الجينوم - الجينات
0

ربما تُصيبك الدهشة إذا أخبرتك بحقيقة بسيطة تفيد بأنّ البشر والموز يتشاركان في الجينات بنسبة تصل إلى 50% أو 60%. بالرغم من أنّ أحدهما نبات والآخر يندرج في تصنيف مملكة الحيوان، إلا أنهما يشتركان في هذه النسبة الكبيرة من الجينات. لكن من أين أتت هذه المعلومة، وما مدى صحتها؟ قبل الإجابة على هذه الأسئلة علينا طرح بعض المعلومات المهمة.

اقرأ أيضًا: الجينات والإنسان.. رحلة ثوريّة لا تخلو من المخاطر

ما هو الجينوم؟

الجينوم - الجينات
الجينوم

لنقم بجولة في جسم الإنسان ونتعرف على الجينوم عن قرب. تتكون أجسام البشر من ملايين الخلايا، عندما نتعمق داخل تلك الخلايا أكثر، نلاحظ وجود مجموعة من العضيات، منها عضية مُحاطة بغشاء نووي تُسمى النواة، بداخل تلك النواة نجد الحمض النووي الذي يشتمل على مجموعة هائلة من الجينات. يُكوّن ما يُعرف بالجينوم.

تستطيع هذه الجينات التحكم في الصفات الظاهرية للإنسان، واكتُشف حديثًا أنها تؤثر أيضًا على بعض الصفات الباطنية كالسعادة والاكتئاب والذكاء وغيرها. وبذلك نستطيع القول بأنّ الجينات لها اليد العليا في التحكم بالإنسان، فالجينوم هو المسؤول عن إعطاء التعليمات التي توّجه الخلية لأداء وظيفة ما. كما أنه يحتوي على المعلومات التي يحتاجها الجسم للنمو والتطور.

اقرأ أيضًا: الإيبيجينوم – علم التخلّق.. ما وراء علم الجينات !

تشابه الجينوم

الجينوم - الجينات

يتكون الجينوم البشري من 3 مليار قاعدة أساسية، منها نسبة ضئيلة للغاية تُمثل 0.1% تقريبًا، هي التي تُميز الإنسان عن غيره من الكائنات الأخرى، إذ يتشابه الجينوم البشري مع الكائنات الحية بنسبة 99.9! إنه لأمر غريب حقًا، أليس كذلك؟

في عام 2005، كشفت إحدى الدراسات عن تشابه الشمبانزي مع البشر بنسبة 96% من الجينوم. والأدهى من ذلك هو أنّ القطط تتشابه مع البشر بنسبة أكبر مما تتخيل، إذ تصل نسبة تشابه جيناتها مع الإنسان حوالي 90%. كما تُشير إحدى التقارير التي صدرت عن مجلة ساينس “Science” عام 2009 إلى أنّ الماشية المستأنسة تتشارك مع البشر تشابهًا جينيًا بنسبة 80%.

وفي حالة الحشرات، فقد كشفت الدراسات إلى وجود تشابه كبير بين جينات البشر والحشرات. فمثلًا، ذبابة الفاكهة تشترك مع البشر في حوالي 61% من الجينات المسببة للأمراض. وهي معلومة مهمة للغاية، استفادت منها وكالة ناسا في دراسة ما يحدث لجينات الإنسان عندما يسافر الفضاء الخارجي.

تشابه جينات الموز مع الإنسان

الجينوم - الجينات

هناك رأي لمجموعة من العلماء والباحثين يفيد بأنّ أنواع الحياة المختلفة قد تطورت من سلف مشترك، وهذا يُفسر سبب مشاركة البشر مع الكائنات الحية الأخرى في تسلسل الحمض النووي. فمثلًا، عندما نعود للوراء ملايين السنين بعد انقراض الديناصورات، نجد أنّ السلف المشترك للثدييات واحد، أما في حالة الموز، فعلينا العودة بالزمن للوراء أكثر من ذلك، عندما كان الحيوان والنبات ما زالا متحدين في سلف مشترك واحد قبل أن يتطور كل منهما إلى صورته النباتية أو الحيوانية، أي أنّ الإنسان يشترك مع الموز في سلف مشترك يعود عمره لفترة زمنية طويلة للغاية.

لكن هل هذا يعني أنّ الإنسان يعود أصله إلى موزة مثلًا أو العكس؟ حسنًا، تشير العديد من الدراسات إلى أنّ الإنسان لم يتطور من مخلوق قبله، وإنما جاء البشر من زوجين عاشا على سطح الأرض منذ فترة زمنية تتراوح ما بين 100 إلى 200 ألف عام. وهذا لا يتفق مع فكرة السلف المشترك الذي ذكره داروين في كتاب أصل الأنواع منذ ما يزيد عن قرنين من الزمان، ويشكك في نمط تطور البشر. وما زال هذا الأمر موضع جدل في الوسط العلمي حتى يومنا هذا.

إذا كان الأمر كذلك، ما سر تشابه البشر مع الموز في الجينات؟ في البداية علينا التفريق بين الحمض النووي والجينات (وهنا مربط الفرس)، حيث أنّ الجينات ما هي إلا جزء من الحمض النووي، وعلى مستوى الحمض النووي البشري، نجد أنّ الجينات تمثل 2% فقط من الحمض النووي، هذه النسبة الصغيرة هي التي تتحكم في كل شيء تقريبًا، ووجدت نسبة 8% من الحمض النووي تساعد في تنظيم الجينات، بينما ما زالت النسبة الكبيرة المتبقية، والتي تُمثل 90% غير معروفة الأهمية.

وفي هذا الصدد، صرح مايك فرانسيس، طالب دكتوراه في المعلوماتية الحيوية بجامعة جورجيا قائلًا: “هذه الأجزاء من الحمض النووي، عادةً ما نشير إليها بالحمض النووي غير المرغوب فيه”. فهي مجهولة الاستخدام أو غير معروف دورها الآن، أم أنّ دورها انتهى منذ فترة، أم أنّ وجودها حتى وإن لم تقم بدور واضح مهم. مع ذلك، فإنّ كل هذه التخمينات غير مؤكدة.

وبذلك عندما نقول الموز يشترك معنا نحن البشر في الجينات بنسبة 50% أو 60%، فهذه إشارة إلى نصف الجينات تقريبًا التي تمثل 2% فقط من الحمض النووي كاملًا، أي أنّ نسبة تشابه الموز مع الحمض النووي خاصتنا بأكمله تمثل 1% فقط، وليس 50% أو 60% منه.

ما زال الأمر مُحيرًا، حتى وإن كانت نسبة تشابه جينات الموز بسيطة إلى هذا الحد، فهي تمثل 50% من الجينات الفعلية التي تتحكم في حياتنا! أي أنها ليست نسبة صغيرة عندما نُصوّب أعيننا تجاه أهميتها. فهي تتحكم في حياتنا كلها تقريبًا.

حسنًا، لنُقرب الفكرة أكثر. يتجاهل الكثير منا بعض الحقائق منها أنّ الجينات ليست مسؤولة فقط عن الصفات الظاهرية مثل لون الشعر أو العين أو البشرة… إلخ، ولكنها تساهم في العمليات الضرورية لكل من الموز (أو الكائنات الحية بشكلٍ عامٍ) والإنسان، مثل استهلاك الأكسجين، أو بعبارة أخرى، العمليات الحيوية الأساسية لحياة كل منهما، والتي من دونها لن يستطيع أحدهما المضي في الحياة. أي أنّ نسبة 50% التي يتشارك فيها كلاهما هي المطلوبة للحياة.

ومن ذلك نخلص إلى أنّ الصورة التي تخيلتها عندما قرأت عنوان المقال ليست صحيحة بنسبة كبيرة، خاصةً بعدما فرقنا بين الحمض النووي والجينات. قد تكون فكرة أنّ الجينات تمثل 50% أو 60% فكرة مقبولة أكثر الآن.

اقرأ أيضًا:  تقنية كريسبر على مائدة نوبل 2020..ماذا لو استطعنا القضاء على كافة الأمراض الوراثية؟

0

شاركنا رأيك حول "صدق أو لا تصدق.. يتشارك البشر والموز في الجينات بنسبة 50%"