الأوكسجين الذي نتنفسه.. من أين يأتي حقًّا؟
0

إذا طرحنا الآن سؤال علميًّا بسيطًا: ما هو مصدر الأكسجين على سطح الأرض؟ الجواب بسيط أليس كذلك؟ الأشجار هي رئتا الأرض، أليس ذلك الجواب الذي سيجول في أذهان معظمنا لهذا السؤال؟ في الواقع إنه ثلث الجواب حرفيًّا! كلنا نحبُّ الطبيعة الخلّابة بحُلّتها وخضارها وألوانها الزاهيّة التي تشرح الصدور وتسرُّ الناظرين، ولكن القلادة الذهبية من نصيب عُنصرٍ طبيعيّ آخر سوى الأشجار، فمن هو فائزنا الأوّل؟

في الواقع إنه المحيط. هو الرئتان الحقيقيتان لكوكبنا، وعلى وجه التحديد العوالق التي تتواجد بكميّات هائلة والتي وتُعرف باسم البلانكتون، ولكن ما هي عوالق البلانكتون بالضبط؟ وكيف تمنحنا هذه العوالق ذلك الكمّ الهائل من الأكسجين الذي يفوق ما تطرحه جميع الغابات المطيرة على سطح الأرض مُجتمعةً؟

سنخوض في أجوبة الأسئلة السابقة ونسلّط الضوء على البلانكتون ونستعرض التفاصيل المُتعلّقة بهذا البطل الخفيّ في سطور هذا المقال.

الأكسجين على سطح الأرض

ما هي نسبة الأكسجين على سطح الأرض؟ 21% هو الجواب، وهي نسبة غاز الأكسجين في الجو في طبقة التروبوسفير التي نعيش بها، وغاز الأكسجين نقصد به هنا جزيء O­­­2 وليس الأكسجين النقي، لأن الأكسجين النقي سام للبشر!

في حين تبلغ نسبة غاز النيتروجين 78%، و1% المتبقّية هي نسبة الغازات الأخرى (بما فيها ثاني أكسيد الكربون والنيون وغاز الهيدروجين).

خرافة غابات الأمازون

الأوكسجين - غابات الأمازون

كلنا يعلم غابات الأمازون المطيرة في البرازيل والبيرو والتي تتميّز بمساحاتها الشاسعة والنُظم الحيويّة الثريّة، لا أبالغ إن قلت بأن ما يُشاع عن كون هذه الغابات هي رئة الأرض الأساسية لا يمت للعلم بصلة، فعلى الرغم من إنتاج الغابات الكبير للأكسجين، إلا أن الإنتاج لا يتعدى 6-9% من الإنتاج الكلي للأكسجين على سطح الأرض، إن كانت غابات الأمازون الهائلة تُتنج فقط هذه الكميّة فقط، فما هي كميّة الأكسجين التي تنتجها الغابات على سطح الأرض إذًا؟

تبلغ نسبة الأكسجين الذي تُساهم في إنتاجها الغابات والنباتات على سطح الأرض حوالي 20% فقط من الإنتاج الكلي، في حين يبلغ إنتاج الأكسجين من عضويات البلانكتون حوالي 80%، على الرغم من أن هذه الأرقام تقريبيّة إلى حدٍّ كبير.

لنزد من الشعر بيتًا عزيزي القارئ، هل تعلم ما هو الحدّ الأدنى من الأكسجين الذي لا يمكن للبشر العيش دونه إطلاقًا؟ الجواب هو 19.5%، ليس بذلك الفارق الكبير عن النسبة الطبيعية (21%)، أليس كذلك؟ ولكنها نسبة خطيرةٌ للحياة على البشر، ودونها يبدأ الخلل في معظم أجهزة الجسم الحيوية، لهذا فإن عوالق البلانكتون هي من دعائم الحياة الأساسية على كوكبنا، ومع ذلك فإننا نجهل عنها الكثير.

البلانكتون

أبريل 2013، التقط قمر أكوا التابع لوكالة ناسا الفضائية هذه الصورة الحقيقية للعوالق البحرية في خليج بسكاي قبالة السوحال الفرنسيّة.

البلانكتون – Plankton هو صنفٌ حيويٌ وصفي واسع يضمُّ مجمل الكائنات المجهرية وغير المجهرية التي تعيش في المحيطات (وتوجد كذلك في المياه العذبة) والتي لا يمكنها السباحة عكس التيارات البحرية، تُدعى الكائنات التي تحمل هذه الصفة بالعضويات البلانكتونية – Planktonic Organisms، وتشمل كلًّا من البكتيريا والطحالب والطُفيليّات، بالإضافة إلى الحيوانات البحرية الطافية أو العائمة (التي تنجرف مع التيارات البحرية) والتي تستوطن الأجزاء السطحية للمحيطات والبحار والمياه العذبة.

البلانكتون كما ذكرنا هو صنف وصفي وليس نوعيّ؛ بمعنى أن جميع العضويات -أيًّا كانت فصيلتها أو نوعها- والتي تشترك بصفة العضويات البلانكتونية، وهي العوم (عدم القدرة على السباحة عكس التيارات البحرية) والقيام بعملية التركيب الضوئي، جميعها تُعدُّ من البلانكتون.

أصناف البنلانكتون

الأوكسجين - البلانكيتون

يُصنّف العلماء البنلاكتون تبعًا للعديد من الصفات، منها الحجم والنوع وفترة الحياة، إلا أن التصنيف الرئيسي الذي يعتمده العلماء عند دراسة هذه العضويات هو وضعها في أحد صنفين، هما: العوالق النباتية – Phytoplankton والعوالق الحيوانية – Zooplankton.

العوالق النباتيّة فهي على الرغم من مسمّاها تضمّ كلًّا من حقيقيات النوى (تضمّ خلايا حقيقية بنواة حقيقية، مثل الطحالب) وبدائيات النوى (خلاياها لا تملك نواةً حقيقية، مثل البكتيريا الزرقاء أو الزراقم – Cyanobacteria)، هذه العضويّات تقوم بعمليّة التركيب الضوئي – Photosynthesis، والتي تتمثّل في تحويل الطاقة الشمسية (طاقة أشعة الشمس) إلى طاقة حيوية تعتمد عليها في بقائها، وفي خضمّ هذه العمليّة تستهلك هذه العضويات البلانكتونيّة ثاني أكسيد الكربون (المُنحل في الماء) وتطرح الأكسجين، وبما أن عمليّة التركيب الضوئي تعتمد اعتمادًا أساسيًّا على أشعة الشمس، فإن العوالق النباتية البلانكتونية تتواجد في الأجزاء السطحية لمياه المحيطات والبحار، حيث تصل إليها أشعة الشمس بالمقادير الكافية.

أما العوالق الحيوانيّة فهي تضمّ كلًّا من الحيوانات المجهرية، مثل قريدس البحر (أو ما يُعرف بمخلوقات الكريل – Krill) وحلزون البحر وديدان السطح، وصغار اللافقاريات والأسماك، بالإضافة إلى المخلوقات التي لا تستطيع السباحة عكس التيارات البحرية، مثل قناديل البحر. هذا النوع لا يستطيع القيام بعمليّة التركيب الضوئي، إلا أنه يُشكّل عُنصرًا أساسيًّا في السلاسل الغذائيّة للنُظم الحيويّة البيولوجية في المحيطات والبحار.

البلانكتون في خطر… والسبب هو البشر

للوهلة الأولى وعلى ضوء ما ذكرناه من دور البلانكتون في تنظيم نسب الأكسجين وثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، يبدو أن هذه المخلوقات لن تتأثر بتغيّرات نسب ثاني أكسيد الكربون فهي التي تسيطر عليها! إلا أن الواقع عكس ذلك فهي أولى المخلوقات تضرّرًا بالتغيّرات المناخيّة وفي مقدّمتها ظاهرة الاحتباس الحراري.

لماذا؟ قد تتساءل.

في الواقع إنَّ ارتفاع حرارة الطبقات السطحية لمياه المحيطات، الناجم عن الاحتباس الحراري العالمي، يقيّض -أو بشكلٍ أدقّ يخفّضُ- من كميّة الغذاء المُتاح للبلانكتون، وذلك لأن مصدر غذاء عضويات البلانكتون في الطبقات السطحية للبحار هو طبقات المياه الباردة الدنيا، وكما نعلم -فيزيائيًّا- فإن حركة وعمليّة اختلاط المياه الباردة بالساخنة تكون محدودةً وبطيئة؛ وبالتالي فإن الغذاء القادم من طبقات المياه الدنيا يكون أقل، وهذا بدوره يُؤثّر سلبًا على تكاثر ونشاطات البلانكتون الحيوية في استهلاك غاز ثنائي أكسيد الكربون وإطلاق الأكسجين، أتعلم معنى هذا عزيزي القارئ؟

هذا معناه أن نسب ثاني أكسيد الكربون ستستمرّ في التزايد ومعها ستستمر درجات حرارة مياه المحيطات بالارتفاع وسينخفض نشاط البلانكتون تباعًا، وهكذا. في حلقة كارثيّة حيويّة لا نهاية لها سوى تهديد الوجود البشريّ على سطح الأرض، فأعداد البلانكتون خلال العقد الماضي شهدت انخفاضًا حادًّا، وبالطبع قد لا تظهر لنا النتائج الكارثيّة جليّةً واضحةً خلال السنوات القادمة، ولكن حتمًا سيعاني أحد الأجيال القادمة من مشكلة وجوديّة حقيقيّة وسببها واقعنا الآن.

0

شاركنا رأيك حول "الأكسجين الذي نتنفسه.. من أين يأتي حقًّا؟"