مصطلحات سياسية
1

كثيراً ما يتردد على مسامعنا بعض المصطلحات السياسية ثقيلة الوقع، أو نقرأ في الصحف أو على وسائل التواصل الاجتماعي، أو تُطرح كمشهد في الأعمال الفنية، التي لا يكاد المرء يفقه المقصود منها، وهي مصطلحات ارتبطت بشكل أو بآخر بأسماء معينة في التاريخ مثل؛ هتلر والنازية، موسوليني والفاشية وغيرهما. لذا فقد ارتأينا تقديم مقالات لأهم المصطلحات التي يتكرر سماعها أو قراءتها، ومحاولة تبسيط هذه المصطلحات حتى تكون سهلة سلسة على القراء والعامة، ولتكوين خلفية عنها.

سنعتمد في هذه المقالة على سرد بعض المصطلحات السياسية المتداولة وذكر أبرز التجارب التي قدمها مؤسسو هذه الإيدلوجيات.

الفاشية

إن مصطلح الفاشية هو مصطلح إيطالي بالأساس، ولكنه انتقل الى اللغة الإنجليزية. واشتُهر هذا المصلح في الحضارة الرومانية، فكان يعني (مجموعة الصولجانات التي كانت تُحمل أمام الملوك في مواكبهم)، وذلك لترسيخ فكرة قوة وهيمنة هؤلاء الملوك، ولكن عاد المصطلح للظهور بشكلٍ مختلف في في أواخر القرن التاسع عشر، كإشارة الى مجموعة سياسية تشترك في المبادئ والإيديولوجيات، والحركات الجماهيرية.

وفي نفس الفترة شاع استخدامه للإشارة إلى الخصوم السياسيين، وعُرِّف مصطلح الفاشية على أنه الديكتاتورية. على الرغم من اختلاف المصطلحين من الناحية العملية، إلا أنه تم تبني هذا الرأي لاتفاق الحكومات الفاشية مع المبادئ الديكتاتورية.

تعريف الفاشية كإيديولوجيا

عرفها المؤرخ الإيطالي ريتشارد بوسورث على أنها “أحد أبرز الإيدلوجيات السياسية والحركات الجماهيرية التي ذاع صيتها في الفترة من 1919م حتى 1945م“.

أهم مبادئ الفاشية

تعتبر المبادئ الفاشية هي أحد أبرز سمات الأنظمة التي حكمت دول في إطار الأيديولوجية الفاشية، ويمكن ذكرها كما يلي:

  1. تركز السلطة في يد الحاكم، والذي غالباً ما يُلَقّب بالزعيم.
  2. تكميم أفواه المعارضة سراً وعلانية من خلال أدوات ضغط صريحة مثل تدخل الجيش، أو خفية مثل رسائل التهديد والوعيد.
  3. سيطرة أجهزة الحكومة على كل القطاعات داخل الدولة (الصناعة، التجارة، السياحة، وغيرها)، في محاولة من السلطة لتسخير كافة موارد الدولة وإمكانياتها لزيادة قوة السلطة السياسية والعسكرية.
  4. محاولة إسقاط نجاح التجارب الديمقراطية، والنظر إلى آلياتها مثل (الانتخابات والمشاركة السياسية) على أنها مقومات ضعف للقوة الدولة ووحدتها.
  5. ترسيخ فكرة الحزب الواحد الذي تجتمع في يده سلطة التحكم في كافة مناحي الحياة، حتى العسكرية منها.
  6. تعزيز الدور العسكري والقيادي، وترسيخه كمبدأ هام ودليل على المواطنة الصالحة والانتماء، ما يجعل كافة المواطنين قادرين على حمل السلاح والمشاركة في أي حروب أو نزاعات مع أطراف معادية.
  7. استخدام أدوات خفية لدعم هيمنة الدولة على العقول ونشر الافكار التي تعادي الليبرالية، أو الماركسية، أو غيرها والنظر إليها باعتبارها أفكار وايدلوجيات منقوصة وغير صالحة.

أهم تجارب الفاشية

تعتبر إيطاليا أشهر المسارح التي ظهرت عليها المبادئ الفاشية بكل عنف على يد الزعيم الإيطالي “بينيتو موسوليني“، حيث ظهر لأول مرة في إيطاليا عام 1918، في فترة الحرب العالمية الأولى بالتزامن مع تعرضها لأزمة سياسية واقتصادية، وألقى خطاباً أسطورياً في مدينة بولونيا، واعتبر المؤرخين هذا الخطاب بمثابة البلورة الحقيقية والمتكاملة لمبادئ الحكم الفاشي.

بعد عام من خطاب موسوليني دعا إلى عقد أول مؤتمر للفاشيين في عام 1919، وانتهى الاجتماع باتفاق على تشكيل الحزب الفاشي، الذي تمحورت مبادؤه حول (العصبية الإيطالية، النزعة الشعبية، التيارات العدمية التوجيهية) ولم يكن حزباً محدد الفكر، بل تمت بلورة أفكاره بشكل عشوائي وفوضوي، بدعوة إنشاء قوة سياسية جديدة في إيطاليا.

سرعان ما ذاع صيت هذا الحزب وبدأت الحشود بالتحلق حوله وتأييده، وقد حقق هذا الحزب انتشاراً كبيراً في إيطاليا، وفي عام 1922 قام موسوليني بدعوة جموع الشعب الإيطالي للإضراب عن العمل، مستغلاً ضعف سلطة الملك آنذاك، وحالة التفكك والانهيار التي تعيشها إيطاليا، على أن يقوم الفاشيون بتحجيم هذا الإضراب وبالتالي يظهرون بمظهر المدافع عن السلطة والسيادة. وبعدها ألقى موسوليني خطاباً مفاده أن السلطة السياسية إذ لم تقم بمنح مقاليد الحكم للفاشيين، سوف يشاركون في إضراب ومسيرة في شوارع روما، ولكن السلطة السياسية لم تستجب لذلك، فانتشرت المسيرات في شوارع روما، وتم تنصيب موسوليني على إثرها رئيساً للوزراء في أكتوبر 1922 وتولى الحزب الفاشي مقاليد الحكم في إيطاليا، وبهذا بدأت الفاشية بلعب دور جوهري في النظام السياسي الإيطالي.

حاول موسوليني اتباع سياسة تستهدف استرضاء الطبقات الارستقراطية لمنع إثارتهم ضده، وذلك من خلال إظهاره احترام مبادئ الدستور والقانون، وإقرار الحقوق والحريات، إلى أن يثبّت أقدامه في الحكم، فراح يعد الدولة بكافة أجهزتها كي تخضع لمبادئ الفاشية، وبدأ بتكميم أفواه المعارضة والقضاء على الطبقة العليا حتى لا ينازعه في الحكم أحد، وبالتالي استطاع فرض الفاشية كنظام حكم له شرعية في إيطاليا، وعاشت إيطاليا فترة حكمه في خوف وذعر، وتقديس لشخصية الزعيم، وتم إلغاء البرلمان والانتخابات التي تعتبر العدو اللدود للنظام السياسي، واستبعاد وجود أي عناصر لا تؤمن بالإيدلوجية الفاشية، واستمر هذا النظام حتى الحرب العالمية الثانية، بعدها تبنت إيطاليا الديمقراطية الليبرالية وكل الدول الأوروبية أيضاً.

الإيديولوجية الفاشية في العصر الحديث

لم تنتهِ الفاشية بمقتل موسوليني في يوليو 1945، بل تطورت وأخذت شكلاً مختلفاً تماشياً مع اختلاف البيئات والثقافات فظهرت الفاشية الجديدة، والتي اشتهرت بالتعصب ومعاداة الأجانب

النازية

بحسب ما أوردته موسوعة الهولوكوست، فإن الإيديولوجيا النازية التي نشأت في ألمانيا “هي حركة سياسية تم تأسيسها بعد الحرب العالمية الأولى 1919، وتعتبر هذه الحركة وباءً على البشرية، فقد كانت السبب الأول في حروب اكتوى العالم أجمع بنيرانها، وخلفت خسائر غير مسبوقة، ما زال العالم يعاني منها حتى يومنا هذا[5].

ويمكن تعريف النازية على أنها إيدلوجيا سياسية نضجت واكتملت ملامحها في الثلاثينات من القرن الماضي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية وتتمحور أهم أفكار النازية حول ما يلي:

  • تفسير أحادي وعنصري عن تاريخ العالم بحيث تعتبر فيه الآرية -وهي لفظ يطلق على مجموعة من البشر ينتمون لسلالة معينة باعتبارهم هم الفئة الأقوى والأذكى، وأنهم هم الشرفاء والنبلاء دون غيرهم- بأنها أسمى السلالات وأن وجود اليهودية ما هو الا انتقاص منها.
  • تمجيد كل ما هو عسكري، واعتبار أن الحروب هي إثبات حقيقي لقوة الحاكم وسيادة الدولة.
  • وجود نوع من الانتخاب الطبيعي الذي يستهدف ضرورة توفير سبل الحياة لكل الأقوياء، وحرمان الضعفاء والأقل ذكاءً منه باعتبارهم لا يستحقون الحياة.
  • ضرورة أن تصبح ألمانيا قوة دولية بسبب تفوقها الثقافي والاجتماعي وامتلاكها عناصر القوة.

هذه الأفكار كانت جوهر النازية التي طُبقت بشكل منهجي وواسع بعد عام 1933.

ألمانيا كنموذج لتطبيق الإيديولوجيا النازية

وفقاً لما أورده هتلر في كتابه “كفاحي”، يُعتبر أدولف هتلر هو مؤسس الحزب النازي في ألمانيا، وقد كانت ولادة هذا المشروع ناتجة عن مراقبته لنشاط وأفكار حزب العمال الألماني، ومن ثم انضمامه له عام 1919، ثم أصبح في عام 1921 زعيماً للحزب النازي، وبعد قيامة بعدة محاولات لعمل انقلاب في ألمانيا، بسبب سوء الأوضاع بها، تم حبسه عام 1923.

استغل هتلر شعبيته وشهرته في حشد الجماهير من خلال كاريزمته وأفكاره التي تخص القومية وتأييدها، إلى أن تم تعيينه مستشار ألمانيا عام 1933، ومن ثم بدأ في إرساء دعائم حكمه الذي قام على المبادئ النازية (الديكتاتورية)، وانتهاج سياسة خارجية تعتمد على تأمين المجال الحيوي لها، والاستيلاء على كل ما حولها، وهو ما دفع هتلر والجيش الألماني إلى غزو بولندا عام 1939، والتوسع في عدة دول إلى أن قامت الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى احتلال إيطاليا ودول المحور معظم دول القارة الأوروبية.

كما عمدت حكومة هتلر إلى التخلص من اليهود فقامت بقتل اثنين من كل ثلاث يهود في أوروبا خلال فترة حكمه في حركة إبادة جماعية عنصرية لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، وعند انتهاء الحرب العالمية الثانية وصل عدد القتلى من اليهود إلى 6 مليون مواطن، والذين نجوا من هذه الوحشية هم اليهود الذين كانوا يعيشون في المناطق غير التابعة لألمانيا، ليس هذا فقط بل طالت وحشيته الغجر فقتل حوالى 200.000 مواطن، وغيرهم من الأعراق المختلفة الذين كان يعتقد بعدم وجود أي ميزة أو قدرات خاصة تشفع لهم، باعتبار أن السمات الشخصية تأتي من الانتماء لسلالة نبيلة، وإذ لم يكن الإنسان منتمِ لهذا النوع من السلالات، فإن جل محاولاته لتحسين حياته سوف تبوء بالفشل، ومن الأفضل قتله، والاستفادة من الموارد التي يستهلكها.

بالإضافة إلى ما سبق فقد تميزت فترة الحكم النازي بوجود مفهوم تمجيد الدولة، وتعظيم زعيمها -بشكل يتشبه مع مبادئ الفاشية سابقة الذكر- وكان يستغل هتلر شعبيته في إلقاء الخطب الرنانة التي تشحذ الهمم من كل حدب وصوب، من أجل خلق تأييد للحكومة وسياساتها.

نهاية النازية

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة هتلر والنازية عام 1945، اختفى التأييد الشعبي لهتلر وحزبه مع قرب انتهاء الحرب العالمية، فقد تقدم الجيش الأمريكي والجيش السوفييتي في الأراضي الألمانية إلى أن دخلها عام 1945، وما تلا ذلك من أحداث أدت الى تقسيم ألمانيا بين (شرق وغرب)، وفي نهاية الأمر انتحر هتلر في داخل مخبئه ببرلين في أبريل 1945. وعلى الرغم من مرور 75 عاماً على انتهاء النازية في ألمانيا إلا أن آثارها ما زالت موجودة حتى الآن.

يقول المؤرخ أرند باور كامبر “إن النازية ألقت على ألمانيا ظلالاً ممتدة، وأن الماضي النازي ما زال حاضراً معنا حتى الآن في ألمانيا وأوروبا والعالم أجمع”.

البلشفية

البلشيفية هو مصلطح من اللغة الروسية ويقصد به الأغلبية، وتم استخدامه كاسم لأحد الفصيلين الذين تكون منهم حزب العمال الاشتراكي في روسيا، الذي تأسس عام 1903، والذي أصبح في عام 1912 حزباً مستقلاً بقيادة “فلاديمير لينين” تولى زمام الحكم في روسيا بعد ثورة أكتوبر 1917، وقد تم تغيير اسمه فيما بعد ليصبح الحزب الشيوعي، وكان له دور واضح في روسيا منذ بداية الحرب العالمية الأولى[8]، ويمكن إيجاز أهم ملامح البلشفية كما يلي:

  • إقامة مجتمع على أساس متساوٍ لا يوجد فيه غني وفقير.
  • أن يحصل كل الأفراد على حقوق متساوية.
  • ضرورة تحسين الآلات والأدوات لضمان جودة العمل للجميع.
  • عدم السماح بتسلق الأغنياء أو أي طبقة على حساب غيرها.

كيف صعدت البلشفية للسلطة في روسيا

لقد شهدت روسيا قبل الحرب العالمية الأولى -إبان فترة الحكم الملكي- حكم مجموعة من كبار التجار وملاك العقارات وعلى رأسهم قيصر روسيا (نيكولاس الثاني)، الذي تسيد كل هؤلاء الأفراد. وكانت هذه الفترة معروفة بالاستبداد والاستغلال من قبل الرأسماليين للطبقات العاملة (البروليتاريا)، فقد عانت هذه الطبقات بسبب اضطهاد الرأسماليين لهم، من حيث العمل مقابل أجر زهيد، وكان يتم اضطهادهم، ولم توجد أي سياسات لتحسين أوضاعهم، بل كانوا مستعبدين في أرضهم ولم يحصلوا على أي حقوق.

فضلاً عن أن بداية الحرب العالمية الأولى ودخول روسيا في حرب مع ألمانيا أدى إلى تشكيل روسيا لجيش وطني ضخم على عاتق الفقراء والفلاحين، حيث تم إجبارهم على الانضمام إلى الجيش. وعلى الرغم من الكثرة العددية للجيش الروسي، إلا أن هذا لم يقابله تسليح جيد، وقد ذُكر أن بعضًا من الجنود الروس كان يتم إرسالهم للمعارك بدون غذاء أو أحذية أو سلاح، وبالتالي خلال السنوات الثلاث التالية للحرب، خسرت روسيا 2 مليون جندي، وقُتل 5 مليون جندي، ما دفع الشعب لإلقاء اللوم على القيصر بأنه السبب الرئيسي في هذه الخسائر.

بدأ بعض العمال في أوائل عام 1917 بطرح فكرة الإضراب عن العمل كنوع من إعلان العصيان على الحكومة، وبدأو يتناقشون في طرق لإصلاح الوضع السياسي للدولة، ومن ثم إصلاح وضع الفئات المهمشة، وبعدها تطور الإضراب إلى أن وصل لقيامهم بأعمال الشغب، فأمر القيصر الجيش بقمع أعمال الشغب، ولكن الجيش رفض إطلاق النار، وأعلن تضامنه مع جموع الشعب ضد القيصر، مما اضطره للتنازل عن الحكم، ومن ثم البدء في تشكيل حكومة جديدة، تمت إدارتها من قبل حزبين (سوفييت بتروغراد والحكومة المؤقتة).

الأحزاب السياسية الحاكمة في فترة ما بعد الثورة البلشفية

كان حزب “بتروغراد” الذي يتزعمه فلاديمير لينين، يمثل البلاشفة ويرى أن إصلاح النظام السياسي في روسيا يأتي من تبني الإيديولوجية الشيوعية، وفي أكتوبر 1917 تولى لينين الحكم في روسيا، في ظل نظام شيوعي. ويعتبر لينين هو مؤسس اللينينية كتيار منبثق عن الشيوعية، سيتم التطرق لمعنى وتفسير مصطلح الشيوعية في الجزء الثاني من سلسلة المصطلحات السياسية.

 شاركونا المصطلحات التي تمر عليكم ولا تستطيعون معرفة ماذا تعني، لعرضها في باقي السلسلة.

1

شاركنا رأيك حول "المصطلحات السياسية: ماذا تعرف عما تسمع وتقرأ؟"