الفن التشكيلي المعاصر: نظرة فاحصة لأشهر مدارسه
0

ينحدر الفن التشكيلي من أسرة الفنون الجميلة والتي تضم الموسيقى والعمارة والشعر. أما ما ينبثق عن الفنون التشكيلية فهو الرسم بالألوان المائية والزيتية والتصوير الفوتوغرافي والنحت والغرافيك، ولكل نوع من أنواع الفنون التشكيلية مواد وخامات خاصة به. لقد واكبت هذه الفنون مسيرة تطور الإنسان فقد بدأت معه بمواد خام وأشكال بسيطة وبدائية.

ثم بدأت تتطور هذه المواد والأشكال مع التطور الحضاري والتقني، فتحولت العديد من الفنون التشكيلية من حالة ثقافية روحية إلى نتاج تقني وظيفي. فبعد أن كان العمل الفني هو عمل يلامس ويعبر عن الجمال بكل المقاييس -سواء الروحي أو المادي- تحول إلى مجرد حالة تعبر عن مدى التطور المادي التكنولوجي للحضارة البشرية. فقد صُنف الفن التشكيلي ضمن مدارس محددة منذ بداية عصر النهضة وحتى الآن.

والجدير بالذكر أن معلومات اليوم مأخوذة بتصرف عن مجلة الحياة التشكيلية، العدد الخامس عشر، وأيضًا العدد السَنتين، 33-34-35-36-37-38-39-40.

أهم مدارس الفن التشكيلي المعاصر

المدرسة التكعيبية

الفن التشكيلي - المدرسة التكعيبية

تعتبر المدرسة التكعيبية ثورة في الفن التشكيلي فعلًا. تعود نشأتها إلى بداية الفرن العشرين بين عاميّ 1907 و1914، لقد بدّلت هذه المدرسة القيم الفنية السائدة، سواء من حيث التقنية وطريقة الرؤية والمعنى الجمالي للأشياء .لقد عَنت هذه المدرسة برسم الأشكال على أسس هندسية صرفة، محاولةً الوصول إلى ماهية هذه العناصر أو الأشكال، باحثةً عن ديمومتها، ومحاولةً تحرير الواقع، كاشفةً عن جوهره الكامن المستتر خلف المظهر الخارجي. لقد حطمت الشكل الفني وأعادت خلقه من جديد.

لقد اعتبر بعض النقاد أنها نشأت تحت تأثير الفنان بول سيزان، الذي اعتبر أن كل ما نراه يتبدل ويتغير ولكن الطبيعة تبقى هي ذاتها، وبالتالي يجب أن يعطي الفن الاستمرار للطبيعة، ويجب علينا أن نشعر بالطبيعة كشيء خالد رغم تبدلها، وأن هناك جوهر ثابت خلف هذه التبدلات وأن مهمة الفنان هو الكشف عن هذا الجوهر. بينما اعتبر البعض الآخر أن الفنان كوربيه هو الأب المؤسس للمدرسة التكعيبية، وذلك من خلال تعامله مع الواقع محاولًا دراسته وتحسسه. فقد رسم الأشياء بطريقة محاولًا إبراز وزن الشيء وماهيته، وأن الظل والنور يعبران عن طبيعة المادة المرسومة.

لكن بعض النقاد الآخرين أرجعوا المدرسة التكعيبية إلى عصر النهضة، وذلك من خلال الدراسات الهندسية والعقلية التي تميزت بها العديد من الأعمال الفنية التي ظهرت في عصر النهضة.

تعتبر لوحة الفنان بيكاسو (آنسات أفينيون) والتي رسمها عام 1907 في برشلونة في إسبانيا، أول لوحات المدرسة التكعيبية بشكلها الصريح، وإحدى أهم أيقونات الفن الشكيلي حصرًا. وقد رسمها احتجاجًا على موضوع بيع الجسد في حي أفينيون؛ بحيث يصور مرضهن وبشاعتهن. ويريد من خلال هذا القبح أن يعكس بشاعة العصر كله.

الفن التشكيلي - لوحة آنسات أفينيون

في الحقيقة تأسست نواة جماعة الفن التكعيبي في خريف عام 1907، عندما قام دافيد هنري كونويلر بتعريف بيكاسو على جورج براك، وفي العام التالي انضم إلى بيكاسو وبراك عدد من الرسامين والشعراء، وشكلوا جمعية تحت اسم باتولافوار. وضمت أيضًا ماكس جاكوب، وماركوزيه، وجوان غري، وغرتوود، وليوشتاين، فيما بعد انضم عدد آخر من الفنانين والنحاتين.

لقد قام هؤلاء -وخاصة بيكاسو وبراك- بالتأسيس للغة جديدة في الفن التشكيلي مجملًا، وهي لغة أقرب للعقل من الإحساس. لقد وضعوا حدًا لاحترام الشكل الخارجي في الرسم، من خلال تحطيم هذا الشكل وتحويله لما يشبه المرآة المكسورة. لقد ألغى التكعيبيون التعبير عن الكتلة والبعد من خلال استخدامهم للمساحات اللونية، كما خلقوا ترابطًا بين الأشكال المختلفة، من خلال تداخل هذه الأشكال، بالإضافة لذلك فقد استخدموا مواد مختلفة للتعبير عن هذه الأشياء.

اقرأ أيضًا: أشهر الفنانين التشكيليين

مرت المدرسة التكعيبية بمرحلتين: المرحلة التحليلية، والتركيبية. فالمرحلة التحليلية هي تبسيط الأشكال الواقعية وتحويرها لأشكال أكثر تجريدًا، أما المرحلة التركيبية فتقوم بالاعتماد على التكوينات العقلية التي استلهمها الفنان من الواقع.

المدرسة المستقبلية

الفن التشكيلي - المدرسة المستقبلية

لقد اعتبر أتباع المدرسة المستقبلية، المدرسة التكعيبية مصدرًا هامًا لهم. وذلك من خلال تحطيم التكعيبين المكان والزمان التقليدين في اللوحة، بحيث أصبح بالإمكان جمع أزمنة وأمكنة مختلفة في لوحة واحدة. ومن خلال هذه فقد عبّرت المستقبلية عن الحركة، حيث حطموا الزمن من خلال تعبيرهم عن أزمنة متلاحقة، ومن خلال تصويرهم الحركة المجردة. فاستخدموا تقنية استوحوها من التكعيبيين كالملصقات والتبسيط والتحوير، وكل ذلك محاولةً منهم للتعبير عن سيرورة الزمن وحركته، مما جعلهم مرحلة هامة في تاريخ الفن التشكيلي بالمُجمل.

اعتبر أتباع هذه المدرسة أن الفن ليس مجرد تقليد آلي للطبيعة، وليس هو البناء المعماري الهندسي الذي طرحته التكعيبية، إنما الفن هو الحركة المطلقة المستمرة. فقد أرادوا من خلال الحركة التعبير عن حالة روحية عميقة معتبرين أن المادة ليست مجرد سكون، وأن الفن هو عملية تحليل للأشياء الخارجية وإعادة تركيبها، وذلك للتعبير عن حركتها. وأن عملية الخلق الفني هي نتيجة تركيب بين ما نحلله من الواقع وبين ما نأخذه من الذاكرة.

إن الأسلوب المستقبلي الذي لجأ إليه الفنانون للتعبير عن الحركة أخذ شكلًا رمزيًا، وذلك من خلال تمثيلها بمادة تشكيلية هي في الحقيقة بعيدة كل البعد عن مفهوم الحركة التي نراها في الفنون الأخرى كالسينما والمسرح. فقد صوروا الحركة بشكل ساذج وبدائي من خلال استخدامهم للتكرار؛ فمثلًا قد يرسمون الحصان وهو في حالة الحركة بعشرين رجلًا. فقد حولوا الزمان لمكان متتابع مع تغيير بسيط بالشكل.

لم يضع المستقبليون أسسًا فنية موحدة تجمعهم، فقد شغلتهم فكرة الحركة والزمن عن ذلك، وبالتالي تباينت أساليبهم واختلفت من فنان إلى آخر. أما مؤسسي الحركة المستقبلية هم أمبرتو بوشيوني، وجينو سيفيريني، وكارلوكارا، ولويجي روسولو، وجياكو موبالا.

مدرسة الدادا

فن تشكيلي - مدرسة الدادا

اختلف بعض المفسرين حول معنى كلمة الدادا، فقال بعضهم أنها تعني الحصان الخشبي الذي يلعب عليه بعض الأطفال، واعتبر البعض أنها تعني كلمة نعم، والبعض قال تعني كلمة المربية.

تأسست هذه الحركة عام 1916 في مقهى كاباريه فولتير في مدينة زيوريخ السويسرية. اتخذت هذه الحركة هذا الاسم صدفةً عندما فتح معجمًا لغويًا وأطلق أول اسم في رأس الصفحة على هذا المدرسة. أسس هذه المدرسة كل من هوجوبال وتريستان تزارا الذي تزعم هذه الحركة بعد أن تركها هوجوبال.

في نفس الوقت الذي تأسس فيه مدرسة الدادا في سويسرا، تأست نفس المدرسة في نيويورك على يد الفنان مارسيل دو شامب. فقد برزت هذه المدرسة بشقيها الأمريكي والسويسري كشكل من أشكال ردة الفعل على الحرب العالمية الأولى. لقد مثلتا هاتين الجماعتين شكلًا من أشكال التمرد والرفض، معتبرةً أنها ضد كل الحروب وضد كل الأنظمة التي كانت مسببة للحرب. ولهذا يكون الفن التشكيلي مرآة للواقع المجتمعي أكثر فأكثر.

اقرأ أيضًا: صور مُدهشة تحكي قصص ومآسي مؤلمة من الحرب العالمية الأولى !

وتعتبر أن تحرر الفرد هو وسيلة للخلاص من هذه الأنظمة الفاسدة، رافضة كل شكل من أشكال عبودية الإنسان. وللتعبير عن ذلك، فقد رفضت كل التقاليد الفنية والأدبية والأخلاقية والجمالية السابقة، محاولةً خلق حالة فنية جديدة لتؤثر على جيل الشباب في تلك الفترة. لقد توصل بعض فنانيها لصياغة شكل فني جديد، من خلال بحثهم عن معنى آخر للفن وعن مادة جديدة ليعبروا بها.

فقد اعتبروا أن الفن ليس النهاية، بل هو وسيلة للنقد الاجتماعي. لم يكن للدادائيين أسلوب أو تصور فني موحد يجمعهم، سواء كانوا فنانين أو شعراء. والشيء الوحيد الذي كان يربطهم ببعض هو صيغة التمرد وصيغة العدمية الاحتجاجية على الفن التقليدي. لقد استخدموا عدة مواد في التعبير عن ذلك كالملصقات الخشبية والورقية، كما استخدموا التجريد.

لقد نقلوا مفهوم الفن التشكيلي إلى مرحلة جديدة، اتسم فيها بأشكال جمالية حديثة اختلفت كل الاختلاف عما سبقها من أشكال ومفاهيم جمالية، وأصبح مفهوم اللافن هو فنًا جديدًا. كما ربطوا الفن بالجانب العلمي والصناعي، واستخدموا الزجاج وموادًا ملونة أخرى وقطعًا جاهزة. من أهم رواد هذه المدرسة هانس آرب، وجان كروتي، وفرانسيز بيسابيا، وجان كاستين وأهمهم على الإطلاق مارسيل دو شامب.

المدرسة البنائية

فن تشكيلي - المدرسة البنائية

تأسست في موسكو عام 1920 على يد الأخوين غابو وأنطوان بفستر،. معتبرين أن المدرسة البنائية تتكون من ثلاثة أسس:

  • أولًا يجب أن يتضمن الفن عنصرين هامين هما الزمن والفراغ.
  • ثانيًا إن الحركة والديناميكية هما أساسيان ويجب أن يعبر عنهما الفنان.
  • ثالثًا إن الكتلة ليست ظاهرة فراغية لأنها شكل مصمت والمطلوب هنا التعبير عن الفراغ لا الكتلة.

لقد حاول البنائيون أن يعبروا عن سمة العصر وأن تكون التجسيمات لديهم تحتوي على فراغ وتتحرك وفق مفهوم معين للزمن. لقد كان هدفهم من خلال أعمالهم الفنية اكتشاف أفكار جديدة للفن، كما حاولوا أن يكون الفن مرآة للعلم المعاصر يقدم هذا العلم من خلال لغة الفن التشكيلي خاصتهم.

لقد ارتبطت الحركة البنائية بالتغيرات التي حدثت بداية القرن العشرين، متأثرةً بالفيزياء الحديثة التي ابتكرها أينشتاين، كما تأثرت بالمدارس الفنية الأخرى وخاصةً المدرسة المستقبلية في كل من إيطاليا والاتحاد السوفيتي، كما تأثروا بالنزعات الفوضوية والأشكال المتمردة على الحياة في ظل النظام القيصري. لقد طُبعت المدرسة بطابع التمرد والرفض كما غيرها من المدارس الفنية الحديثة في بداية القرن العشرين. لقد أثر البنائيون في حركات فنية أوربية ففي ألمانيا تأثر بهم المدرسة الفنية (الباو هاوس)، كما كان لهم تأثير في باريس وفي لندن فيما بعد انتقلت البنائية للولايات المتحدة الأمريكية واعتنقها العديد من الفنانين.

لقد استخدمت البنائية كما المدرسة المستقبلية، مزيجًا من المواد الهندسية والميكانيكية في إنتاج أعمالهم الفنية. اعتبرت البنائية أن الأشكال الفنية من صنعنا وهي واقعية، أي موجودة. والفنان يبتكر الواقع بمعنى أنه يصنع أشكالًا وصور تصبح هذه الأشكال والصور عالمه. والفن عبارة عن عملية خلق مستمرة لهذا العالم الذي لا يمكن أن يوجد قبل أن نصنعه. تأثرت البنائية بالأفكار الوجودية وخاصة جان بول سارتر، ومن أهم فناني هذه المدرسة أنطوان بفستر وفلاديمير تاتالين، وألكسندر روديشنكو، وناوم كابو، وبن نكلسون.

خلاصة القول في الفن التشكيلي المعاصر

فيما سبق سلطنا الضوء على بعض مدارس الفن التشكيلي الحديث والتي ظهرت في بدايات القرن العشرين، وقد شكلت ردة فعل على قضايا اجتماعية وثقافية وعلى حربين عالميتين خلّفتا ملايين الضحايا. لقد كانت هذه المدارس الفنية هي نتاج حراك اجتماعي ثقافي كان أحد مفرزات تطور الحركة الرأسمالية الصناعية التي بدأت تتشكل في أوائل القرن التاسع عشر، لتتطور فيما بعد وصولًا إلى مرحلة العولمة.

 

0

شاركنا رأيك حول "الفن التشكيلي المعاصر: نظرة فاحصة لأشهر مدارسه"