التنوير
2

على جانبي المُحيط الأطلسي، ناقشَ مجموعة مِن المفكرين أحد المسائل لدرجة أنها أصبحت أقرب للاشتباك المُسلّح وكأنها قلعة مُحاصرة بحاجة للدفاع عنها مِن قبل الرجال الذين يتبعون سياسة التصديق بالعلم والحقائق وما هو مُعتمد على الدليل. هؤلاء الفرسان الشجعان للتقدميّة -كالطبيب النفسي ستيفن بنكر وعالم الأعصاب سام هاريس- يُدينون الظهور الفج والمتكرر للأهواء والعواطف والخرافات في السياسة. إذ يخبرونا أن حجر الأساس للحداثة كان سعة الإنسان لكبح هذه القوى الهدامة بواسطة التعقّل الهادئ، فما نحتاج إليه هو إعادة تشغيل لعصر التنوير، والآن أكثر مِن أي وقت مضى.

ماذا قصد آينشتاين بقوله «الإله لا يلعب النرد»؟

العقلانية ليست علمًا وضعيًا

بشكل مُلفت للنظر، هذه الصورة الورديّة عما سُمّيَ «عصر العقل» تُشبه الصورة الساذجة التي ينتقدها بعض المُفكرين البسطاء. إذ ظهرت وجهة النظر الناقدة لعصر التنوير بدءًا مِن فلسفة «فيلهلم هيغل» وحتى النظرية النقدية التي تبلورت في منتصف القرن العشرين تحت غطاء مدرسة فرانكفورت. قام هؤلاء الكتّاب بتحديد العوامل الهشة في الفكر الغربي التي تساوي العقلانية مع العلوم الوضعية تحت راية الرأسمالية وهيمنة الطبيعة، مثلما حدث في حالة «ماكس هوركهايمر» و«ثيودور أدورونو» بخصوص مواضيع النازية والفاشية والهولوكوست، خصوصًا أن هوركهايمر قد طرده هتلر مِن ألمانيا بسبب عدائه للنازية.

فكان التنوير حركة عقل مُضادة للتصوّف والأهواء وحراس العقيدة والنقّاد المأجورين الذين يشكلون وجهان لنفس العملة. وتصحيح الخطأ الجمعي لكل هؤلاء هو ما جعل «كليشة عصر العقل» تأخذ صيتًا قويًا تلك الفترة.

العواطف للضعفاء!

تلك الأهواء بما تشملهُ مِن نزوات حسية ورغبات وشهوات، كانت الطلائع التي شكّلت فهمنا الحديث للعاطفة. فمنذ الرواقيون القدماء، نظرت الفلسفة بشكل عام نحو العاطفة كتهديد للحرية يخضع لها العبيد ويكونون ضعفاء أمامها بينما الأقوياء يعتنقون العقل والإرادة مما يُبقيهم أحرارًا. أما إسهام عصر التنوير فكان بإضافة العلم إلى جانب العقل والخرافات الدينية إلى جانب مفهوم الاستعباد العاطفي.

فالقول إنّ عصر التنوير كان حركة عقلانية ضد الأهواء عن طريق وضع العلم في معاكسة الخرافة واضعين السياسات التقدمية ضد السياسات القبلية المحافظة أمر خاطئ بشدّة. فهذه الادعاءات لا تعكس النسيج الكامل للتنوير نفسه، والذي وطّن قيمة عُليا أيضًا للأحاسيس والشعور والرغبات.

شغف هيغل وتنوير كانط

بدأ التنوير مع انطلاق الثورة العلمية في منتصف القرن السابع عشر بالغًا ذروته مع اشتعال الثورة الفرنسية ونهاية القرن الثامن عشر. كان الفيلسوف هيغل في بواكير عام 1800 مِن أشد المعادين لذلك، إذ قال إنّ المواضيع العقلانية التي شُخِصت على يد إيمانويل كانط -فيلسوف التنوير بامتياز- ساهمت في إنتاج مواطنين منبوذين بلا شغف ومنفصلين عن الطبيعة مِن خلال العقلانية السامة للإرهاب الفرنسي صاحب النتاج المنطقي.

رغم هذا فإن التنوير كان فترة تظاهرت بالتنوّع؛ معظم فلسفتها كانت بعيدة عن الكانطية، ناهيك عن رؤية هيغل لكانط وفلسفته. الحقيقة أن هيغل ورومانسيي القرن التاسع عشر الذين آمنوا أنهم مدفوعون بروح جديدة مِن الجمال والإحساس استدعوا عبارة «عصر العقل» ليقدموا خدمة ساذجة للموقف المعارض لهم. فموضوعهم الكانطي لم يكن سوى رجل قش يمثل العقلانية الدوغمائية لعصر التنوير.

الفرنسيون والعواطف .. ثانيةً

في فرنسا، كان الفلاسفة في حالة غرام مع العواطف والأهواء وفي حالة ريبة عميقة مِن التجريدات. فبدلًا مِن اتخاذ العقلانية كوسيلة وحيدة لمواجهة الأخطاء والجهل، ركّز التنوير الفرنسي على الإحساس، ودافع العديد مِن المفكرين المتنورين عن نسخة أكثر تعددية وسيولة مِن العقلانية، نسخة تحافظ على استمرارية علاقاتها مع خصوصية الأحاسيس والتخيلات والمجسدات. إذ نظّر الفلاسفة ضد الفلسفة التخمينية -دائمًا رينيه ديكارت وأتباعه هم المقصودين- وأحضروا إلى الواجهة الجسد بوصفهِ نقطة الاتصال والانخراط العاطفي مع هذا العالم، وبإمكاننا أن نذهب بهذا التفكير حتى آخره لنقول أنّ التنوير الفرنسي ركّز على إنتاج فلسفة بدون عقلانية.

فمثلًا بالنسبة للفيلسوف «إيتين بونوت دي كونديلاك» ليس هناك معنى للحديث عن العقلانية بوصفها «مَلكة» فكل الجوانب الإنسانية تنمو وتكبر مِن خلال الشعور وبالأخص الانسياق نحو المشاعر السعيدة وتجنب تلك المؤلمة منها. أدت هذه الدوافع لرفع قيمة العواطف والرغبات، وساهمت فيما بعد في تطوير اللغات مُحققةً الازدهار الكامل للعقل.

ولتجنّب السقوط في فخ الصياغة الخاطئة، وللبقاء قريبين قدر الإمكان مِن التجربة الحسية، كان الفيلسوف كونديلاك مِن أنصار اللغات القديمة مُفضلًا إياها على تلك المُعتمدة على الأفكار المجردة. فبالنسبة لهُ تتطلب العقلانية المُتسقة مُجتمعاتٍ تطوّر طرقًا أكثر «طبيعيةً» مِن أجل التواصل، مما يعني أنها صيغة جماعية تتنوّع مِن مكان لآخر بدلًا مِن تواجدها بشكل جامد موحّد عبر الكون.

ديدرو وثنائية عقل- عاطفة

مِن الشخصيات البارزة في عصر التنوير الفرنسي كان أيضًا «دينيس ديدرو» المعروف بكونه المحرر للموسوعة الضخمة «اينسيكلوبيديا» بين عامي 1751 – 1772. كتبَ ديدرو العديد مِن المقالات الساخرة والتهكمية مُشيرًا لنفسه لتجنب الرقابة الفرنسية. ولم يخطّ ديدرو أطروحاته بطريقة مجرّدة، فإلى جانب كل مِن فولتير وجان جاك روسو والماركيز دو ساد، احترف ديدرو كتابة الرواية الفلسفية بالإضافة للخيال الإباحي والفن الساخر. وقبل قرن ونصف مِن كتابة القصة الشهيرة لـ «رينيه ماغريت» تحت عنوان: «هذا ليس غليون» كان ديدرو قد كتب قصة قصيرة تحت عنوان: «هذه ليست قصة».

آمن ديدرو في أهمية العقل للسعي نحو الحقيقة إلا أنه امتلكَ شغفًا كبيرًا نحو العاطفة خصوصًا فيما يتعلق بالمواضيع الأخلاقية والجمالية. إلى جانب الكثير من الشخصيات المهمة في التنوير الاسكوتلندي كديفيد هيوم، كان قد آمن أن الأرضية الأخلاقية ترتكز في صلبها على التجربة الحسية، إذ أن الأحكام الأخلاقية تتماشى ولو بصيغة غير واضحة مع الأحكام الجمالية. فنحن نحكم على جمال لوحة ما ومنظر طبيعي ووجوه أحبائنا كما نحكم على أخلاقية شخصية ضمن رواية أو مسرحية أو في حياتنا العادية حتى. نحن نحكم على قيم الخير والجمال دون الحاجة للرجوع إلى العقل، وبالنسبة لديدرو فإنّ التخلي عن العاطفة سيؤدي في النهاية لمقت شديد، فالإنسان الذي لا يتأثر بالأهواء والمشاعر سيكون مشوّهًا مِن الناحية الأخلاقية.

 العقل وقدراته: هل نحن نستخدم 10% فعلًا منه كما يشاع؟

نسقية العقلانية والعاطفة .. في خدمة التنوير

وبنفس الوقت فإن الاحتفاء التنويري بالشعور والأحاسيس لم يكن يعني أبدًا رفض العلم بل العكس تمامًا، فالشخص الأكثر حساسيةً واستقلاليةً سيكون مؤهلًا لأن يكون مِن أكثر المراقبين الأفذاذ للطبيعة، ويمكننا هنا أن نشبه الحال كمثال بالطبيب الذي يستمع لآلام المريض وأعراضه لكنه من ناحية أخرى يبني خطة العلاج بطريقة متينة. غير ذلك لن يكون سوى مَن يرى في الجسد مجرد آلة ميكانيكية، وسيكون كمَن يتعلم الطب بقراءة كتب أرسطو وليس برصد المرض. لذلك كان الشك الفلسفي تجاه العقلانية ليس رفضًا للعلم إنما رفضًا للعقلانية بمعزل عن الشعور ونفورها من الجسد وتوابعه، ولهذا كان الفلاسفة حينها أكثر ميلًا نحو الرومانسيين بدلًا مِن التصديق العقلاني الأعمى.

إطلاق التعميمات على الحركات الفكرية أمر محفوف بالمخاطر دائمًا، إذ تميّز عصر التنوير بشخصيات نسقيّة، إلا أنه حتى ضمن تلك الأنساق الواحدة لم يكن ذلك يعني التجانس وواحديّة الرأي. فأكّد بعض المفكرين على وجود شرخ كبير بين العاطفة والعقل مقدمين العقلانية على الإحساس – كانط أشهرهم – لكن وبهذا المنطق نجد أن كانط نفسه كان غريبًا عن مختلف الأنماط السائدة في الفترة التي عاشها. خصوصًا في فرنسا التي لم تكن فيها العقلانية مضادة للشعور إنما قائمة عليه وتستمر به. إذ كانت الحركة الرومانسية استمرارية لمشروع التنوير وليس فرامل تكبحه عن العمل.

فإن أردنا إذابة الشروخ بين الحركات التاريخية والمعاصرة، يجب أن نتخلى عن فكرة أن العقل والمخيلة وحدهما قد يستطيعا فعل ذلك، ولا بد مِن قراءة الحاضر بعين النقد، ولعل أفضل ما يتم البدء به هو تفنيد ما كان في عصر التنوير مِن وصفه عصرًا للعقل وحده، إنما تلاحم لعناصر شتى صبت جميعها في فترة تاريخيّة لتترك أثرًا ما زال مُستمرًا إلى الآن.

2

شاركنا رأيك حول "عكس المألوف: عصر التنوير لم يكن عصر العقل"