كتاب مطرقة الساحرات
0

لعلك تشعر ببعض المبالغة في العنوان “مطرقة الساحرات: كتاب أشعل النار في أوروبا” ولكن نحن الآن أمام كتاب من مخلفات العصور الوسطى في أوروبا ويعد من أكثر الكتب شراً في التاريخ والذي امتد تأثيره نحو أكثر من 200 سنة من بداية نشره عام 1489.

ذاك الكتاب الذي يمكن وصفه (بالداهية) التي أصابت أوروبا، في واحدة من أبرز مظاهر الاضطهاد التي تمت في أواخر العصور الوسطى ضد المرأة، ألا وهي اتهام العديد منهن بممارسة السحر. فعلى مدار ما يقرب من ثلاثة قرون بسبب ذلك الكتاب، تم إعدام حوالي 40.000 ساحر حوالي 75% منهم كان من النساء.

اقرأ ايضاً:

من عزل كلينتون وحبس مبارك إلى إعدام سقراط.. محاكمات خالدة

كتاب مطرقة الساحرات وتاريخ السحر

نُشر كتاب مطرقة الساحرات في أواخر القرن الخامس عشر، ويعد من أهم الكتب في دراسة تاريخ السحر. الكتاب من كتابة جاكوب سبرنجر وهينريتش كريمر قسيسين من ألمانيا (ولكن بصفة أساسية يُنسب ذاك الكتاب لكريمر). ذلك الثاني الذي تم تعيينه من قِبل البابا والكنسية عام 1484 لمهمة القضاء على السحرة في جنوب ألمانيا.

ومن بعد كتابته لذلك الكتاب “مطرقة الساحرات”، أصبح يمثل الوثيقة والدليل الإرشادي الذي يستخدمه المُفتشين للقبض على السحرة، فلا يوجد محكمة في أوروبا كانت لا تحتوي على نسخة من ذلك الكتاب. فضلاً عن أنه صدر في أيام ثورة التقنية في عالم الطباعة، وأصبحت الكتب تصدر بآلاف النسخ، وكان هذا الكتاب أكثر الكتب انتشاراً بين الناس وتطبع الناس بأفكاره لسنوات طوال.

لماذا كُتب مطرقة الساحرات؟

مع بدايات سنة 1480 ازدهرت أعمال السحر كممارسات في أوروبا واشتدت ملاحقة السحرة من قبل المفتشين ومحاكم التفتيش، بل وأصبح يتم الخلط بين ممارسة السحر وبعض الممارسات الشعبية الأخرى، فكان لا يستطيع المفتشون التفريق بين تلك الممارسات الشعبية وممارسة بدعة السحر، فكان يتم أخذ كما نقول (عاطل مع باطل) بدون أدلة كافية. ما نتج عنه حالة من الجدال الدائم حول كيفية الحكم على ممارسات السحر وكيفية معرفة الأشخاص الذين يمارسون السحر حقاً ومن الذي لا يمارسه.

كتاب مطرقة الساحرات
كتاب مطرقة الساحرات: كتاب أشعل النار في أوروبا 

ولعل بعض الادعاءات تشير بأن كتابة الكتاب يرجع لمسألة شخصية أراد فيها كريمر إثبات نفسه فقط بعد واقعة حدثت له في بدايات ملاحقته للسحرة. فبعد تكليفه من قبل البابا والكنيسة الكاثوليكية لمحاربة الساحرات، حيث كان يظهر عداءه الشديد للساحرات وأي ممارسات أخرى مخالفة للنصوص والأحكام الكاثوليكية، ما جعله يشن حملة اعتقالات على العديد من الأشخاص -وتحديداً النساء- وتقديمهم أمام المحكمة. ولكن لم يقدم كريمر الأدلة الكافية ضدهم فأطلقت المحكمة قراراً عام 1485 بإخلاء سبيل كل السيدات والأشخاص الذين تم اعتقالهم من قبل كريمر.

من بين هؤلاء المعتقلين كانت توجد امرأة تسمى هيلينا شيوبيرين والتي كانت معادية له بشراسة، فكانت تمنع الناس من حضور خُطبه في الكنيسة وكانت تطلق لسانها في المفتشين الأغبياء -الذي كان من ضمنهم- فألقى القبض عليها في حملاته أيضاً. على الرغم أنه لم يكن لديه دليل حول إدانتها، أخذ يتهمها بممارسة الجنس وبعض الأمور الأخرى التي كانت نابعة من كرهه لها، ولكن المحكمة أصدرت قراراً بإخلاء سبيلها، حيث لا وجود لدليل على ارتكابها لجريمة السحر بما فيهم الادعاءات التي صرح بها كريمر ضدها.

ومن هنا جاء كريمر لكتابة “مطرقة الساحرات”، والذي كان بمثابة الحل للتوتر الذي كان يحيط بالمجتمع من أعمال السحر منذ بدايات القرن الخامس عشر. وتم نشر الكتاب في ذروة أعمال السحر وحملات المطاردة وكان سبباً رئيسياً في زيادة تلك الحملات لملاحقة السحرة بعد نشره. فما الذي يقدمه ذاك الكتاب إذاً؟

تأثير كتاب مطرقة الساحرات

كتاب مطرقة الساحرات ألهم العديد من النصوص التي تمت في ذلك الوقت وبعدها، علاوة عن مطاردة الساحرات التي استمرت لقرنين. كما أدى إلى ازدياد أعداد المحاكمات بتهمة السحر في محاكم التفتيش والتي لم تكن شائعة مقارنة بالفترة التي سبقته. وعلى الرغم من تبني الكتاب من قبل الكنسية ومحاكم التفتيش، لكنه كان يواجه النقد من قبل علماء وفلاسفة ومحاميين معاصرين في تلك الفترة، ولكن آراءهم تلك كانت قلة -كالعادة- بين جموح الناس المغيبة وسط تلك الخرافات، فالاعتراض أو النقد يعني نقداً للكنيسة والدولة وهذا ما يمكن أن يؤدي لعواقب، تصل لحد الإعدام.

اقرأ أيضاً:

أوروبا التى لا تعرفها: محاكمات جنونية يصعب تصديقهـا وقعت في القرون الوسطى

ما يقدمه كتاب مطرقة الساحرات

يمكن تقسيم كتاب مطرقة الساحرات إلى ثلاثة أجزاء. (الجزء الأول: طبيعة ممارسات السحرة، ثانياً: محاكمات الساحرات، ثالثاً: الموقف تجاه المرأة).

أولاً: طبيعة ممارسات السحرة

أنت كاثوليكي، إذاً فأنت تؤمن بالسحر وأخطاره، وإذ لم تكن تؤمن به وبأخطاره فأنت مهرطق من الدرجة الأولى. هكذا كانوا يتعاملون مع السحر، كأكثر الأعمال شراً وأبشع البدع ويجب إيقاف ذلك الشر. وقدم كريمر على ذلك أربعة أسباب رئيسية لاتهام السحرة: 1- السحرة يهبون أجسادهم وأرواحهم للشيطان 2- التخلي عن الإيمان 3- ذبح الأطفال من أجل إرضاء الشيطان 4- السحرة يقومون بعلاقات جنسية مع الشيطان. وغالباً ما كان ممارسو السحر من النساء والتي تكون ميولهن شيطانية.

لم تكن هذه أفكار كريمر وحده بل كان هناك حالة من الذعر الاجتماعي تجاه السحر والسحرة، ما ألحقها ببعض الاعتقادات التي يمارسونها السحرة. فالسحرة مثلاً يقدمون الشوفان لبعض الذكور المخصيين، ويسنون السكاكين بالحليب، ولديهم ما يعرف بوثيقة الشيطان وهي وثيقة تعهد بين الساحر والشيطان وحاملها يستطيع أن يفعل ما يشاء وقتما أراد. كل هذه أمور وغيرها كانت من ممارسات السحرة في اعتقاد المجتمع بما فيهم كريمر.

ثانيًا: محاكمات الساحرات

كتاب مطرقة الساحرات: الكتاب الذي أشعل النار في أوروبا
كتاب مطرقة الساحرات: محاكمة الساحرات

اعتمدت أدلة محاكمة الساحرات على ثلاثة أنواع من الأدلة وهم: اعتراف الشخص ذاته بأنه ساحراً -غالباً ما كان يتم تحت التهديد- مشاهدة أحلام وظواهر غريبة خارقة للطبيعة، والأخير هو أن يشهد اثنين بأنهم قد رأوا المتهم يمارس السحر.

يعتقد كريمر بأن السحرة يجب أن يعاملوا في القانون كمعاملة من يعيبون في الذات الإلهية، فهي لا تقل عنها في شيء، وعلى الرغم من أن السحر يعتبر في المقام الأول من جريمة الشيطان إلا أن من قام بها هو الشخص ذاته وهو الذي يستحق العقاب. وقد كان الحكم الذي يصدر بغير رجعه عن السحرة هو الإعدام.

أما عن المغفرة الوحيدة التي كانوا يتلقوها السحرة عند المحاكمة إذا اعترفوا بخطيئتهم، هي أن يسامحهم الضحايا على ما ارتكبوه. لعلك تتساءل ما هذا العبث؟ ولكن إبراز المسامحة من ضحايا السحرة، كان يعد بمثابة -شبه ضمان- لمغفرة أكبر وهي مغفرة الإلهة.

ثالثًا: الموقف تجاه المرأة

عذراً لأصدقائنا النسويين عما سيتم عرضه الآن من تهميش واتهامات للمرأة، ولكن نحن فقط نستعرض ما يقصه علينا كتاب مطرقة الساحرات وبعض الاعتقادات في تلك الفترة عن المرأة. الكتاب يعتبر نصاً معادياً للنساء، حيث أنه يزعم بأن السحر بالكامل ينبع من الشهوة الجسدية والتي تكون موجودة دائماً لديهن فضلاً عن عدم قدرتهن على التحكم في عواطفهن، وكانت تلك وجهة نظر شائعة وقتها. فالساحرة هي أي امرأة تخالف صفات المرأة المعروفة لديهم كالضعف والانكسار والتي لا يكون لها رأي، أي أن الساحرة هي شخصية قوية مستقلة تستطيع الدفاع عن نفسها تحت أي ظرف.

ولكن لماذا يعادي الكتاب المرأة بالتحديد ولماذا أغلب السحرة من النساء؟ السبب الأول: هو لعله الكاتب نفسه وما مر به من مواقف جعلته يعادي النساء (تذكر واقعة هيلينا شيوبيرين). السبب الثاني (نظرة النخبة أو المتعلمين في العصور الوسطي): أنه يوجد ثلاثة أشياء في الطبيعة لا تحتمل الوسطية أما هي خيراً مطلقاً أو شراً مطلقاً وهم: اللسان، الكهنة، النساء.

فعندما تحكمهم روح صالحة؛ يظهرون أقصى ما يمكن في الفضيلة، ولو كانت الروح شريرة؛ فإنهم ينغمسون في أسوأ الرذائل الممكنة من ضمنها السحر. فضلاً عن أن المرأة -بطبيعتها- تميل لتصديق الخرافات أكثر من الرجل، وأكثر سذاجة وتأثراً من الرجل؛ لذلك كان يستغل الشيطان النساء أكثر من الرجال، ويهاجم أرواحهن.

كل هذه الاعتقادات كانت منتشرة لدى الكثير من الأشخاص في ذلك الوقت، ما جعل السحر مقترناً دائماً بالمرأة أكثر من الرجل. علاوة على ذلك، بعض علماء اللغة يعتبرون مسألة ربط السحر بالمرأة دائماً حتى يومنا هذا كان بسبب موقف ذلك الكتاب من النساء.

وفي النهاية.. مطرقة الساحرات كتاب يكشف لنا سبب وكيفية تبجيل السحر والسحرة كعدو خطير وغامض في القرن الخامس عشر، فهم العدو الأول لله وللبشر؛ بسبب تعاونهم مع الشيطان لارتكاب الجرائم. فهو يكشف لنا الأسس والأساليب التي كانت تستخدم في المحاكمات ومعرفة الساحرات لفترة استمرت قرنين من الزمن، لذلك لا تخلو أي دراسة من تاريخ السحر بالاطلاع على ذاك الكتاب المُثير.

لك أيضاً:

أخطر كتب السحر التي أثارت جدلاً واسعاً عبر العصور!

0

شاركنا رأيك حول "مطرقة الساحرات: كتاب أشعل النار في أوروبا خلال العصور الوسطى"