مؤسسة الزواج
0

العائلة هي النواة الأساسية لبناء وتطور المجتمعات، ما صبّ اهتمام المجتمع على الاحتفال بالزواج كخطوة أولى في طريق الاستقرار. وتفرّد كل مجتمع بعاداتٍ وتقاليدٍ خاصة تميزه عن غيره من المجتمعات والثقافات الأخرى، إلّا أننا ونتيجةً للتبادل الثقافي والحضاري فقد نجد بعض التشابه في عادات الزواج بين الثقافات، لكن ومن ناحية أخرى سنجد بعض المجتمعات منغلقةً على نفسها محافظةً على موروثاتها القديمة متمسكةً بها على الرغم من عجلة الحياة التي تمشي مسرعة، مع التنويه أننا لا نشجع على الانسلاخ عن التاريخ والعادات بل العمل على جعلها متماشيةً مع الواقع المتغير مع الحفاظ على روحها.

ما هو عُمر مؤسسة الزواج؟

لربما قد خطر في بالك عزيز القارئ هذا السؤال من قبل، نعم إنّ علاقة الزواج قديمةٌ قِدم الإنسان، إلّا أننا هنا نبحث عن الفترة التي تمّ فيها تنظيم هذه المؤسسة.

يُعرّف الزواج على أنّه ارتباط يقرّه القانون بين الرجل والمرأة يقوم على التوافق بينهما ليكملا حياتهما سويةً لإضفاء الشرعية على الأولاد الذين سينجبوهما، وفي العام 2001 وابتداءً من هولندا تم إضفاء الشرعية على زواج المثليين لتتبعها لاحقاً عدد من الدول في أوروبا والولايات المتحدة وكندا.

يعتقد علماء الأنثروبولوجي أنّ مفهوم الزواج بدأ بالتبلور في قبل حوالي 4,350 عاماً، لم يعرف الانسان القديم الذي كان يعتمد على الصيد الزواج بشكله الذي نعرفه في يومنا الحالي، فقد عاش الإنسان حينها في مجموعاتٍ قد تصل إلى 30 شخصاً بينهم القادة الذكور ومجموعة من الإناث الذين يتشاركونهم بالإضافة إلى الأطفال.

مع الانتقال من حياة الصيد إلى الحياة الزراعية والاستقرار، شعر الإنسان بضرورة تنظيم هذه العلاقات، سُجّل أول زواج في التاريخ بين رجل وامرأة في بلاد الرافدين حوالي عام 2350 قبل الميلاد، ثم انتشر هذا المفهوم لدى الشعوب الأخرى كاليونانيين والرومان والعبرانيين وغيرهم الكثير.

ومن الجدير بالذكر عدم تعلّق الزواج حينها بالحب أو الدين بل كان يتم لاعتباراتٍ أخرى، كالحفاظ على السلطة في الزيجات التي تتم في الوسط الملكي والطبقة الحاكمة، وكذلك الأمر في الطبقات الدنيا التي كانت تُزوّج بناتها بهدف الحفاظ على الميراث.

أنواع الزواج على مر الزمن

لقد تغيّر مفهوم الزواج كثيراً حتى أصبح على ما هو عليه في وقتنا الحالي، وأخذ الزواج الأشكال التالية:

  • الزواج الأحادي: يعبر مصطلح الزواج الأحادي عن الزواج القائم بين رجلٍ واحدٍ وامرأةٍ واحدةٍ فقط، كانت نسبة الأسر القائمة على الزواج الأحادي قليلةً بالمقارنة مع أنواع الزيجات الأخرى في العالم حتى وقتٍ قريب، وتركزت بشكل أساسي في أوروبا الغربية وبعض مستوطنات أمريكا الشمالية.
    مؤسسة الزواج
  • الزواج المتعدد: كان تعدد الزوجات والأزواج هو الشائع، انتشر تعدد الزوجات لدى العبرانيين كما غيرهم من الثقافات الأخرى في الصين وإفريقيا والأقلية المورمونية في أمريكا، وما زالت شائعة في الأوساط الإسلامية. من ناحيةٍ أخرى، لم يكن تعدد الأزواج منتشر بشكل كبير مقارنةً بتعدد الزوجات، إلّا أنه لا يمكن إنكار حدوثه في بعض المجتمعات، وغالباً ما يأخذ شكل الزواج الأخوي، أي أنّ الأزواج أخوة! ويرجع تفسير ذلك إلى محاولة الإبقاء على الثروات الشحيحة ضمن العائلة الواحدة وتفادي توزعها. ينتشر بشكل أساسي في هضبة التبت وجزر ماركيساس في جنوب المحيط الهادئ، التي حتى القرن الواحد والعشرين ما زالت تشهد هذا النوع من الزيجات.

الزواج وعلاقته بالدين

تختلف تقاليد الزواج وشروطه تبعاً للعادات المجتمعية والممارسات الدينية، لذلك سنذكر بعضاً من عادات وشروط الزواج في بعض الأديان.

الزواج الهندوسي

ينطوي الزواج الهندوسي على مراسم وتقاليد محددة ومعقدة إلى حدٍّ ما تدعى الأسرار المقدسة، يجب تنفيذها بحذافيرها ليتكلل الزواج بالمباركة الدينية. غالباً ما تكون الزيحات الهندوسية مرتبة من قبل الأهل، لكن تحظر الكتب المقدسة الهندوسية استخدام العنف والإكراه بغرض إتمام الزواج، بالإضافة إلى منع زواج الأطفال لكن هذا لا يعني بأنّه غير موجود في الأوساط الهندوسية.

مؤسسة الزواج
عروسان هندوسيان

الزواج لدى البوذيين

بقي الزواج لدى البوذيين مدنياً، مع العلم بأنّ بوذا قد وضع بعض المبادئ التي من شأنها تنظيم الحياة الأسرية البوذية، وقد يبارك الرهبان البوذيون الزواج إلّا أنّه ليس شرطاً أساسياً لإتمامه، ولذلك فإن زواج البوذيين يختلف باختلاف البلد الذي يعيشون فيه ويعكس عاداته. ويعتقد البوذيين أنّ الهدف من الزواج هو الاتحاد مع الشريك الذي يحبون وإنجاب الأطفال واستمرار نسلهم.

الزواج في اليهودية

يُعتبَر الزواج في الديانة اليهودية من أمر الله ويجب أن يتم بمباركته، تمت الزيجات اليهودية قديماً بترتيب من الأهل وبمساعدة وسيطة الزواج، وما زال هذا الطقس حاضراً حتى يومنا هذا في المجتمعات الأرثوذكسية المتشددة.

بعد الموافقة المبدئية يتم التحضير للخطوبة وتحديد المهر Mohar، مثّل الزواج اليهودي قديماً اتفاقاً بين عائلتين وليس شخصين، وعبّر المهر عن ثمن شراء العروس التي ستنتقل للعيش في منزل العائلة كفردٍ جديدٍ فيها. إلّأ أنّ نظرة المجتمع اليهودي للمرأة قد تغيرت مع الوقت، فأصبحت تتمتع باستقلاليتها نوعاً ما إلّا في الأوساط المتشددة آنفة الذكر، وأصبحوا ينظرون للمهر على أنّه هدية للعروس.

من جهةٍ أخرى للرجل الحق بتعدد الزوجات في الأوساط اليهودية، والطلاق مسموحٌ به ضمن شروط وأسباب معينة على أن يدفع الرجل لزوجته مهرها.

مؤسسة الزواج

الزواج في المسيحية

في روما القديمة، كانت الزواج يتم بحكم القانون الإمبراطوري، أي كانوا يعتبرون الزواج شأناً مدنياً. مع انهيار الإمبراطورية الرومانية وتعالي صوت الكنيسة في العصور الوسطى، تمّ تحويل الزواج من شكله المدني إلى شكله الديني.

لطالما أكدت الديانة المسيحية على الطبيعة الروحية للزواج كما جاء في حديث يسوع المسيح، إلى أن اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية في عام 1215 أنّ الزواج هو أحد أسرارها المقدسة السبعة، في حين أنّ كنائس أخرى قد أكدت على قدسية الزواج مع عدم اعتباره أحد أسرارها.

يتم الزواج المسيحي بحضور القس الذي يبارك هذا الزواج في الكنيسة، ويتضمن قراءات من الكتاب المقدس وتبادل الوعود وموافقة الطرفين، مع التأكيد على أنّ هذا الزواج هو اتحاد مقدس بين رجل واحد وامرأة واحدة لا يفرقه إلّا الموت.

مؤسسة الزواج

الزواج في الإسلام

اعتبر الإسلام أنّ الزواج هو هبة من الله وواجباً دينياً، وذكرت شروط الزواج ومبادئه الأساسية في القرآن الذي وصف العلاقة الزوجية بأنها علاقة مودة ورحمة، في حين أباح الإسلام للرجل بأن يتزوج أربع نساء ضمن شروط محددة أبرزها العدل بين الزوجات.

يتم عقد الزواج الإسلامي بين الزوج ووالد العروس أو وليها ومن شروط الزواج أن يُقدّم الزوج لعروسه المهر الذي تمّ الاتفاق عليه مسبقاً، وهو عبارة عن مبلغ من المال يعتبر كهدية للعروس. أمّا الطلاق الذي يُوصَف بأنه أبغض الحلال، فهو مسموح في الإسلام لكن ضمن شروط معينة.

الزواج المدني

هو الزواج الذي يتم بمعزل عن السلطات الدينية ويستوفي جميع المتطلبات القانونية للدولة، يتساوى أمامه جميع المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والطائفية، ويكون الموظف الحكومي هو المسؤول عن مراسم الزواج وليس رجل الدين، وتَشترَط غالب الدول إقامة الزواج المدني ولاحقاً يمكن إقامة المراسم الدينية.

مؤسسة الزواج

هنالك العديد من الأسباب التي قد تدفع بالزوجين إلى اختيار الزواج المدني في الدول التي تعتمده، وأهم هذه الأسباب هي عدم تديّن العروسين وعدم الشعور بأنّ الزواج الديني يمثل تطلعاتهما، أو بحالة كون العروسين من ديانتين مختلفتين ورغبتهما باتخاذ الحياد وإلغاء الدين من حفل زفافهما.

على الرغم من الحاجة الماسة لهذا النوع من الزواج في مجتمعاتنا، لما من شأنه أن يرسخ شعور الفرد بالمواطنة والمساواة، إلّا أنّ بلادنا وللأسف ما زالت بعيدة عن ذلك، كونها غارقةٌ في النزاعات السياسية ذات الخلفية الطائفية والدينية التي كانت وما زالت تكرّس ثقافة الخوف من الآخر.

تسعى حركات المجتمع المدني في بعض بلدان محيطنا العربي جاهدة للمطالبة بإقرار الزواج المدني الاختياري، يُعتبَر لبنان أبرز الأمثلة على ذلك، فقد شهد لبنان تسجيل أول وثيقة زواج مدني في عهد وزير الداخلية مروان شربل في 25 نيسان/إبريل عام 2013 على الرغم من الرفض العارم الذي لاقاه هذا القرار من قبل رجال المذاهب الدينية.

0

شاركنا رأيك حول "كيف تطورت مؤسسة الزواج عبر التاريخ البشري؟ .. أمثلة من ثقافات متعددة"