة قد تم تحديده وألذّ طبخة أمر مفروغ منه وأجمل لباسٍ يجعله يبدو أنيقاً قد تم اختياره أيضاً وهلمّ جراً من لغة تَحكُم لسانه وأفكارٍ تَحكُم عقله، حتى طريقة شعوره نحو ما يحدث حوله سيتمُّ رسمها له في غضون سنوات قليلة، إلا أن الإنسان أكبر من هذا بكثير إن هو أدرك في لحظة فارقة من العمر بأنه صَنْعةَ الله الذي أتقن كل شيء.

فالمُسلّمات حواجزٌ لا تدع للعقل مجالاً إلا للتراجع والانسحاب من معركة التفكير مهزوماً بإرادته، فمن حق العقل العلويّ أن يسيطر على كل عقلٍ يعتبر نفسه دونيّاً.

“أكبر عائقٍ لتقدم الإنسان هو الإنسان” دونالد روبرت بيري.

الهوية المزيفة

في بلد يُنتج فِصاميّين كما يُنتج ساندويشات حسب وصف حسين، وبالتحديد في مدينة سياتل (seattle)، اكتشف حسين اللاجدوى من الهوية التي كان يحيا بها واللاانتماء وسط مُشرّدين ولوطيين ومجانين وعديمِي شخصيات حيث تكون الخرائط البشرية أشدّ وضوحاً وأبعد عن الغموض والزَّيف، فبدأت تطرأ عليه سلسلة من الأسئلة الوجودية حول العقل والذهن، القلب والروح وبعض التجريدات كالجمال والتفكير والشعور والانتماء.

كان أول درسٍ تعلمه بعد أشهر من العزلة والمشي وحيداً بين أحضان الأشجار والإدمان على التفكير، بأن المشكلة لا تكمن أبداً في الأمور التي يفكر فيها بل في الطريقة التي يفكر بها والزاوية التي ينظر منها نحو الأشياء وهنا أدرك بأن عليه أن يعيد تصميم ذهنه بنفسه، وإلا تكفّل أحدهم بفعل ذلك بطريقة غير مرغوبة (فكرة أن يتكفّل أحدهم بتصميم ذهنك غير مرغوبة أصلاً).

يبدأ حسين البرغوثي في كتاب “الضوء الأزرق” في إعادة تشكيل ما يسميه فرويد بـ الأنا انطلاقاً من طفولته بما تحمله من مخاوف وميولات وكوابيس نوم وأحلام يقظة، وكان انجذابه القديم نحو اللون الأزرق هو حَجَرُ الأساس في تلك العملية كما عبر عن ذلك: “عندي، الأزرق لون الغربة، والغيب، وسماء الطفولة”.

بداية اليقظة

حتى يفصل بين حسين الحقيقي وبين ما يدّعيه حسين عن نفسه كان لا بد من غموض ما يوقظ قِواه الكامنة في أعماق روحه، وقد تجسّد هذا الغموض في برّي (صديق له)، هو صوفيّ من تركيا خاض العديد من التجارب التي شكلت معبداً مقدساً له وانتهى به المطاف إلى حياة التشرّد، وكما جاء في نصّ من الضوء الأزرق:

“قال إنه أصلاً من تركيا، ثم صار أمريكياً، قال: أمّا الآن والحمد لله، لستُ أيّ شيء”.

إلا أن نفسه تنضح بالحكمة رغم ذلك، فأخذ على عاتقه مهمة تعليم حسين شيئاً ممّا يفقه عن الحياة، باستخدام سكّين ذهبيّة أو عقله النقيّ كما يحبّ أن يصفه.

في آخر محاولة له للتشبث بهويته القديمة، يقول لبنتٍ لَقيَها: “نحن العربْ، نحس بقلقلةٍ في أغوار هويتنا، فنبحث عنها في ‘جذورنا’ في الإسلام… أو في أبعد من ذلك” فجاءه الرد الحاسم من تلك البنت وقد كانت سوداء البشرة: “مشكلة السُّود مختلفة، إن حاولنا الرجوع إلى ‘بدايتنا’ في أمريكا، نرجع إلى العبودية في مزارع القطن، ولا يمكن بناء هوية أساسها أن أكون عبدةً في نظر نفسي وغيري”… تبين لحسين بأن كل فرد يقاتل أشباحاً خاصة به في هذا العالم حسب تعبيره، وآن الأوان ليقاتل أشباحه الخاصة، المتمثلة في كلمات لا بد أن تجد لها مخرجاً من ذهنه وأخرى تحتاج إلى الولوج إليه.

خُبراء النّهش

“اغتصبوني حتى وصلوا قلبي، يا برّي، وكنت حزيناً إلى حدٍّ لا يُصدّق!

من منّا لم يُغتصب يا حسين! أفواه الناس آبار يا رجل، آبار!”

خُبراء النهش هم الذين يقتاتون على قِوى الناس وطاقاتهم، يقذفون بالكلمات جُزافاً، يُشوّهون بها نفوس البشر كما تشوه ضربة الملاكم كيس الرمل أو يُشكلون الناس حسب هَواهُم كصُنّاع الفخّار، على أمل أن يستعيدوا شيئاً من كينونتهم الضائعة وسط حطامِ آخرين، وقد كان لكلمات سمعها حسين منذ صغره ومن أقرب الناس إليه كـ أهبل، سطل والأطرش… الأثر البالغ على نفسيته وبقيت ملازمةً له تبحث عن كلماتٍ تُخرجها من ذهنه.

السمكة الذهبية

“ميّز الذهن عن محتواهُ يا حسين!”

حتى أنا سمعت تمييزاً كهذا لأول مرة في حياتي وبالتحديد في الضوء الأزرق وليس حسين فقط! مشكلتنا نحن البشر أننا نُحدّد قُدراتنا الذهنية على حسب ما تحتويه أذهاننا أو لنسمّيه الحَشْو الذهنيّ وهذا خطأْ، إن لم يكن ظلماً في حق النفس. فالسّمكة لا تُسمى سمكة إن سبحت في النهر فقط ولم تسبح في البحر، أو سبحت في حوض زجاجي بعينه فقط، لا، فالصفة الأساسية للسمكة أنها تسبح في أي ماء ولا تُدخل إلى جوفها إلا الماء الذي ينفعُها، كذلك الذهن، قدرته تكمن في الخوض في أي فرضيةٍ أو نظرية والغوصَ في أي فكرة من دون السّماح لأيّ واحدةٍ بأن تتحول إلى حشوٍ ذهنيّ.

فنجان الشّاي

“ذهنك يشبه هذا الفنجان، مليء، أُفْرِغُه ممّا فيه، كي أصبّ لك شاياً جديداً”.

يُحكى أن فقيراً هندياً ذهب إلى راهب بحثاً عن التّنوير، فأخذ يروي له ماضيه وذكرياته ومساوئه التي تُنغّص عليه شعوره، وبينما الفقير يتكلم والرّاهب يصب الشّاي في فنجان حتى طفح منه وإذا بالفقير يقطع عليه فَعلته قائلاً: “لماذا تصب الشّاي وقد طفح الفنجان؟” فرد عليه قائلاً: “عقلك يشبه هذا الفنجان، أُفرغه مما فيه لأصبّ لك شاياً جديداً”… هاته القصة كانت كفيلة بتحويل حسين إلى مُنصتْ أكثر منه مُتكلّم، على أمل أن يُفرغ برّي ذهن حسين من “محتواه”، لأنّ مشكلة البرغوثي البارزة أنه كان يحيا داخل رأسه حسب تعبير صديقته سوزان.

الأزرق: في هذا العمل الفنّي الذي جمع بين الرواية والسيرة الذاتية والتأملات، شيء واحد بإمكانه أن يجمع بين كل ما طرأ فيها، هو الأزرق، لون السّماء والبحر، لون الغموض والغربة، هذا الخيط الرقيق الذي جمع بين عناصر الكتاب وحاول حسين أن يَبْلُغه، ولن يَبْلُغه كما أخبره برّي إلا بتجاوز نفسه، عن طريق التفكير الذي وصفه أفلاطون بحوار الرّوح مع نفسها (بأن يخرج من العيش داخل رأسه) أو عن طريق مفاهيم جديدة يفيض بها على نفسه وأن يتجنب البحث عن الدقة لأن “الدقة ليست هي الحقيقة”.

مرحلة الإدراك

“ما تفعله ليس له أهمية تُذكر… ولكن من المهم جداً أن تفعله” مهاتما غاندي.

تعلّم حسين في نهاية المطاف أن يرتدي أكبر قدر ممكن من الأقنعة التي تُخفي حقيقته الداخلية عن أعين الناس فَيقِي نفسه شرّ أيديهم وألسِنتهم، تعلّم أن يعيش في سلام داخليّ بألا يحاول أن يكون الأول في كل شيء، تعلم أن يجلس وسط الدائرة حتى تُتاح لذهنه أكبر زاوية ممكنة ينظر من خلالها إلى الأشياء من حوله من دون اتخاذ أي موقف يقيد به نفسه، يكتفي بالمراقبة، وبالمراقبة فقط.

تعلم أيضاً بأن التأمل خيرُ مُعين له على فهم نفسه وغيره والمحيط من حوله، تعلم أن يُنصت أكثر مما يتكلم ويكتفي بالقليل من الأصدقاء فلا وقت لاُناسٍ كُثُر ولا لمدن كبرى أو شخصيات كبرى، فكلما امتلأت حياة المرء بِبَاعة الزّيف وأشباه البشر، بات أكثر عرضةَ للّصوص… لصوص العقول.

فلسفة الإنسان – ما وراء الصفحة الأخيرة

كتاب الضوء الأزرق - فلسفة الإنسان
فلسفة الإنسان – أعد الضوء الأزرق عارياً نحو بيته.

قلةٌ قليلة من النّاس عبر التاريخ تمكّنت من بلوغ ما كان يرمي إليه “حسين البرغوثي” من فلسفة الإنسان في كتاب “الضوء الأزرق”، خاصة في الفقرة الأخيرة من الكتاب، ذلك الإنسان الربّاني الذي يسع صدره العالم كأمثال: غاندي، جلال الدين الرومي، مارتن لوثر كينغ، وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا اللغة تحُدّ من تفاعلهم مع الناس ولا الحدود الجغرافية تُقيّد حركاتهم ولا العِرق ولا النّسب ينزل بقدراتهم من العالميّة إلى المحليّة، فقد كانوا ربّانيين في علاقتهم بالكون والحياة، هدفهم الأسمى هو تحرير الإنسان من قبضة الإنسان… وقد كان كتاب الضوء الأزرق قادراً على تحريري أنا شخصياً بعد قراءةٍ أولى وثانية وثالثة، ورابعة في الانتظار.

5

شاركنا رأيك حول "من السمكة الذهبية إلى فنجان الشاي: فلسفة الإنسان في كتاب الضوء الأزرق"