0

بغض النظر عن الديانة التي تعتنقها، لا بد أن يرد الصيام فيها سواء كفرض أو طقس أو ما إلى هنالك، لكن هل فكرت يومًا في أصل الصيام؟ أو أنك تعتقد أنه من الواجبات الدينية المفروضة فقط؟ هل سمعت بالصيام العلاجي أو الطبي؟

إذًا في البداية وقبل البدء بسرد حكاية الصيام ضع في حسبانك أنه يوجد الكثير من الأشياء التي لم تسمع بها يومًا عن هذه العبادة الجميلة.

في الغالب عند ذكر كلمة الصيّام يتبادر إلى أذهاننا الجوع والعطش، لكنه في الحقيقة يحمل معاني أعمق وأنقى، ويمكن تعريفه على أنه امتناع إرادي من قبل الصائم عن بعض الأطعمة والمشروبات أو كلها لفترة من الزمن بحيث يدرك الجسم الموعد المحدد للوجبة القادمة والتي تسمى “الإفطار”، بخلاف الجوع أو العطش الذين يحصلان بشكل لا إرادي ولا يدرك الجسم متى سيحصل ثانية على الطعام والشراب.

هذا الأمر يفسر في الغالب قدرة الصائم على تحمل عواقب الامتناع عن الأكل والشرب، وتسمى الوجبة التي نتناولها بعد الصيّام بالإفطار أو كترجمة حرفية من الإنجليزية “كسر الصيام” أو “break fast”.

اقرأ أيضًا:  دون كافيين وعلى معدة خاوية، إليك أفضل النصائح للدراسة أثناء الصيام في رمضان

إلى أين يرجع الصيام عبر التاريخ؟

الصوم

يعد الصوم أحد أقدم الأساليب الاستشفائية المتبعة، فهو لم يكن مجرد واجب ديني فقط؛ بل حث أبو الطب “أبقراط” على اتباع الصوم أثناء المرض وأوصى بالصوم مع تناول خل التفاح، وأكد ذلك في قوله:

“إن تناولك للطعام أثناء مرضك إنما هو تغذية لمرضك”

كما كتب المؤرخ اليوناني القديم بلوتارخ:

“صم اليوم أفضل بكثير من أن تتناول الدواء لاحقًا”

وأيد فلاسفة اليونان من سقراط وأفلاطون وأرسطو فكرة الصيّام كدواء للنفس والجسد، حيث كان الاعتقاد السائد حينها أن الصيام يُحسن القدرات الذهنية والجسمية، وهو اعتقاد صحيح وذلك لأن الدماغ يقوم بتركيز جريان الدم في الجهاز الهضمي عند تناول الطعام وحسب كمية الطعام المطلوب هضمها، ويمكنك التأكد من صحة هذا الادعاء فقط من خلال تذكرك لآخر وجبة غداء دسمة شعرت بعدها بالتخمة وانخفاض النشاط والرغبة الجامحة في النوم وعدم القدرة على التفكير بتركيز.

بالإضافة إلى الهدف الاستشفائي من الصيام فقد كان يستخدم لدى الحضارات القديمة من قبل الجنود قبل الذهاب إلى أرض المعركة، وكان يستخدم أيضًا لزياد القدرة على ضبط النفس عند الغضب، وكان موجودًا في الحضارات القديمة في أمريكا الشمالية لنفس الغرض، كما اعتبر طقسًا دينيًّا واجتماعيًّا لتجنب حدوث المجاعات.

ويعد الصيام أحد الركائز الدينية للعديد من الديانات كالإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية عدا الزرادشتية فهي تحرم الصيام، إذ يصوم المسلمون خلال شهر رمضان من التقويم القمري (30 يومًا) ويصوم المسيحيون الروم الكاثوليك والأرثوذكس الشرقيون 40 يومًا في فترة الصوم الكبير امتثالًا لصيام السيد المسيح 40 يومًا في الصحراء، بينما يصوم اليهود عدة أيام من كل سنة إضافة لصوم يوم الغفران.

اقرأ أيضًا: هل يمكننا الصيام إذا ظهرت علينا أعراض فيروس كوفيد-19؟؟

كيف ترى الديانات المختلفة الصيام؟

الصيام

الصيام البهائي

وهو أعظم واجب ديني في الدين البهائي ويستمر من طلوع الشمس إلى غروبها خلال شهر العلاء من السنة البهائية، أي من 2 إلى 20 مارس “آذار”. يشمل الامتناع التام عن الطعام والشراب والتدخين، ويعتبر واجبًا فرديًّا وإلزاميًّا على جميع البهائيين الذين أتموا الخمسة عشر سنة من عمرهم، وهو سن الرشد لديهم.

الصيام البوذي

هناك اختلافات عديدة في ثقافة الصيام لدى البوذيين، فمنهم من يعتبره وسيلة للزهد ومنهم من يرفضه باعتباره انحرافًا عن الطريقة الوسطى في الحياة البوذية، ويعتبر رهبان التيرافادا البوذيين أن الامتناع عن تناول الطعام والشراب بعد وجبة الظهيرة كمساعدة لزيادة القدرة على التأمل والتركيز، أما أتباع مذهب فاجرايانا البوذي فإنهم يتبعون طريقة خاصة في الصيام، حيث يكون الصوم في اليوم التالي ليوم حفظ التعاليم الثمانية لكي يحافظ على هذه التعاليم، كما اعتُبر الصوم في بعض مذاهب البوذية وسيلة للتخلص من الكارما السلبية بالرغم من اعتباره تجاوزًا للطريقة الوسطى.

الصيام المسيحي

كالصوم الكبير في المذاهب الأنجيليكانية الذي يمتد لأربعين يومًا اقتداءً بصيام السيد لمدة 40 يومًا في الصحراء، وقد نوقش الصيام في سفر أشعيا، الفصل 58: 3-7، فاعتبر الصوم هو الامتناع عن إشباع النفس من جوعها وعطشها وغيرها من الاحتياجات الشهوانية التي تطلبها النفس.

الصيام لدى أغلب مذاهب المسيحية يأخذ وقتا طويلًا من السنة ويختلف بشكلٍ كبير بين مذهب وآخر، وله أيام عديدة تسبق الأعياد؛ فمثلًا الأرثوذكسيون الشرقيون لديهم أربع فترات للصيام وهي: صوم المهد والصوم الكبير وصوم الرسل وصوم الرقاد، ويشمل الصوم لديهم الامتناع عن تناول اللحوم المختلفة والزيوت والمشروبات الكحولية كالنبيذ، بينما ترفضه الكنيسة البروتستانتية وتعده ممارسة ليست دينية ولا تساعد المرء في التخلص من الشهوات.

أما الكنيسة اللوثرية البروتستانتية فهي تحث على الصوم خلال فترة الصوم الكبير، بينما يعتمد صيام الروم الكاثوليك على تخفيض كمية الطعام لوجبة واحدة فقط (خالية من اللحوم خلال أيام الجمعة من أيام الصوم الكبير عدا لحم السمك) بالإضافة لوجبتان صغيرتان في الصباح والمساء، ولا يجوز تناول الطعام الصلب بين الوجبات الثلاث.

يضم الصيام لدى الطوائف المسيحية المشرقية كالأرثوذكسية والسريانية والقبطية ما يعرف بصيام نينوى أو صيام يونان، الذي يمتد لمدة ثلاثة أيام نسبة للأيام التي أمضاها نبي الله يونس في بطن الحوت، وأيضًا لتوبة أهل نينوى وآشور وباجرمي بعد أن اجتاح وباء الطاعون البلاد في القرن السادس الميلادي، فكان الاقتراح من قبل رجالات الدين الصوم والتوبة لثلاثة أيام تقربًا من الله ودفعًا للبلاء، وهو صيام ليس بالقديم لدى الكنيسة القبطية وعمره حوالي 1000 عام تم نقله من الكنيسة السريانية من قبل البطريرك ابراهيم (سوري الجنسية) في القرن العاشر.

الصيّام عند الهندوسية

يعتبر جزءًا أساسيًّا من الديانة الهندوسية، يصوم البعض في أيام محددة من الشهر مثل إيكاداسي أو بورنيما، كما يتم تخصيص أيام محددة من الأسبوع للصيام تبعًا للاعتقاد الفردي والإله المتبع، فمثلًا يوم الخميس هو يوم الصيام في شمال الهند.

وتختلف فكرة الصيّام الهندوسي بشكل كبير باختلاف المعتقد، وغالبًا يكون الصيام بالامتناع عن تناول الطعام والشراب بشكل كامل منذ غروب الشمس وحتى 48 دقيقة بعد شروقها في اليوم التالي، كما يمكن أن يشمل الصيام الامتناع فقط عن تناول أصناف معينة من الطعام أو الشراب أو تناول طعام محدد أو تقليل كمية الطعام. كذلك فإن الصيّام لديهم خلال الاحتفالات الدينية أمر شائع جدًا كصيام مها شيفاراتري أو الأيام التسعة من نافراتري.

الصيّام عند اليهودية

يشمل الصيام لديهم الامتناع التام عن الطعام والشراب بشكل كامل حتى المياه. كما يمنع خلال الصيام عند اليهود الأرثوذوكس تناول الأدوية أو تنظيف الأسنان في أيام الصوم الأساسية كيوم كيبور (الغفران) وتيشا بآف، ويسمح به في أيام الصوم الصغيرة، أما اليهود الملتزمون فإنهم يصومون ستة أيام من السنة ما عدا يوم كيبور، ولا يسمح لهم بالصوم خلال يوم السبت، أما يوم كيبور (الغفران) فهو يوم الصيام الوحيد الذي ذُكر نصًا في التوراة.

الصيّام عند الإسلام

يعتبر صيام شهر رمضان أحد أركان الدين الإسلامي الخمسة، لذلك يعتبر عبادة أساسية لدى الإسلام وهو واجب وفريضة أساسية في شهر رمضان المبارك من كل عام هجري، يمتنع فيه المسلم عن الطعام والشراب والجماع والقول والفعل الباطل والاقتتال والجدال بدون أدب، وأي قول أو فعل منافي للأدب وحتى الأفكار الشهوانية خلال الصيام الذي يمتد من طلوع الشمس وحتى غروبها.

يمارس المسلم خلال الصيام العبادات والأفعال التي تقربه من الله تعالى وتقوي من إيمانه؛ كقراءة القرآن والصيام والزكاة والصلاة على نبي الله محمد (ص)، ويعتبر الصيام وسيلة أساسية في الإسلام لزيادة الترابط والأخوة بين المسلمين فيشارك فيه الأغنياء والفقراء ويتقاسمون الوجبات فيما بينهم، ويعتبر شهر الخير لما فيه من صدقات وزكاة وتبرعات للفقراء والمحتاجين.

ويذكر القرآن الكريم أن الصوم فرض على المسلمين كما فرض على الأمم السابقة من اليهود والمسيحيين، وبينما يعتبر صيام شهر رمضان فريضة وواجب فردي على كل مسلم، إلا أن الإسلام حلل إفطار هذا الشهر للعديد من الأسباب كالسفر أو المرض أو بعض المهن المعينة، وفُرض على المسلم المفطر التكفل بإطعام مسكين.

كما حدد الإسلام أيام أخرى طوعية للصوم نذكر منها: كل إثنين وخميس من الأسبوع، واليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر قمري، وستة أيام من شهر شوال (الشهر التالي لرمضان)، ويوم عرفات (التاسع من ذي الحجة في التقويم الهجري)، ويوم عاشوراء (العاشر من محرم في التقويم الهجري) مع صيام يوم آخر قبله أو بعده.

اقرأ أيضًا: الأمراض المزمنة ورمضان ….كل ما عليك أن تعلمه وما يجب أن تفعله

النظرات الأخرى للصيام

لم يأخذ الصيّام الطابع الديني فقط، بل لبس طابعًا سياسيًا (في حال اعتبرنا قرار الإضراب عن الطعام صيامًا)، كما حصل عندما صام المهاتما غاندي للحصول على استقلال الهند من الاستعمار البريطاني، وذلك لمحاولة اتباع سياسة اللاعنف للحصول على الاستقلال، كذلك صيام مجموعات من الناشطات في حقوق المرأة أو ما عرف بـ Suffragettes من أجل حصول المرأة على حق الاقتراع في الانتخابات داخل المملكة البريطانية المتحدة.

مع انتشار أفكار الحميات وتجنب بعض أنواع الأطعمة والمشروبات والدراسات العلمية التي تدعم هذه الأفكار، يزداد الأمر وضوحًا بأن الصيام بمختلف أشكاله هو أمر مفيد جدًا لصحة البدن والذهن، فالقول العربي القديم للحارث بن كلدة “المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء”، وقول رسول الله محمد (ص) “ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت على الآدمي نفسه، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس” تثبت بوضوح أهمية الصيّام للجسم والذهن.

0

شاركنا رأيك حول "مارسه البعض لأغراض سياسية: أشكال متنوعة اتخذها الصيام لدى مختلف الحضارات والديانات"