هل الذكاء وراثي
0
تُرى ما الفرق بين شخص يستطيع إيجاد حل لمسألةٍ رياضيات معقدة في خمس دقائق، بينما لا يستطيع شخص آخر حل مسألة أقل تعقيدًا في عشر دقائق؟ ربما تكون أول إجابة تطرأ على ذهنك أنّ الأول أذكى من الثاني. حسنًا، هذا صحيح، لكن السؤال الأهم، لماذا يختلف البشر عن بعضهم في معدلات الذكاء؟

يتميز العلم بالمرونة، إذ يستطيع كل فرع تناول نفس المشكلة العلمية لكن من منظوره حسب التخصص. وفي هذا الصدد، تناول علماء الوراثة مسألة الذكاء من منظورهم، واحتاروا فيها لأكثر من قرن وأجروا العديد من التجارب حتى توَّصلوا لحقيقة تفيد بأنّ الاختلافات في مستويات الذكاء بين الأفراد هي في الأساس نتيجة الجينات أي أن الذكاء وراثي. 

يشترك البشر في نسبة تصل إلى 99.5% من الحمض النووي، وهي نسبة تشكل حوالي 3 مليار من أزواج الحمض النووي. وهذا يعني أن الاختلافات التي تفصل البشر عن بعضهم تعادل 15 مليون اختلاف في الحمض النووي الكلي فقط. إذًا، يكمن الاختلاف في الذكاء خلال نطاق الـ 15 مليون اختلاف.

اقرأ أيضًا: الذكاء العاطفي وتأثيره على إنجاح المرء بشكلٍ غير مسبوق!

تُرى ما السر وراء هذه الاختلافات؟

مستويات الذكاء - هل الذكاء وراثي

عادةً ما تشتمل اختبارات الذكاء على قياسِ القدرات المعرفية والمهارات المكتسبة. وبذلك، يمكننا تسمية الذكاء على أنه القدرة الإدراكية العامة للمرء، وهو يعكس أداء شخص ما من خلال مجموعة كبيرة من الاختبارات المتنوعة.

لا شك في أنّ للجينات دور بارز في تحديد مستويات الذكاء المختلفة، لكن في نفس الوقت، لا يمكننا غض الطرف عن العوامل الأخرى، إذ أنّ تأثير الجينات على مستوى الذكاء يمثل نسبة تزيد عن 50% بينما تؤثر العوامل المختلفة على النسبة المتبقية. وهذا يؤكد دور العوامل البيئية في مستوى الذكاء، ويظهر ذلك جليًا من خلال دراسة التوائم. مثلًا، قد يتعرض شخص ما لمرضٍ أثناء الطفولة، فيتحول ذكاؤه الوراثي عن مساره الطبيعي.

الذكاء وراثي ومن شابه أباه فما ظلم 

هل الذكاء وراثي

تُشير إحدى الدراسات إلى أنّ الجينات تؤثر في معدل ذكاء الفرد بنسبة تصل لحوالي 75%، بينما تتحكم العوامل البيئية الأخرى مثل البيئة التعليمية بنسبة تُمثل حوالي 25%. وبذلك نجد أنّ الجينات تأتي أولًا. أي يعود للوالدين الفضل في ذكاء الابن، في نفس الوقت، قد تتسبب النسبة التي تتحكم فيها البيئة في عدم التعبير عن الذكاء بشكلٍ كاملٍ.

دراسات حول الجينات المسؤولة عن الذكاء

لاحظ الباحثون آلافًا من الجينات المؤثرة على الذكاء، حيث وجدت بعض الدراسات الحديثة جينات تفسر 5% فقط من اختلافات الذكاء بين الأفراد، وهذه نسبة بعيدة كثيرًا عن النسبة التي تزيد عن 50% المتوقعة. في دراسة أخرى، وُجد أنّ الذكاء يزداد بمرور الوقت، إذ يبدأ من 20% في مرحلة الطفولة، ويزداد لحوالي 40% أثناء الطفولة أيضًا، ثم يزداد إلى 60% في مرحلة البلوغ، ويمكن تفسير هذا التطور في مستويات الذكاء إلى أنّ الأطفال يبحثون عن تجارب مرتبطة بنزعاتِهم الوراثية حتى تتطور.

أُجريت إحدى الدراسات على 60 ألف بالغ و20 ألف طفل للبحث عن الجينات المسؤولة بشكل ما أو بآخر عن الذكاء، ووجدوا أنّ هناك حوالي 40 جينًا جديدًا يؤثر على الذكاء، وبذلك زاد عدد الجينات المعروفة بتأثيرها الواضح وقتها حتى وصل إلى 52 جينًا. كما أنّ هذه الجينات تعمل في الدماغ.

في نفس الدراسة، لاحظوا تأثير هذه الجينات على التوائم، وكيف أنها تؤثر على نصف الفروق في معدلات الذكاء، بينما يتأثر النصف الآخر بالعوامل الأخرى مثل: البيئة الاجتماعية والتغذية والظروف العامة. ومع ذلك، يعتقد العلماء أنّ هناك المئات أو الآلاف من الجينات التي تؤثر على الذكاء، بالرغم من أنّ معظمها يؤثر بقدرٍ ضئيلٍ. ولم يعثر الباحثون على الغالبية العظمى من تلك الجينات بعد.

اقرأ أيضًا: لن تشتتك: كيف تعزز دراسة أكثر من تخصص فرصك خارج سرب الوظائف النمطية

هل سنشتري الذكاء بالمال؟

هل الذكاء وراثي

إذا كان الذكاء وراثي حقًا، فهذا يعني أنّ بين أيدينا معلومات تدق أبواب الكثير من الأسئلة الأخرى، مثل: هل يمكننا انتقاء الأجنة البشرية وفقًا لقوتها العقلية في المستقبل؟ هل سيتمكن العلماء من صنع أدوية تُعزز ذكاء الإنسان؟

ستكون تكنولوجيا قوية وربما -بنسبة كبيرة- باهظة الثمن، لذا سنجد سؤالًا آخر يقول: هل ستكون هذه التكنولوجيا متاحة للأغنياء فقط؟ وفي هذا الصدد، صرحت دانييل بوستوما، عالمة الوراثة الإحصائية في جامعة أمستردام، قائلة: “لن نكون قادرين على تصميم طفلٍ بناءً على معرفتنا الحالية”. وأضافت أنّ هذه التساؤلات صحيحة ولكنها بعيدة عما نحن فيه الآن.

جينات الذكاء ستنقذ البشر من الشيخوخة

كلما تقدم الإنسان في العمر نحو الشيخوخة، تتراجع وظائفه الإدراكية، وهذا يجعل كبار السن أكثر عرضة للحوادث والخداع من الآخرين. يعقد بعض العلماء المتخصصين في الشيخوخة المعرفية آمالًا على هذه الجينات المسؤولة عن الذكاء، فهي الأمل الذي يلوح في الأفق لإنتاج أدوية معززة للذكاء. يقول ستيوارت ريتشي، باحث في الشيخوخة المعرفية بجامعة إدنبرة: “لا ينبغي استبعاد احتمال الأدوية المعززة للذكاء”.

تحسين استراتيجيات التعلم

الذكاء وراثي

عندما نمعن النظر في الصفوف، نجد مستويات متباينة من الذكاء لدى الطلاب، ويُدرسهم نفس المعلم بنفس الاستراتيجية، هناك من يواجهون مشاكل في التعلم لأنهم يُعاملون باستراتيجيات لا تُجدي معهم. في نفس الوقت، قد لا يستطيع المعلم معرفة الاستراتيجية المناسبة للطلاب المختلفين.

تعتقد الدكتورة بوستوما أنه يمكننا استخدام المعلومات الجينية الخاصة بالذكاء في المستقبل في حل هذه المشكلة، وتقول: “ربما يمكننا أن نقول لشخص ما في يوم من الأيام، قد يكون من الأسهل عليك استخدام هذه الاستراتيجية بدلًا من تلك لتعلم هذه المهمة، استنادًا للمعلومات الجينية خاصتك”، ومع ذلك، أضافت: “لا أعتقد أنّ ما هو مكتوب في جيناتنا يمكنه تحديد حياتنا”.

الذكاء وراثي لكن البيئة تؤثر وبشدة 

تُشير العديد من دراسات التوائم إلى أنّ ذكاء الفرد يعتمد بشكلٍ كبيرٍ على الجينات، وأظهر أحد الأبحاث أنّ الجينات تلعب دورًا أقوى من البيئة في تحديد درجة ذكاء الفرد. في نفس الوقت، لا يوجد جين واحد مسؤول عن الذكاء، وإنما يتولد نتيجة مجموعة من التفاعلات المعقدة بين عدد كبير من الجينات.

هل الذكاء وراثي

من الحقائق المهمة أيضًا أنّ الجينات والعوامل البيئية تتفاعلان من أجل تحديد كيف سيحدث التعبير عن الجينات الموروثة. لنُبسط الأمر بمثالٍ، في إحدى المرات أنجبت سيدة طويلة القامة طفلًا، كان والد الطفل طويل القامة مثل الوالدة، من الطبيعي استنتاج أنّ هذا الطفل سيصبح طويلًا تبعًا لجيناتهِ، لكن في نفس الوقت، لا يمكننا غض الطرف عن العوامل البيئية مثل التغذية أو الأمراض، فهذه العوامل لها دور مهم للغاية في تحديد الطول الدقيق للطفل.

هكذا الأمر بالنسبة لجينات الذكاء، فقد يُولد الطفل باستعدادٍ وراثي للذكاء، لكن من سوء الحظ أنه نشأ في بيئة تُعاني من سوء التغذية ونقص فرص التعليم. في هذه الحالة، قد لا يستطيع الفرد الاستفادة من جينات الذكاء خاصته. في هذا الصدد أيضًا، وجدت إحدى دراسات التوائم المتطابقة أنّ الذين تربوا وعاشوا معًا في نفس المنزل أكثر تشابهًا في معدل الذكاء عن الذين تربوا في بيئات مختلفة.

اقرأ أيضًا: اثنا عشر دليل يثبت أنك أذكى مما تظن

المجد للطفل الأول.. هل حقًا الطفل الأول هو الأذكى؟

تُشير إحدى الدراسات إلى أنّ الأطفال المولودين الأوائل للأبوين هم الأعلى في معدل الذكاء مقارنة بإخوتهم الأشقاء الذين يأتون بعدهم. ويرجع ذلك غالبًا لأنّ أول طفل هو أول فرحة، لذا يحظى باهتمام كبير من والديه، كما يعتمد عليه الآباء أكثر من الآخرين في أداء المهام. لذا، نجد الأشقاء الآخرين له أقل تركيزًا منه.

نحن الأذكى من أي وقتٍ مضى.. محض أسطورة لا تُصدقها

عند النظر في معدلات الالتحاق بالجامعات واختبارات الذكاء نجد أنها حقًا أعلى من أي وقتٍ مضى، وهذا رسخ فكرة أننا نعيش في العصر الذهبي للعبقرية عند الكثير من الناس.

إنه اعتقاد خاطئ للغاية، حتى إنه يُسمى بتأثير فلن (نسبة إلى جيمس فلن الذي سعى لتعزيز هذا الاعتقاد). لكن هذا الاعتقاد ليس صحيحًا، حتى إنّ فكرة مقارنة الإنتاج الإبداعي للبشر على مر القرون لهو أمر صعب للغاية، فلا يمكننا غض الطرف عن الفترة الزمنية وإمكانياتها، حيث يعتقد الناس في أي فترة زمنية أنّ عصرهم ذهبي.

في عصرنا الحالي، شهدنا تقدمًا هائلًا في التكنولوجيا، كما ظهر عباقرة غيَّروا حياتنا مثل: ستيف جوبز وإيلون ماسك. إضافة إلى ذلك التقدم الهائل، نشر المجتمع العلمي عددًا كبيرًا من الأبحاث. مع ذلك، ظل معدل الإبداع ثابتًا. أجل، لقد استطعنا إنتاج كمية غير مسبوقة من البيانات، لكن لا يصح الخلط بين الإنتاج الكبير والذكاء الإبداعي. فإذا كان الأمر يُقاس بكمية البيانات، لأصبح كل حامل لهاتف ذكي آينشتاين آخر. لذلك، يجب الانتباه إلى ما يُميز العبقرية، وهو القدرة على النظر إلى ما ينظر إليه الجميع ورؤية شيء مختلف لا يراه أحد سوى العبقري.

0

شاركنا رأيك حول "من شابه أباه فما ظلم… هل الذكاء مكتسب أم للجينات يد خفية في الأمر؟"