تقدير الذات
0

“عندما تقلّل من قيمة ما تفعله، فإنّ العالم سيقلّل من قيمتك”

” تقدير الذات” ذلك المفهوم الذي شاع استخدامه كثيراً في الفترة الراهنة، أصبح المروّج الأكبر لمدربي التنمية البشرية من حولنا، وبات العنوان العريض المتصدّر أمامنا على صفحات وبرامج التواصل الاجتماعي.

بالطبع هذا الانتشار الشاسع لمفاهيم حب الذات وتدنّي تقدير الذات، ليس وليد الصدفة أو التجديد، بل هو ثورةٌ إدراكيّة ونقلة نوعيّة في مستوى الوعي، باتت ضرورةً ملحّة في عصرنا الحالي لما تملكه تلك المفاهيم من قدرة سحريّة على التحكّم بحياتك وتسيير سيّالاتك العصبية بما يخدم أو يسيء لحالتك المزاجية والشعورية.

بمجرّد أن تتعرّف معنا في هذا المقال على هذه الظاهرة ومكنوناتها، فإنّك ستجهز نفسك تلقائياً بدرعٍ واق من الوعي والمعرفة، سيضمن لك أن تصون ذاتك وتقدّس حقيقتك الكونية.

اقرأ أيضًا: كلنا نرتكب الأخطاء.. رجاءً توقف عن جلد ذاتك

مفهوم تقدير الذات

تقدير الذات
تقدير الذات

يشير تقدير الذات إلى الإحساس العام بقيمتك وهويتك، ومدى إيمانك وثقتك بنفسك وما تحمله من مشاعر الكفاءة والانتماء والامتنان لذاتك العليا، الموضوع ليس مجرّد الإعجاب بنفسك بشكل عام، بل أن تصل إلى تقديس استحقاقك للحب وتقدير أفكارك ومشاعرك وصيانة اهتماماتك وأهدافك.

انعكاس تقدير الذات على مسار حياتك

عندما يكون لدينا تقدير ذاتي صحيّ سليم، فإنّنا نميل إلى الشعور بالإيجابية تجاه أنفسنا بشكل خاصّ والحياة بشكل عام، ممّا يكسبنا قوّة كبيرة لمجابهة المصاعب، وقدرة هائلة على التعامل مع تقلبات الحياة اليوميّة. وعلى النقيض تماماً عندما يكون تقديرنا لذاتنا منخفضاً، فإنّنا نميل إلى رؤية أنفسنا وحياتنا من منظور سلبي وحاسم لا يقبل الطعن ولا الجدال، ويوماً بعد يوم ستتناقص طاقتنا وقدرتنا على مواجهة التحديات التي تفرضها علينا الحياة.

إنّ شبح تدني تقدير الذات سيخيّم على سلوكياتك وأسلوب حياتك بالكامل، لتجد نفسك تميل إلى مسار التطرف في الأفعال والأفكار على الشكل التالي:

  • اللجوء إلى سياسة التخفي والانزواء هرباً من المواقف والعلاقات الاجتماعية.
  • التوقف عن تجربة أنشطة جديدة، والاكتفاء بالموجود مع تجنّب الأشياء التي تجدها صعبة.
  • ارتباط شعور الأمان والراحة بتجنّب الأحداث والمواقف والمحيط.
  • الإضرار بصحتك العقلية والوقوع في فخ الاكتئاب والقلق.
  • اكتساب عادات ضارة مثل التدخين والإفراط في شرب الكحول أو تعاطي المخدرات.
  • المعاناة من الاضطرابات العاطفية والطعاميّة.

اقرأ أيضًا: الذكاء العاطفي وتأثيره على إنجاح المرء بشكلٍ غير مسبوق!

علامات تدنّي تقدير الذات

ينتشر استنكار وكراهية الذات في عالمنا الحديث بوتيرةٍ عاليّة، حيث أصبح الانتقاد ورمي الأحكام مهنة من لا عمل له، وبدأت ذيوله تتداخل في عقول الناس وتدفعهم إلى الاستسلام والتسليم للأفكار السلبية التي يقولها الآخرون عنهم، والوصول إلى ما يلي:

انخفاض أو انعدام الثقة بالنفس

تقدير الذات
يميل الأشخاص ذوي الثقة المنخفضة بأنفسهم إلى التقليل من احترامهم لذاتهم والشعور بالدونيّة في كلّ سلوكياتهم ومعتقداتهم، قد نمرّ جميعنا بأوقاتٍ عصيبة نفتقر فيها إلى الثقة بذاتنا، حيث لا نشعر بالرضا عن أنفسنا وأفعالنا، ولكن عندما يصبح تدنّي احترام الذات مشكلةً طويلة الأمد سيكون له تأثيرٌ ضارّ على الصحة العقلية والحياة اليومية.

الشعور بفقدان السيطرة والتحكم

تقدير الذات
غالباً ما يشعر الأشخاص الذين يعانون من تدني احترام الذات بغياب قدرتهم على التحكم في حياتهم، والدخول في حالة من اللامبالاة تجاه ما يدور حولهم من أحداث ومواقف تتطلب ردة فعل منهم، بالإضافة إلى عدم الرغبة في إحداث أي تغييرات سواء في أنفسهم أو في العالم، مع تبنّي فكرة أنّهم مسيّرون من قبل مركز خارجيّ للتحكم بهم كحجّة على عدم تحريك ساكنٍ واحد لإصلاح مشاكلهم.

كتم الحاجات والإحساس بعدم الاستحقاق

تقدير الذات
عندما يكون مستوى تقديرك لذاتك متدنيّاً، ستواجه صعوبة في طلب ما تحتاج إليه، وكأنّ صوتاً ما يهمس في داخلك أنّك لا تستحق أيّ نوع من المساعدة، وفي كلّ مرة تهمل أولوياتك وتتنازل عن طلب العون، سيتجدّد شعورك بالحرج وعدم الكفاءة.

الخوف من الفشل


سيؤدي غياب تقدير قيمة ذاتك إلى فقدان الثقة والتشكيك في قدرتك على تحقيق النجاح، ومع الوقت ستميل إلى تجنّب التحديات والاستسلام بسرعة دون أدنى جهدٍ من المحاولة. يمكن أن يُترجم هذا الخوف من الفشل في سلوكيات محدّدة مثل التظاهر أنّك بخير عندما تسوء الأمور، كذلك محاولة إخفاء مشاعر عدم الكفاءة من خلال سياسة تلفيق الأعذار، أو إلقاء اللوم على العوامل الخارجيّة.

خطوات عمليّة لرفع تقديرك لذاتك

“أعظم شيء في العالم هو معرفة الشخص كيفيّة الانتماء لنفسه” ميشيل دي مونتين

فيما يلي بعض التقنيات والخطوات العمليّة التي ستساعدك وتدعمك في المضي قدماً في رحلة حب ذاتك وتقديرها:

تقبّل الذات دون قيدٍ أو شرط


إنّ سياسة مقارنة نفسك مع الناس من حولك، ما هي إلاّ ميلٌ بشريّ متأصّل في تفكيرك وسلوكك، حسناً قد يكون ذلك مفيداً بتحفيزك على استغلال طاقتك الكامنة وإنجاز العظيم من الأشياء، ولكن مهلاً ماذا لو وصل الأمر بك إلى تمزيق نفسك لتحصيل مبتغاك؟

من حقّ نفسك عليك أن تتراجع إلى الوراء قليلاً وتوقف حالاً عملية البحث عن المثاليّة والكمال الذي تجهد نفسك به لتلبسها مقاسه المفترض. إذاً تخلّى عن فكرة ربط قيمتك بمدى اقترابك من المثاليّة المزعومة، إقبل نفسك كما أنت عليه اليوم لا كما تتمنّى، حتّى لو أخطأت أو لم تحقّق هدفك، من المهم أن تدرك وتؤمن أنّك تستحق الحب والاحترام من نفسك ومن الآخرين، فإن لم تحبّ نفسك اليوم فلن تحبّها غداً مهما حقّقت وأنجزت.

تحرّر من دور الضحية

هل تحيط نفسك بأشخاص يحبطونك باستمرار؟

إذا كنت تعيش في بيئة سلبية لفترة طويلة، فقد يكون من الصعب إقناع نفسك بقيمتك أو حتىّ بقبول المجاملات من محيطك، عليك أن تنظر في كلّ مرة يتم انتقادك في مصدر التعليقات السلبية وخلفيّة مطلقها، فمجرد أنّ شخصاً ما ينتقدك لشيءٍ فعلته لا يعني ذلك أن تأخذ رأيه على محمل الحقيقة والتسليم، وهنا يتوّجب عليك أن تسعى إلى تغيير بيئتك المحيطة مهما كانت، فلتجعل من أولوياتك أن تحيط نفسك بالأشخاص والأشياء التي تقول أنّك جيّدٌ بما فيه الكفاية، ربّما ستشعر بعدم الارتياح في البداية ولكن مع تحسّن احترامك لذاتك تدريجياً سيصبح الأمر أسهل.

كن لطيفاً مع نفسك


تلك الأوقات التي تشعر فيها بالسوء حيال نفسك ويبدأ الانتقاد وجلد الذات بالتسلّل إلى داخلك، فكّر حينها فيما ستقوله لصديقٍ يمرّ في موقف مشابه لحالتك، غالباً ستسعى لتدعمه وتسانده بنصائح أفضل ممّا تقدمها لنفسك، لذلك احرص على استبدال تلك الصورة المهزومة التي تراود ذهنك بين حينٍ وآخر بتلك النسخة المشرقة التي تحاول بها مساعدة الناس من حولك.

امنح نفسك تحدّياً وهدفاً تسعى لتحقيقه

قد نشعر جميعاً بالتوتر أو الخوف من خوض تجارب جديدة، لكنّ الأشخاص الذين يتمتّعون بتقدير ذاتيّ مرتفع، لا يدعون هذه المشاعر تمنعهم من تجربة مغامرات جديدة أو مواجهة تحدّيات غامضة، إذ يمكنك أن تبدأ بخطوات تغيير بسيطة مثل الانضمام إلى صفّ تمرين رياضي أو الذهاب إلى مناسبة اجتماعية، وتدريجيّاً ستقودك هذه الخطوات إلى نقلة نوعيّة على مسار كسب ثقتك بنفسك واستعادة تقديرها.

احصل على بعض الدعم الخارجي


شارك أفكارك ومخاوفك مع شخص آخر يمكنه أن يقدّم لك دعماً غير مشروطٍ، قد يكون هذا الشخص أحد الأصدقاء أو أحد أفراد الأسرة، أو شخصاً يملك خبرة ومعرفة أكبر مثل الطبيب أو المعالج النفسي، كما بإمكانك الانخراط ضمن مجموعات الدعم التي تضمّ أشخاصاً قد مرّوا بنفس معاناتك، بإمكانهم تفهمك ومساعدتك أثناء رحلتك لتحسين احترامك لذاتك.

“واجه الأجزاء المظلمة من نفسك، واعمل على إبعادها بالنور والتسامح. إنّ استعدادك لمصارعة شياطينك سيجعل ملائكتك تغنّي”. أوغست ويلسون

قد يتطلّب تغيير نظرتك إلى نفسك بعض العناء والجهد، ولكن بمرور الوقت يمكنك أن تتعلّم كيف ترى وتقدّر نفسك بشكلٍ أفضل، لأنّه بمجرّد معرفة قيمتك سيكون مفتاح الاستمتاع بالحياة بحوزتك مدى ما حييت.

اقرأ أيضًا: قل وداعًا للمثالية واستمتع بالحياة!

0

شاركنا رأيك حول "لأن تقدير الذات الحقيقي بوصلتك لحياةٍ أسمى: واجه تدني تقييمك لذاتك وضعف ثقتك بنفسك بهذه الخطوات"