اضطراب الشخصية الحدية
0

مَن مِنا لا يعرف حكايات “ألف ليلة وليلة”، التي تسرد لنا مجموعة القصص الممتعة على لسان الراوية “شهرزاد”. تبدأ الأحداث بالملكِ “شهريار” الذي يعيش حالة سيئة بسبب خيانة زوجته، وتتوالى سلسلة من الأحداث يظهر خلالها حقد شهريار على النساء جميعًا، حتى جاء دور شهرزاد، التي استطاعت إلهَاءه عن قتلها بالقصص والحكايات المُسلية.

“لا بحبك ولا أقدر على بُعدك”

كان شهريار ينتظر رواياتها كل ليلة، لكن هل هذا يعني أنه وقع في حُبها حقًا؟ لا أظن، أنا لا أؤمن بأنّ الحب يأتي من أول نظرة أو بين ليلة وأخرى. لكن نستطيع القول بأنه أصبح محتاجًا للتسلية بحكاياتها المشوقة، فأصبحت العلاقة أشبه بمقولة: “لا بحبك ولا أقدر على بُعدك”. وتتطور العلاقة بينهما كما نعرف. استطاعت شهرزاد بحكمتها وذكائها ترويض ذلك الأسد الشرس المتربص الذي كان ينتظر إنهاء الحكاية حتى يهاجم الفريسة، فتلقى مصرعها وتنضم إلى قائمة ضحايا شهريار.

اقرأ أيضًا: الحب من النظرة الأولى 💘 هل يمكن حدوثه أم أنه أوهام نسجتها لنا القصص وأفلام السينما؟

كل شيء أو لا شيء 

المشاعر المتضاربة

هل تتذكر الأفلام القديمة؟ كانت تُصور باللونين الأبيض والأسود فقط، لم تكن الألوان الأخرى متاحة للمشاهد. حتى أننا بسذاجة الطفولة ظننا أنَّ هذه هي الألوان التي كانت العين تراها في زمن الفن الجميل. بالتأكيد أدركنا لاحقًا قصة تطور التكنولوجيا، لكن هل تُصدق أنه ما زال هناك مَن لا يرون سوى اللونين الأبيض والأسود حتى يومنا هذا؟ لا أكذب عليك يا صديق، إنهم لا يرون بأعينهم وإنما بقلوبهم أو عقولهم. هؤلاء هم أنصار شعار “كل شيء أو لا شيء“.

تُسمى هذه الحالة باضطراب الشخصية الحدية (BPD). ويعاني أصحابها من عدم وجود أرضية مشتركة تجمع بينهم وبين الآخرين، وبالتالي يجدون صعوبة بالغة في إقامة علاقات شخصية. ويخلق هذا الاضطراب الكثير من التناقضات في الشخصية، فلا تتعجب إذا رأيت واحدًا منهم يقول لك: “أنا أكرهك..لا تتركني”. مما يخلق التناقض الذي يتسلل إلى تفكير الشخص ويشوهه، وهذا يؤثر سلبًا على العلاقات الشخصية والمهنية بل ويمتد تأثيره للصحة. وبدلًا من إنقاذ الذات، يصبح المرء أداة مُدمرة لنفسه.

عادةً ما يحدث اضطراب الشخصية الحدية نتيجة تعرّض الشخص لصدمة عاطفية أو جسدية، وهنا يأتي دور التأقلم، إذ تساعد آلياته في التعامل مع الصدمات وحالات القلق والتوتر. بدون هذه الآليات، سيغرق المرء في دوامة غير نهائية. لكن مع ذلك، قد تؤثر آليات التأقلم بشكلٍ سلبي، ويحدث ذلك عندما تستطيع توفير آلية للتكيف أو التأقلم، لكنها غير قادرة على معالجة السبب الرئيسي وراء هذا التوتر أو القلق أو الصدمة.

بالمناسبة، قد يُصاب بعض الناس باضطراب الشخصية الحدية دون التعرض لأي صدمة. على أي حال، يُفضل اللجوء إلى متخصص لمساعدةِ المُصاب على علاج المشكلة، لكن يجب الأخذ في الاعتبار أنّ معالجة آليات التأقلم السلبية هذه صعبة العلاج.

الشك في الذات

هل تعلم أنَّ التاريخ مملوء بحالات قتل فقط لمُجرد الشك؟ أجل أجل، هذا حقيقي. كان هناك بعض الملوك الذين يقتلون مَن حولهم فقط للشك حتى وإن لم يكن هناك دليل واضح، ويظهر ذلك جليًا في تاريخ الإمبراطورية الرومانية. إذ كانت السلطة موضع نزاع بين ولاة العهد، كان الملك منهم يُعاني من القلق دائمًا. قد يجعله هذا القلق يشك في أصابع يديه. لا أُبالغ، فقط تصفح التاريخ وستجد ما أقوله.

الشخصية الحدية

الشك في الذات أو قلة الثقة في النفس أحد الدوافع للسلوكِ المتناقض، كما يقلل من ثقتك بأصدقائك وعائلتك الذين كانوا أقرب الناس إليك لسنوات عدة. تجد نفسك تتعامل معهم ويسيطر عليك شعور بأنهم سيُغادرون حياتك في وقتٍ من الأوقات. لكن لماذا ينتابك هذا الشعور كثيرًا؟ ببساطة، أنت تعتقد بأنك غير محبوب، هذا بدوره يدعوك للتشكيك في كل شيء من فِعلٍ أو حتى كلمةٍ منطوقة كانت أو مكتوبة. تُدَمر اللحظات الجميلة بسوء الظن، كل هذا من أجل ماذا؟ الشك يا صديق الشك.

يتعرض هذا الشخص فاقد الثقة في ذاته إلى كميات مفرطة من القلق والتوتر، إنه يشعر بالحاجة الدائمة إلى الاعتذار حتى وإن لم يذنب. يستمع المسكين لأصوات كثيرة داخل دماغه تقول له إنه غير محبوب ولا يستحق الخير. يشعر بحالة من العجز، حتى أنه يصبح غير قادر على الخروج من هذه الدوامة الوهمية. كل هذا يؤثر على علاقته بالآخرين بل ومع نفسه. إنه يقلل من شأنه في نظر نفسه. وهذا أمر غير مرغوب ويؤثر بالسلب.

مراحل علاقات الشخصية الحدية

المرحلة الأولى.. أُحبك

شعور القلق مُسيطر بصورة كبيرة على أولئك الذين يعانون من اضطرابات الشخصية الحدية، حتى أنهم يهولون الأمور البسيطة، ويُفرطون في القلق لنيل موافقة الآخرين. وعند الارتباط بشخص، يتوقف التفكير المنطقي، وتصبح الاستجابة التلقائية للدماغ هي افتراض أسوأ الاحتمالات بل وبناء التخيلات والافتراضات التالية بناءً على ذلك. هذا بدوره يؤدي إلى استنزاف عاطفي وجسدي، إذ تؤثر أفكارنا وعواطفنا على أجسادنا، خاصة في حالة القلق الدائم، حيث تتهيأ أجسامنا وتُفرز الأدرينالين بكميات مفرطة وتصبح في وضع القتال، مما يستنزف الجسم، وقد يتعارض هذا مع أداء الجسم للوظائف الحيوية اليومية.

من ناحية أخرى، تصبح مفاتيح السعادة في يد الشخص المُفضل فقط ويُعتمد عليه بشكلٍ كُلي، فقد يعاني صاحب الشخصية الحدية في غياب ذلك المفضل أو عندما يبدأ في الابتعاد. هذا يثير القلق والشك في الذات لدى صاحبنا المُضطرب. وتَصل العلاقة إلى درجة السُمية عندما لا يُعطيا فرصة التفاهم لإزالة الشك والقلق. وتأتي مرحلة التعثر، ويُهيأ للمُضطرب أنّ مُفضله تغيّر معه، تبدأ حالة جديدة وهي “لا تتركني”.

اقرأ أيضًا: سمٌ بلا عسل: هل يستلزم الحب أن نتقبَّل أذى الآخر؟

المرحلة الثانية.. لا تتركني “لا أقدر على بُعدك”

الشخصية الحدية

في هذه المرحلة، تصير العلاقة في مأزق، إذ يشعر الشخص المفضل بالاستنزاف الدائم، ويصبح أقصى طموحه الراحة، إنه يريد الراحة فقط! لقد عانى المرء وكافح ليطمئن الطرف المُضطرب. طبيعي أن يسأم وينتابه شعور سيئ. وتبدأ العلاقة في الاضمحلال، وفي هذه الحالة، يُفضل الانفصال. لكن كيف السبيل إلى ذلك وقد وقع صاحبنا المضطرب في سجن التعاسة الذي يملك مفتاحه للخروج شخص واحد. تخيل أن يذهب صاحب المفتاح للأبد، ويبقى السجين في دوامة الحزن والتعاسة. كم هو موقف سيئ!

بعد ذلك، يصبح الأمر بمثابة مطاردة عاطفية، يسعى فيها الشخص المضطرب إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه وفعل أي شيء لتجاوز هذه المرحلة المتوترة للانتصار بالمفضل في النهاية. قد يتجاهل الشخص المضطرب كرامته فقط لإصلاح العلاقة من جديد.

في هذا الصدد، يُعلق جيرولد جي كريسمان، مؤلف كتاب (أكرهك، لا تتركني): “يشعر هؤلاء أصحاب الشخصية الحدية بحالة من الذعر عند الانفصال” وأضاف: “كثيرًا ما يضعون أصدقاءهم أو علاقاتهم في موقف يجعل الطرف الآخر مُدان”.

من ذلك، أستنتج أنَّ صاحب الشخصية الحدية لا يدرك ما يفعله من أجل غاية واحدة فقط لا يرى غيرها، ألا وهي الحفاظ على الحبيب أو المفضل. يتجاهل كرامته وتصغر زاوية رؤيته ويضع نفسه في موقف لا يُحسد عليه. وتبدأ المرحلة الثالثة “أكرهك”.

اقرأ أيضًا: سايكولوجيا الانفصال العاطفي… هل ما نشعر به في هذه المرحلة سيئٌ حقًّا؟ وكيف يمكننا التغلب عليه؟

المرحلة الثالثة.. أكرهك “لا أحبك”

عندما يشعر صاحبنا المضطرب بأنّ شخصه المُفضل لا يستطيع تلبية احتياجاته، يشعر بالسأم، ويعيد حساباته، ويصل إلى قرار وهو أنّ هذا الشخص لا يرقى إلى مستوى توقعاتهِ -غير الواقعية بالمرة- وبالتالي يكرهه ويرغب في المغادرة.

لا يستطيع صاحب الشخصية الحدية العيش في حالة لا مبالاة. فعندما يحب أحدًا، يندفع بعواطفه، وينتظر من الطرف الآخر مبادلة نفس العواطف وأكثر، لكن قد لا يجدها أو تتدرج هذه العواطف حتى تصل إلى منطقة الوسط، حيث ينال العقل مقعدًا، وهذا لا يُرضي صديقنا المضطرب الذي يريد التحرر من الواقعية دائمًا. وهنا، يعتقد أنّ اختياره خطأ من البداية وتفشل العلاقة.

لكن ما الأسباب وراء ذلك؟ 🤔

الأمر متعلق بالصحة العقلية على الأغلب، لذلك نجد اضطرابات الشخصية الحدية غير مفهومة تمامًا، في نفس الوقت لا يمكن تجاهل العوامل البيئية مثل مرحلة الطفولة وماذا حدث فيها من إهمال أو إساءة وما إلى ذلك. ولا يمكن غض الطرف عن بعض العوامل الوراثية الأخرى:

  • الاستعداد الوراثي: تشير بعض الدراسات إلى ارتباط اضطراب الشخصية الحدية باضطرابات الصحة العقلية لدى أفراد الأسرة، فقد اتضح أنّ الشخص يكون معرضًا للإصابة أكثر إذا كان ضم التاريخ العائلي حالات من قبل.
  • تشوه في الدماغ: وجدت بعض الدراسات تغيرات في مناطق من الدماغ مرتبطة بتنظيم المشاعر والعدوانية، كما أظهرت خللًا في عمل بعض المواد الكيميائية المرتبطة بتنظيم الحالة المزاجية كـ السيروتونين.
  • الإهمال في مرحلة الطفولة: اتضح أنّ العديد ممن تعرضوا لهذا الاضطراب قد تعرضوا لإيذاء في مرحلة الطفولة، سواء كان جسديًا أو نفسيًا.

هذه الأعراض تصاحب اضطراب الشخصية الحدية

  • تدني احترام الذات.
  • مشاعر متناقضة.
  • سيطرة مشاعر عدم الأمان.
  • الحاجة الدائمة للتأكيد.
  • رفع قيمة بعض الناس لدرجة المثالية، وتقليل من قيمة الآخرين.
  • يفتقر للقدرة على المساومة.
  • عدم القدرة على التحكم بالعواطف.
  • ردود فعل متناقضة مع نفس الشخص أو الموقف.

ما العلاج إذًا؟

احكي يا شهرزاد 

هل حقًا سنستدعي شهرزاد لتحكي بعض القصص المُلهية؟ بالطبع لا، لقد تقدم الطب كثيرًا، وهناك طرق أكثر احترافية للتعامل مع الشخصيات الحدية. لكن، يُنصح عدم مجاراة أصحاب الشخصية الحدية في أوقات الجدال والتراجع عن ذلك، كما ينبغي إدراك أنّ أفكارهم عالقة في دائرة محدودة لا يخرجون منها. أي، لا فائدة من الجدال معهم حتى وإن كان الصواب حليفك.

الشخصية الحدية

إذا أسرّ لك أحدهم أنه سيؤذي نفسه، خذ الأمر على محمل الجد، لأن هذا احتمال وارد. تظهر الدراسات أنّ الشخصيات الحدية تتحسن على المدى الطويل للأفضل مع العلاج على يد معالج متخصص ويُفضل التركيز على العلاج السلوكي، فهو أكثر فاعلية وثَبُتت قدرته على إحداث تغيير في حياة الكثيرين الذين عانوا من اضطرابات نفسية مختلفة.

اقرأ أيضًا: جميعنا نمتلك واحدةً على الأقل… تعرف على أشهر العقد النفسية

هل كان شهريار صاحب شخصية حدية؟

لا أعلم، إنها محض شخصية روائية، حتى أنه لم يعرف أحد مَن مؤلف كتاب ألف ليلة وليلة الأصلي! لكن عند التمعن في شخصية شهرزاد أعتقد أنه فقد الثقة في الآخرين بسبب صدمة خيانة زوجته. وهذا أمر طبيعي ويتعرض له الكثيرون ممن ينخدعون في أقرب الناس لهم. صحيح، إذا قال لك أحدهم ذات يوم، أكرهك..لا تتركني، قد تكون مزحة منه لا داعي للقلق. كثيرًا ما تُقال. 🐧

اطلع على:  عشرٌ مِن أعظم قصص ألف ليلة وليلة

0

شاركنا رأيك حول "أكرهك.. لا تتركني 😣 مشاعر متضاربة بالأبيض والأسود أي اضطراب في الشخصية وراءها؟!"