أشهر شوارع بيع الكتب القديمة في الوطن العربي
0
تنتشرُ أشهر شوارع بيع الكتب القديمة في بعض مناطق الوطن العربيّ لتمثل دعامةً أساسيةً للثقافة، والمعرفة، وكنزًا ثمينًا من المخطوطات والمطبوعات النادرة التي لا يوليها الكثيرون اهتمامًا يُذكر.

من بعيدٍ يبدو المشهدُ مألوفًا: طاولاتٌ، وكتب مصفوفة، وبضاعة على الرّصيف، وباعةٌ يسوّقون لمنتجاتهم بصوتٍ عال: لا شكّ أنه سوق عاديّ كباقي الأسواق؛ لكنّه بالنسبة لعشاق الكتب عامة، وعشاق شوارع بيع الكتب القديمة خاصةً ملاذٌ آمنٌ ثمينُ المحتوى نادرُ الوجود.

لكلّ مولع بالأزقة الضيّقة، سآخذكم عبر هذا المقال في جولة شيّقة تعريفيّة عبر أشهر شوارع بيع الكتب القديمة في بعض مناطق الوطن العربيّ.

اقرأ أيضًا:

هل قراصنة الكتب «لصوص»؟ أم هم بمثابة «روبن هود» المثقفين؟

قبل ذلك: فيم تتمثل قيمة شوارع بيع الكتب القديمة؟

شواع بيع الكتب القديمة
شواع بيع الكتب القديمة بديل ممتازٌ لكلّ من لا تسعفه الظروف لشراء الطبعات الجديدة غالية الثمن.

المميّزُ في المكتبات المنتشرة في الشوارع القديمة هو أنّها مركزٌ أساسيّ لكلّ ما قلّ أو انعدم من كتبٍ قديمة، ومخطوطات ومذكرات؛ فجميع الكتب التي أصبحت لا تباع في المكتبات، أو لا تطبع تكون موجودة هناك، على غرار المؤلفات الممنوعة أصلًا من النشر والبيع. كما أنها محتوى ثريّ متنوع يحوي كافة أنواع الكتب بمختلف مجالاتها.

كما تكتسب قيمةً تاريخية كبيرة نظرًا لقدم سن البعض منها، فشارع المتنبي في بغداد مثلًا، يعود تاريخه إلى العهد العباسيّ.

ولعلّ عامل السعر الزهيد هو الذي يكسبها أهميةً فوق أهميتها، ويعطيها أولوية على باقي المكتبات؛ إذ تباع نفس العناوين المنتشرة خارجها بنصف الثمن، وأحيانًا بثلثه، فهي بديل ممتازٌ لكلّ من لا تسعفه الظروف لشراء الطبعات الجديدة غالية الثمن.

اقرأ أيضًا:

تودّ لو كنت تقرأ أكثر؟ تعرّف على 20 نصيحة بسيطة لتحويل القراءة لعادة يومية

أشهر شوارع بيع الكتب القديمة في الوطن العربي

من الشام لبغدان، ومن مصرَ فتطوانِ (المغرب): هنا تنتشر أشهر وأعرق شوارع الكتب القديمة، نستهللها بـ:

 سور الأزبكية بمصر: ثقافة الرصيف التي لا تموت

مكتب في سور الأزبكية بمصر - أشهر شوارع بيع الكتب القديمة
مكتبة في سور الأزبكية بمصر.

كيف تحولت استراحة بائع كتبٍ  أمام السور، إلى معلم ثقافيّ يزوره الناس من مختلف أنحاء العالم؟

يخبرنا التاريخ أنّ البداية كانت مع باعة كتب متجولين يعرضون بضاعتهم في الأحياء والمقاهي التي يرتادها المثقفون، كمقهى ماتاكيا بالقاهرة، وفي فترة القيلولة يستريح هؤلاء فوق السور الذي يحيط حديقة الأزبكية البالغة من العمر ستّة قرون، والتي بناها الخديوي إسماعيل في إطار ما سمّاه بالقاهرة الجديدة وجلب لها نباتاتٍ من مختلف بقاع الأرض.

وكان أوّل هؤلاء الباعة، هو أحمد الحكيم الكتبجي سنة 1926، ليلحقه بعد ذلك الكتبجية الآخرون (الكتبجي مصطلح يقصد به باعة الكتب)، ويتخذوا من السّور مستراحًا لهم. هذا الأخير الذي تحوّل مع مرور الزمن إلى مكان أساسي لبيع الكتب، خاصةً بالتزامن مع انتشار الطباعة بمصر في مطلع القرن العشرين، وتشجيع طبع الكتب وبيعها.

وقد تجاوز هذا السور جميع المحن؛ من الحريق الهائل الذي حدث في القاهرة سنة 1951 وأودى بآلاف الكتب، إلى الصّراعِ الدائم بين الباعة والسلطة بمختلف مراحلها: الانجليز، والملكي، والجمهوري فيما بعد، وذلك نظرًا للمنطقة الاستراتيجية للسور والقريبة من الأوبرا والحديقة، التي يزورها كبار الشخصيات.

صورةٌ قديمة لسور الأزبكية - أشهر شوارع بيع الكتب القديمة
صورةٌ قديمة لسور الأزبكية، أين تشهد الكتب إقبالًا واسعًا.

بيعت العديد من الوثائق المهمة والقديمة للسّور منذ أكثر من مرة، خاصة في الفترة المزامنة لثورة الضباط الأحرار، كما بيعت مكتباتٌ بأكملها بعد موت صاحبها، مثل مكتبة سلامة موسى، وقيل أنّ العقاد باع مكتبته للسّور أكثر من مرة، فقد كان يرتاد السور جميع الطبقات من المثقفين وغيرهم.

يضمّ السور حاليًا أكثر من 132 مكتبة، وتتمّ فيه جميع العمليات من بيع وشراء وتبادل، ولن تنس ذاكرته بأنّ هؤلاء الكتاب والأدباء اللامعين أمثال: العقّاد، وطه حسين، والمازني، ونجيب محفوظ وغيرهم ممن تباع كتبهم في السور اليوم قد كانوا هم أنفسهم روّاده بالأمس!

شارعُ المتنبي ببغداد: صمود الثّقافة في وجه الهجمات

شارع المتنبي ببغداد - أشهر شوارع بيع الكتب القديمة
أشهر شوارع بيع الكتب القديمة: شارع المتنبي ببغداد: صمودُ الثقافة في وجه الأزمات.

“شارع الكلمة والثقافة”، هكذا يطلق على هذا الشارع الذي يعود تاريخه إلى العصر العباسي، عندما كان يسمى بسوق الوراقين، وكان مركزًا لحركة التأليف والترجمة التي شجعها الخليفة العباسيّ المأمون لإعمار بيت الحكمة.

يقع شارع المتنبي في الضفة الشرقية لنهر دجلة ببغداد، مُجَاورًا لبناية القشلة، سليلةُ العهد العثماني التي بنيت سنة 1852 وكانت ثكنةً للجنود، ومقهى الشابندر الذي فتح سنة 1917.

تنوّعت أسماء الشارع: فكان يعرف بدرب القلغ، ثمّ سوق السراي أو الورّاقين، ثمّ شارع حسن باشا، إلى أن سُمي أخيرًا بشارع المتنبي من طرف الملك غازي سنة 1932 ونصب تمثال المتنبي بجواره.

عانى الشارع المحتوي لأكثر من 100 مكتبة من طعنات كثيرة، خاصة بعد الغزو الأمريكيّ للعراق سنة 2003، وفي 05 مارس 2007، حدث هجوم بسيارة ملغمة في وسط الشارع، أدى إلى موت العشرات وإلى تدمير المكتبة العصرية العتيقة التي تجاوز سنها المئة سنة.

أعقبت ذلك مبادرة “شارع المتنبي يبدأ من هنا” التي أطلقها الشاعر “بو بوسولي” الذي كان من رواد الشارع وأحد المعارضين لسياسة جورج بوش في سان فرنسيسكو الأمريكية تضامنًا مع أهل الشارع الذين لقوا حتفهم، ومع الثقافة والكتاب.

لم أكن أختلف عن أي عراقيٍّ يُعَانِي من تِلكَ المَأْسَاة.

وتقضي المبادرة بجمع الفنانين والأدباء من كل أنحاء العالم لإنجاز كتاب يحوي أعمالًا فنية معبرة عن مأساة التفجير.

أيُ نِقَاشَاتٍ تتشكّلُ حَولَ أقداح الشَّاي

هُنَا فِي زُقاقٍ اسمُه المتنبي

يُمكِنُ للمرءِ أَن يَرَى فِي مَقهَى الشَّابندر

كَيفَ يُصبِحُ الشَّاعِرُ نَفسَهُ دِيوَانَ شِعْر — الشاعر الإيرانيّ روجر سدَارَات

اقرأ أيضًا:

ملتقى الموصل للكتاب: مبادرة ثقافية تعيد الكتب إلى الموصل بعد هزيمة داعش (حوار)

نَهجُ الدّبَاغين بتونس: من بيعٍ للجلود إلى بيعٍ للكتب

نَهجُ الدّبَاغين بتونس
أشهر شوارع بيع الكتب القديمة: نَهجُ الدّبَاغين في تونس.

يقع الشارع في العاصمة التّونسية، ويعتبر مقر ربط بين المدينة القديمة والشارع الأوربي الحديث الذي بناه الاستعمار الفرنسيّ.

كان في الأصلِ مكانًا لبيع الجلود ودبغها، وهذا هو سرّ تسمية “نهج الدّباغين”، ثمّ تحول -لحسن الحظ- إلى شارع لبيع الكتب، بعد استقلال تونس سنة 1956، فبقي الاسم وتبدّلت الحرفة.

تنتشر فيه كتبٌ بجميع اللغات، ويعد بالفعل أرشيفًا لكلّ قديمٍ نادر، غير أنّ بائعي الكتب يشتكون فيه من غلاء ثمن إيجار المحلات، مقابل انخفاض نسبة القراءة للكتاب الورقي بتونس خاصّةً في السنوات الأخيرة مع انتشار الكتاب الالكتروني pdf.

شارع الحلبوني: مركزُ الكتاب في دمشق

شارع الحلبوني في دمشق.
أشهر شوارع بيع الكتب القديمة: شارع الحلبوني في دمشق.

من تونس نعود إلى سوريا، إلى وسط دمشق أين يقع شارع الكتب الشهير المعروف بشارع الحلبوني والممتدّ من الجسر الرّئيس إلى ساحة الحجاز، وصولًا إلى البرامكة.

يعود تاريخ الشارع إلى مطلع القرن العشرين، عندما انتقلت عائلة الحلبوني الغنيّة إلى تلك المنطقة الخالية نوعًا ما من السكان، لبناء منزل يتّسع لحجمها الكبير.

في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، بدأ يتغير ملمح الشارع ويأخذ منحى تجارة الكتب التي بلغت ذروتها في التّسعينات، وصارت محطّ الرّحال من جميع محافظات سوريا.

يحتوي الشّارع على أكثر من 100 مكتبة لبيع الكتب، ودور نشر وطباعة، غير أنّه ومع سنوات الحرب في سوريا بدأ يفقد توهجه وتألقه بسبب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، هذا الشارع الذي كان منارة علمٍ طوال عشرات السنوات: فمتى سيعود يا ترى؟

أسواق الكتب بالمغرب: اللّيدو وساحة السراغنة ومئةٌ غيرها

شارع اللّيدو بالمغرب.
شارع اللّيدو بالمغرب: عندما يكون للأوراق الصفراء حديثٌ خاصّ.

في المغرب أكثر من مئة سوقٍ لبيع الكتب المستعملة، أشهرها الليدو بمدينة فاس والمعروف بالحفرة نظرًا لوجوده في مكان منخفض، والذي مرّت عليه عشرات السّنوات من العطاء والثقافة ويشهد إقبالًا كبيرًا خاصة من طرف طلبة الجامعات.

إضافةً إلى ساحة السراغنة بالدار البيضاء، التي تحوي أكثر من 300 ألف عنوان والتي تميزها رائحة الكتب القديمة والأوراق الصفراء المحددة لثمن كتابها، فكلما كان الكتاب أقدم كان ثمنه أعلى. على غرار سوق أكدال والبحيرة بمراكش، وسوق القريعة بدرب السلطان، وسوق باب الأحد بالرباط، والكثير غيرها.

وتعد تجارة الكتب المستعملة في المغرب الأكثر انتشارًا وازدهارًا، إذ يأتيها المشترون من جميع أنحاء الوطن العربي نظرًا لغزارة المحتوى، وتنوع العناوين، وتوفر الكتب النادرة جدًّا والثمينة.

هذه الشوارع التي ذكرناها هي الأشهر في الوطن العربيّ، ومع ذلك توجد في باقي الدول العربية مكتباتٌ قديمة ومناطق محدّدة لبيع الكتب، كأرصفة صنعاء باليمن التي صارت مؤخرًّا تعجّ بالكتب رغم الحربِ، والقصف.

في الختام، يبلغ معدل قراءة الفرد العربيّ سنويًّا ربع صفحة فقط بحسب دراسةٍ أجرتها مؤسسة الفكر العربيّ، وتبعًا لتقرير قامت به اليونسكو فإنّ معدل قراءة الطفل العربيّ يبلغ ستّ دقائق سنويًّا!

والسّؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل الأزمة أزمة وعيٍ أم أزمة انعدام المادة؟

لك أيضًا:

لماذا لا يقرأ العرب؟ أسباب العزوف عن القراءة ومنسوبها المُتردّي عربيًا

0

شاركنا رأيك حول "لكلّ مُولعٍ بشوارع بيع الكتب القديمة: سور الأزبكية بمصر ليس المثال الوحيد!"