شجرتي - شجرة البرتقال الرائعة
0

في أحداث رواية “شجرتي – شجرة البرتقال الرائعة” للكاتب البرازيلي “Jose Mauro De Vasconcelos – خوسيه ماورو دي فاسكونسيلوس” يعيش خوسيه الصبي المعجزة مع أسرته في البرازيل، يتقن القراءة في عمر الأربع سنوات دون أن يعلمه أحد، ويصير أنبغ التلاميذ في صفه رغم أنه أصغرهم، لكن ليس هذا وحده ما يميز خوسيه، فأكثر ما يجعله متفردًا هي رهافته وحساسيته العالية.

إلا أن رقة مشاعر خوسيه، وعذوبة قلبه، لم يغفرا له شقاوته وأخطاءه، فيتعرض إلى الضرب المبرح من أهله، ويعاني من الوحدة رغم كثرة إخوته، ومع ذلك يسعى كثيرًا إلى مقاومة الإهانة والفقر، فيحمل صندوق الأحذية الذي يرهق طفلًا صغيرًا في عمره، نحيفًا في وزنه، ليجني المال لعله يهدي والده هدية تدخل على قلبه السعادة في عيد الميلاد، رغم عدم حصوله هو على واحدة.

تستمر معاناة “خوسيه فاسكونسيلوس” حتى بعد أن يلتقي مع صديقه الكبير “فالداريس” الذي سيغير حياته إلى الأبد، إلى درجة أنه فكر جديًا في الانتحار ملقيًا بنفسه تحت عجلات القطار، فأي قهر تعرض له هذا الطفل!

شجرتي، شجرة البرتقال الرائعة

تتناول الرواية الفريدة “شجرتي – شجرة البرتقال الرائعة” طفولة كاتبها البرازيلي خوسيه ماورو دي فاسكونسيلوس، بأسلوب ممتع شديد العمق والحساسية، جعلني أرغب كثيرًا في تخطي عقبتي الزمان والمكان، لعلني أنقذ هذا الطفل، أو أربت على كتفه، أو ربما أمسح دموعه التي فاضت من عينيّ.

اقرأ أيضًا:

مراجعة رواية شجرتي، شجرة البرتقال الرائعة
غلاف رواية شجرتي، شجرة البرتقال الرائعة للكاتب البرازيلي خوسيه ماورو دي فاسكونسيلوس

قبل عيد الميلاد علم خوسيه أو “زيزا” كما ينادونه، أن شاحنة مكتظة بالألعاب ستأتي من المدينة، فتمنى أن يحصل له ولأخيه الصغير على هدايا خوفًا من أن يموت دون الحصول على واحدة، وبعد العديد من التوسلات لأخته الكبيرة وافقت أخيرًا على ذهابهما إلى الكنيسة، حيث تتجه شاحنة الألعاب، لتبدأ رحلة اقتناص فرصتهما الوحيدة للاستمتاع بهدية مجانية، لأنه يعلم أن أبيه الذي لم يتمكن من الالتحاق بأي وظيفة، لن يكون قادرًا على إهدائه أي لعبة.

“كنت حزينًا جدًا ومحبطًا جدًا إلى درجة أني فضلت أن أموت”.

فشل زيزا في الحصول على هدية عيد الميلاد لأنه وصل متأخرًا، فكانت خيبة الأمل كصفعة مبكرة على خده الرقيق، وعلى الرغم من قهر زيزا النابع من ألمه الجسدي والنفسي، قرر مواساة أخيه الصغير، وضمه إلى صدره، واستمر في تهدئته كأنه هو الطفل أب لأخيه الأصغر منه، وبدأ يعده بمنحه العديد من الهدايا حين يكبر ويمتلك المال، لكن ماذا عن زيزا؟ من سيواسيه ويضمه إلى صدره ويعده بحصوله على لعبته يومًا ما؟

“ما أشقى أن يكون للمرء أب فقير”. 

فقر زيزا وعائلته فرض عليه أن يتصرف كالكبار، وأن يختبر قسوة الحياة مبكرًا، ووسط الصعوبات من حوله كاد أن يفقد حلمه في أن يصير شاعرًا يومًا ما، فلم يتبق له سوى شجرة برتقاله الحلو، ليحكي لها عن أحلامه خارج حدود العالم الخانق الذي يحيا فيه.

كثيرًا ما وَلّد الفقر لدى زيزا شعورًا بالنقص خاصة حين يشاهد طفلًا لأبوين ثريين، يملك الهدايا، والملابس الجديدة، فيشعر بالشفقة على ذاته، وينظر بخجل لسوء حاله، فيقول عن جاره الغني: “شعرت بالخزي لقدميّ الحافيتين، لأنه كان ينتعل حذاءً ملمعًا، وجوارب بيضاء، ومطاطات حمراء. كانت الأشياء تنعكس على حذائه لفرط ما كان لامعًا حتى أنني رأيت عليها عينيّ أبي تنظران إلي”.

ومع حاجة زيزا وحرمانه، كان يتمتع بنفس أبية جعلته يرفض أن يُعامل كالشحاذين، لهذا كان يسعى للعمل رغم عمره الصغير وبنيته النحيفة.

اجتماع هذه العوامل سويًا كان له أشد الأثر في شعوره الدائم بسلب طفولته منه، وحين ننظر عن كثب، نجد أن الفقر هو العامل الأول وراء البراءة المسلوبة منه ومن كل الأطفال المحرومين من الحق في اللعب والحنان، وغيرها من متع الطفولة المشروعة.

اقرأ أيضًا:

يولد الأديب من رحم المعاناة

صورة للكاتب البرازيلي خوسيه ماورو دي فاسكونسيلوس صاحب رواية "شجرتي - شجرة البرتقال الرائعة"
صورة للكاتب البرازيلي خوسيه ماورو دي فاسكونسيلوس صاحب رواية شجرتي – شجرة البرتقال الرائعة

يقول الكاتب الألماني برتولد بريخت: “يجعلك الفقر حزينًا كما يجعلك حكيمًا”، أما في حالة زيزا، فقد جعله الفقر أديبًا، ولعل الحكمة والأدب وجهان لعملة واحدة، فنشأة زيزا القاسية، وانطلاقه نحو المغامرات، وخياله الخصب، كل هذه الأمور ساعدته على أن يصبح الأديب خوسيه ماورو دي فاسكونسيلوس، ليروي طفولته في هذه الرواية.

عشق زيزا خلال طفولته الاستماع إلى الحكايات، ورواية القصص لشجرته التي يعتبرها الصديق المفضل، بعد أن جمعت بينهما علاقة ساحرة، فيقول: “كنت مهووسًا بالحكايات. وكلما كانت الحكايات أكثر تعقيدًا أحببتها أكثر”، بالإضافة إلى أنه أحيانًا ما كان يحيا يومه كأنه داخل قصة ما، فيتخيل حديقة منزله غابة، ويرى في الدجاجة فهدًا أسود عليه أن يحمي أخيه منه.

حين يأس زيزا من حياته دخلها صديقه الكبير “فالداريس”، فاعتبره هو أبوه الحقيقي، بعدما أمات والده في قلبه، هذا الصديق أهدى زيزا قلمًا ليشجعه على تحقيق حلمه بالكتابة، وهو القرار الذي اتخذه الكاتب حين قرر أن يصبح أديبًا في الثانية والعشرين من عمره.

ربما لم يتوقع الطفل زيزا أنه حين يكتب رواية يروي فيها قصة طفولته المحرومة وتنشر عام 1968، أنها ستدرس في مدارس البرازيل، وينصح أساتذة المعاهد الفرنسية بقراءتها، وتُترجم إلى عدة لغات حول العالم، وأن تتحول إلى فيلم عام 2012، وأن تظل واحدة من أهم الروايات التي تصف البراءة والطفولة في ظل الفقر والحرمان ببراعة فائقة.

بوستر فيلم My Sweet Orange Tree 2012
بوستر فيلم My Sweet Orange Tree 2012

تتجلى براعة وصفه وقدرته على السرد على مدار أحداث رواية “شجرتي – شجرة البرتقال الرائعة”، خاصة في علاقته مع شجرته الصدوقة، ومغامراتهما سويًا، فالمتأمل لهذه العلاقة ولخيال هذا الطفل، يدرك أنه سيصير كاتبًا مبدعًا، فكان يتخيل أن داخله عصفورًا صغيرًا يغني ويساعده على اكتشاف العالم، وحين قرر أن يرسله لطفل آخر وصف هذا الإطلاق بطريقة شاعرية، فقال:

“طر أيها العصفور، طر عاليًا. اصعد وحُط على إصبع الله. سيرسلك نحو ولد صغير آخر وستغني لأجله مثلما غنيت لأجلي. وداعًا يا عصفوري الجميل!”.

الامتزاج الفريد بين الخيال والمعاناة وّلد لديه موهبة الكتابة الأدبية، ومنحه خيالًا واسعًا، فعوض شعوره بالوحدة بمصادقة الشجرة، واستعاض عن لعبه بجورب مثقوب صنع منه لعبته الباهرة، وفي النهاية تمكن من أن يصنع من قسوة طفولته رواية رائعة، وأن يكبر ليصير أديبًا مبدعًا. 

شاعرية اللغة في الرواية

الرواية هي جزء من رباعية كتبها “فاسكونسيلوس”، وركز فيها على حياة زيزا بمختلف مراحلها، وتميزت الرواية بأسلوب عذب ومتناسب مع طبيعة وعمر البطل الذي يروي الحكاية، وهو الطفل الصغير الذي يحمل تجاه العالم وجهات نظر فائضة بالحكمة والمشاعر، مما جعل الكاتب يصنف كواحد من أهم أدباء الأطفال، وترجمتها إيناس العباسي بطريقة مبدعة ساعدت على إيصال شعور الكاتب بعمق.

لم أملك أثناء قراءتي للرواية إلا أن أتعاطف مع زيزا، وودت أن أساعده بأي طريقة حين بغضت الفقر والحرمان والمرض وقسوة الحياة الذين تكالبوا جميعًا عليه معظم الوقت، وشعرت برغبة في أن يتحمل أحد مسؤولية معاناة قلب هذا الصغير الرقيق، الذي نادته معلمته بـ “يا قلبًا صغيرًا من ذهب”.

عانى البطل فوق الفقر من العنف بنوعيه البدني والنفسي، فكان إخوته الكبار يضربونه بقسوة، وأبوه يخرج غضبه وقلة حيلته على ذلك الطفل المسكين، الذي لم يكن عليه أن يتحمل عبء مجيئه إلى الحياة، كما أن من حوله كانوا يرون في شقاوته وطاقته الكبيرة شرًا وإثمًا، فاعتبروا أن الشيطان يتحكم فيه، ووصفوه بالثعبان والأفعى في كثير من الأحيان، حتى أنه كان يصدق أنه سيئ رغم طيبة قلبه وعطفه على من حوله في حدود إمكانياته الفقيرة والطفولية.

أجهشت بالبكاء خلال قراءتي لهذه الرواية، وظللت مأخوذة بأسلوب الكاتب الرقراق، خاصة أثناء فترة المرض التي عانى فيها زيزا حتى ظن أهله أنه سيموت، بعدما تعرض لصدمة بوفاة فالداريس أبوه وصديقه الذي جعله يدرك أن للحياة جانب رقة وعذوبة كما لها من قسوة وألم.

“عرفت فعلًا ما الذي يعنيه الألم. الألم ليس في تلقي الضرب حتى الإغماء. وليس في انغراز قطعة من الزجاج في إحدى قدميك تستوجب نقلك إلى المستشفى لرتق جرحك. الألم هو هذا الشيء الذي يحطم قلبك، الألم هو الموت دون القدرة على البوح بسرنا لأي كان”.

يعترف الكاتب “فاسكونسيلوس” في نهاية رواية “شجرتي – شجرة البرتقال الرائعة” إلى عزيزه الراحل فالداريس باجتياح شعور الطفولة له على الدوام، رغم أنه أثناء الرواية كان قد أتم الـ 48 عامًا، ويؤكد على استمرار الألم الذي نتج عن إدراكه المبكر للحياة. 

0

شاركنا رأيك حول "في رواية شجرتي شجرة البرتقال الرائعة: كيف يسرق الفقر طفولتنا؟"