تراجيديا الكوميديا بين فلاسفة التاريخ ونزعات الحاضر
0

تعد التراجيديا شكلًا من أشكال العمل الفني الدرامي الذي يهدف إلى تصوير التراجيديا في الأعمال المسرحية أو الأدبية. ويعود أصل الكلمة إلى اليونانية الكلاسيكية، وتعني حرفيًا أغنية الماعز. وذلك نسبة إلى طقوس مسرحية ودينية، وسميت بهذا الاسم لأن العروض المسرحية من نوع التراجيديا دائمًا ما كانت على شكل أغانٍ أو طقوس دينية، وتنتهي بذبح ماعز كرمز للمأساة أو النهاية الحزينة.

أما بالنسبة للكوميديا فهي نوع من أنواع التشخيص الجميل أو التمثيل بتجسيد شخوص معينة في صور وقوالب مرحة، مع صنع المفارقات. وتكون عروضًا مسرحية في الغالب.

تعمل التراجيديا عمومًا على عرض أحداث من الحزن ونتيجة مؤلمة وحزينة في النهاية. ووفقًا لأرسطو أيضًا، فإن هيكل العمل التراجيدي لا ينبغي أن يكون بسيطًا بل ينبغي أن يكون معقدًا وأن يمثل الحوادث التي تثير الخوف والشفقة.

التراجيديا أم الكوميديا

التراجيديا - وجوه ضاحكة وحزينة

يرى العديد من الفلاسفة ونقاد الأدب أن التراجيديا تتفوق على الفلسفة، حيث يُنظر إلى التراجيديا في كثير من الأحيان على أنها تتفوق على الكوميديا. هذا هو الرأي الوارد في الجماليات الفلسفية والنقد الأدبي بين العديد من نقاد الأدب العاديين. تؤخذ التراجيديا على أنها الشكل الأدبي الأعلى أو الأكثر صعوبة، في حين يُحكم على الكوميديا بأنها أقل شأنًا.

تدور التراجيديا حول أحداث حزينة، بينما تدور الكوميديا حول أحداث سعيدة. تهدف الكوميديا إلى تسلية القراء أو الجمهور. لكن التراجيديا -في معظم الحالات- تُعلِّم بعض الدروس المهمة في الحياة، عن طريق إثارة الشعور بالشفقة والرعب. إن التراجيديا أكثر خطورة ومبنية بعناية أكثر من الكوميديا.

غالبًا ما يصف النقاد الكوميديا بأنها هروب من الواقع، أو تسلية خفيفة، أو سخرية سهلة. وعلى النقيض من ذلك، تُعتبر التراجيديا بأنها شيء ذو شأن أعظم. تضعنا التراجيديا الأدبية في مواجهة الحقائق العميقة مع الأخلاق والعالم البشري، بينما توفر لنا الكوميديا رحلة ممتعة. يساعد هذا الرأي على فهم السبب وراء كثرة كتابة الأعمال التراجيدية مقارنةً بالأعمال الكوميدية.

لعبت العروض التراجيدية دورًا تربويًا في المجالات السياسية، والاجتماعية، والأخلاقية. تطورت التراجيديا تطورًا ملحوظًا في النصف الثاني من القرن السادس قبل الميلاد، واستخدمت التراث الملحمي اليوناني بشكل واسع.

أعمال وكتّاب التراجيديا

من أبرز من لعب دورًا في تطوير التراجيديا هو فسبيد، الذي كان أول كاتب تراجيدي أثيني. وعُرض أول عمل له في عام 534 قبل الميلاد، وكان ذلك بمناسبة احتفالات ديونسيوس، ويعتبر هذا التاريخ هو العام الذي ولد فيه المسرح. ثم جاء فرينيكوس تلميذ فيسبيد، الذي كتب تراجيديا (الاستيلاء على ميلاتا) مصورًا الأحداث المعاصرة له، وعلاقته أو موقفه منها.

اقرأ أيضًا: شرحُ الفلسفة لغير الفلاسفة ولمحةٌ موجزةٌ عن كلِّ شيء

ظهر أسخيلوس، بعد ذلك ليضيف أعمالًا تراجيدية أخرى، وقدم بذلك إمكانية لجعل الصراع التراجيدي أقوى وأكثر تماسكًا. وهذا بدوره، صعّد الجانب الفعلي في العرض المسرحي؛ وكان ذلك انقلابًا في المسرح.

تطور التراجيديا

التراجيديا - سوفوكليس

فيما بعد ظهرت تراجيديا جديدة، تختلف عن التراجيديا القديمة، التي ليس فيها إلا القليل من الفعل والمقاطع الغنائية، التي تمتلئ بها المسرحية، ويرددها ممثل واحد مع الجوقة. ففي تراجيديا أسخيلوس الجديدة، تصطدم الشخصيات مع بعضها، وينشأ عن ذلك صراع.

بفضل معاصرة سوفوكليس، أصبح الفعل المسرحي أكثر حيوية. وأبدى اهتمامًا عظيمًا بالتعبير عن الفعل والمعاناة الداخلية للأبطال. حيث زاد من الأجزاء الحوارية، وقلل من الأجزاء الغنائية، إلا أن الجوقة ظلت تحافظ على الدور الأساسي لها في التراجيديا.

الكوميديا والآلهة

يُعتقد أن المأساة اليونانية كانت تنفيذًا للطقوس القديمة على شرف ديونيسوس، وأثرت بشكل كبير على مسرح روما القديمة وعصر النهضة. غالبًا ما كانت المؤامرات المأساوية تعتمد على أساطير من التقاليد الشفوية للملاحم القديمة.

في الكوميديا الإغريقية، في أعياد الآلهة ديونيسوس، آلهة الخصب والخمر، كانت تقام بعض الطقوس دينية لتمجيد وتبجيل الآلهة. في أثناء وقت الحصاد وجني الثمار كانت تُقام المراسم الحزينة، لأن الآلهة ستموت مع الحصاد. وفي أوقات الزرع تكون المراسم سعيدة لأن الآلهة ستعود للحياة مجددًا مع الزرع.

الهيكل التراجيدي

التراجيديا - وجوه يونانية

في التراجيديا اليونانية كان من المتوقع أن يواجه البطل انقلابًا في حياته وتحولًا، كان يحدث ذلك غالبًا بسبب وصوله إلى هدف نبيل وينقلب نتيجة الكبرياء المفرط. في حين أن هذا السقوط قد يؤدي إلى الموت، ويمكن أن يتبعه أيضًا التنفيس، أو التطهير العاطفي الذي يعني الخلاص.

يناقش الفيلسوف أرسطو خصائص الهيكل التراجيدي. ويذكر أن التراجيديا تركز على شخص عظيم يعاني من انقلاب وتحول في حياته. يمكن أن يكون هذا الانقلاب من سيئ إلى جيد أو من جيد إلى سيئ، لكن أرسطو شعر أن الأخير كان الأفضل؛ لأنه يدعم بشكل أفضل النغمة الجادة التي تميز المسرح التراجيدي.

تلعب الجوقة دورًا ضروريًا في المسرح، حيث أنها توضح بعض الجوانب في التراجيديا. مثل التحذير، أو التعاطف مع مأساة بطل التراجيديا، أو التفاعل مع ما يعانيه البطل وتقديم بعض التعليقات للجمهور. يمكن استخدام هذا الأخير إما لتعزيز التطورات الهامة أو للكشف عن دوافع الشخصية التي يخفيها الحوار.

لم تظهر أعمال العنف على خشبة المسرح. بدلًا من ذلك، كان يعلق الممثلون والجوقة على الفعل بعد وقوعه. في بعض الأحيان، كان يُنقل جسد الممثل على خشبة المسرح لإظهار أنه قُتل.

أنواع الكوميديا

هناك عدة أنواع من الكوميديا، على سبيل المثال يوجد الهجاء أو الدراما الهجائية، حيث أن الغرض منها هو مهاجمة الأفكار والأخلاقيات والمؤسسات الاجتماعية بشكل ساخر أو بتهكم. ومن الأنواع الأخرى أيضًا الهزل الذي يُستخدم للاستهزاء من الأوضعاع المعيشية وذلك من خلال ابتكار مواقف عبثية وباستخدام شخصيات مبالغ فيها.

وهناك أيضًا المحاكاة الساخرة التي تعني السخرية من عمل فني آخر باستخدام الكاريكاتير أو المحاكاة التهكمية. وهناك أيضًا الكوميديا السوداء، وهي الأعمال الكوميدية التي يواجه الجمهور صعوبة في تحديد ما إن كان عليهم أن يهاجموها، أو الضحك عليها.

اقرأ أيضًا: فلسفة الإنتحار.. لماذا يقدم الشخص على هذا الفِعل القاسي تجاه نفسه؟!

وهناك أيضًا الكوميديا ​​الرومانسية. ربما تكون الكوميديا ​​الرومانسية هي الأكثر شيوعًا بين جميع الأشكال الكوميدية على المسرح وعلى الشاشة. في هذا النوع، السمة الرئيسية هي المؤامرة على الحب، حيث يتحد أو يُجمع بين اثنين من العشاق المتعاطفين والمتوافقين بشكل جيد.

في الكوميديا ​​الرومانسية النموذجية، يميل العاشقان إلى أن يكونا شابين، ومحبوبين، ويبدو أنهما يريدان بعضهما البعض، ولكنهما يفترقان عن بعض بسبب الظروف المعقدة. على سبيل المثال، الاختلافات الطبقية، والتدخل الأبوي، أو بسبب صديقة أو صديق سابق، وتستمر التراجيديا حتى يتغلب البطلان على كل العوائق، ويتزوجا في نهاية القصة.

الجوقة في الكوميديا

التراجيديا - جوقة المسرح

كان عدد أفراد الجوقة بالكوميديا 24 فردًا من الرجال ونصفهم الآخر من النساء، وكانوا يرتدون ملابسًا تظهرهم أحيانًا في صورة غير آدمية مثل الطيور، والضفادع، والسحب. كانوا يقومون بالرقص إلى جانب الغناء، وكانت الرقصة الشائعة في الكوميديا هي رقصة السكارى.

يختلف دور الجوقة في الكوميديا عن التراجيديا فعلًا، فالجوقة في الكوميديا أكثر تنوعًا في دورها وأكثر جراءة في موقفها، ولم يكن الأمر مقتصرًا على غنائها للأناشيد، بل كانت حركة أفرادها تكثر وتتنوع، وحديثهم يطول ويتشعب. هذا وإن كانت الفواصل الغنائية في الكوميديا تبدو من الوهلة الأولى أقل ترتيبًا وأقصر طولًا من مثيلتها في التراجيديا.

0

شاركنا رأيك حول "التراجيديا والكوميديا بين فلاسفة التاريخ ونزعات الحاضر"