كان غسّان ثورةً تلتهب، وكان إنتاجه الأدبيّ تجسيدًا لصاحبه؛ ثائرًا، محبًّا، متمرّدًا يحمل حشدًا رهيبًا من الأفكار الخلّاقة التي تقف في وجه الموت، وتبحث في الهوية المسلوبة. روايات غسان كنفاني هي صورة لشخصية هذا القاصّ، الصحفيّ، الكاتب، العاشق، لكنها بالدرجة الأولى تأريخٌ لمعاناة أمّةٍ فلسطينية منكوبة، اتضحت عبرها خريطةُ بلادٍ لم نكن لندرك أحياءها وزواياها ومآسي أهلها بذلك الوضوح التام لولا قلم الكنفانيّ، القلم الذي كان صوتًا صارخًا بالحقيقة.

فالأمر الملفت للنظر في إنتاج غسان هو تعدّد مجالاته؛ لقد كان هذا الأخير مناضلًا في كلّ ساحات الأدب: في الرواية، والقصة القصيرة، والمسرح، والشعر، والصحافة، وأدب الأطفال وغيرها، كأنّما يريد أن يقول كما قال دائمًا:

لن تستطيعي أن تجدي الشّمس في غرفة مغلقة.

الشمسُ لن تُرى داخل الأسوار الضيّقة، وبين القضبان؛ وإنّما تُشدّ الرحال إليها في الساحات الواسعة، وفوق الجبال وبين كتابات غسّان.

اقرأ أيضًا: أفضل مئة رواية عربية في القرن العشرين

روايات غسان كنفاني: صفيةٌ وأمّ سعدٍ وبينهما إخضاع للتناقضات

رواياتُ غسان كنفاني

تعدّدت الرّسائل في روايات الكنفانيّ، وتنوعت المفارقات التي كتب عنها؛ فهو يمجّد الموت تارةً فيقول: “لا تمت قبل أن تكون ندًّا، مثلما يتلو ترانيم الحياة الكريمة في وجه المحتلّ تارةً أخرى فيردّد: “أَنا من شعبٍ يشتعل حُبًّا، ويزهو بأوسمة الأقحوان وشقائق النعمان”، ويسلك سبيل المقاومة الحديدية في نصوصٍ، ثمّ يكشف عن جانب العشق المرهف الليّن داخله في نصوص غيرها، وهو يحاول بقلمه السيّال أن يخضع كلّ هذه التناقضاتِ ليدرك المعنى. إلّا أنّ كتاباته عمومًا تندرج ضمن أدب المقاومة، أين استطاع أن يكون ملتزمًا بقضية وطنه وشعبه، ويقصّ معاناته للعالم.

الكنفانيّ نجح بجدارة في أن يحوّل أدبًا محليًّا يعنى به وطن واحد، وشعب واحد، إلى أدب إنسانيّ يسلط الضوء على مظاهر الظلم في هذا العالم، ويخاطب كلّ حرّ، وكلّ ثائر: “إنّ الحياةَ لا قيمةَ لها قطّ إن لم تكن واقفةً قبالةَ الموت”كأنّه يهدي كتاباته لتكون عزاءً للمتعبين في كلّ الأقطار من المحيط إلى الخليج.

كتب غسّان عن القضيّة، لكنّه كتب عن الإنسان كذلك، وهو الذي يُعرّف الثاني بالأولى فيقول: الإنسان قضية؛ إذ اهتمّ في كتاباته بالجانب العميق للنفس الإنسانيّة، وجعل منه مرآةً تعكس مفاهيم أشمل عن الوطن، والنضال والهوية. كما تأثر بالمدرسة الفرنسية الرمزية، فكانت صفيّة رمزًا للوطن، وكانت أمّ سعد حراسةً للذاكرة، وكانت البقية قائمةً ترشيحيّة لأفضل ما كتب غسّان.

رجال في الشمس: لماذا لم يدقوا جدران الخزّان؟

رواياتُ غسان كنفاني
  • اسم المؤلف: غسان كنفاني – Ghassan Kanafani
  • تصنيف الكتاب: أدب روائي اجتماعي
  • تاريخ النشر الأصلي: 1963
  • دار النشر الأصلية: أسامة مولاد
  • لغة النشر الأصلية: اللغة العربية
  • عدد الصفحات: 93
  • تقييم جودريدز: 4.18
  • تقييم أمازون: 4
  • ترجمات إلى لغات أخرى: اللغة الإنجليزية، اللغة الفارسية، اللغة السبانية، اللغة الألمانية، اللغة التركية…
  • أعمال فنية مقتبسة: الفيلم السوري “المخدوعون” من إخراج توفيق صالح (إنتاج سنة 1972)
  • اقتباس مميّز من الكتاب: “لقد احتجت إلى عشر سنوات كبيرة جائعة، كي تصذّق أنّك فقدت شجراتك وبيتك وشبابك وقريتك كلّها”. 

كانت رواية “رجال في الشمس” أولى الروايات التي كتبها غسّان، لكنها كانت كذلك الأكثر صدقًا وعمقًا. لم ينفصل الكاتب يومًا عن واقعه عند صياغاته لرواياته؛ هي في النهاية تجسيدٌ للواقع بمختلف تفاصيله، وكذلك كانت هذه التي بين أيدينا: تقصّ علينا من رحم ما عاناه الفلسطينيون من تهجير وتشريد، وتعكس مرارات الخيانة، ومآسي الخذلان.

رجالٌ قرروا أن يجربوا حظهم كما جرّب المئات غيرهم، ويهاجروا إلى الكويت من مخيمات العراق عبر التهريب. لم يكن احتمال النجاة يساوي أكثر من واحد بالمئة؛ إن هم نجوا من حرارة الصحراء القاحلة وشعابها، تركهم المهربون في منتصف الطريق، وإن هم أكملوا الطريق، أمسك بهم رجال الجمارك. لقد كانت فرص النجاة قليلة، لكن هذا الواقع لم يمنع أسعد وأبا قيس ومروان من عناء المحاولة: ثلاثة رجال من ثلاثة أجيال مختلفة، تتعدد الأعمارُ والهدف واحد.

يأخذهم السائق أبو الخيزران في شاحنته، ويطلب منهم الاختباء في الخزان عند نقطتي تفتيش في الحدود العراقية الكويتية. لكنّ الثلاثة يلقوا حتفهم اختناقًا بسبب حرارة الجو الشديدة. لقد أراد غسان لروايته أن تكون تحديًّا ووقوفًا في وجه الموت، فطرح السؤال الأشهر: “لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟”، لماذا لم يقفوا في وجه الموت؟ لماذا رضوا بالاستسلام؟ هل كان الموت أرحم فعلًا من أن يُكشف أمرهم ويمسوا في معاناة من غير حدّ؟ هل كانت المراهنة على الموت أفضل؟

الرواية متخمة بالرموز التعبيرية، والحوارات النفسية التي تبحث في القضية، وتفتش عن مكامن الألم.

عائد إلى حيفا: الوطن هو ألا يحدث ذلك كله

رواياتُ غسان كنفاني
  • اسم المؤلف: غسان كنفاني – Ghassan Kanafani
  • تصنيف الكتاب: أدب روائي اجتماعي سياسي
  • تاريخ النشر الأصلي: 1969
  • لغة النشر الأصلية: اللغة العربية
  • عدد الصفحات: 76
  • تقييم جودريدز: 4.34
  • تقييم أمازون: 5
  • ترجمات إلى لغات أخرى: اللغة الإنجليزية، اللغة الفارسية، اللغة الإسبانية، اللغة الألمانية، اللغة التركية، اللغة الفرنسية، اللغة الإيطالية وعشرات اللغات غيرها.
  • أعمال فنية مقتبسة: فيلم “المتبقي” من إخراج سيف الله داد (إنتاج إيراني سوري سنة 1994)
  • اقتباس مميّز من الكتاب: “كلّ دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقًا صغيرًا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود”

بعد نكبة الـ 48، رُحّل معظم الفلسطينيين قسرًا من مدنهم حتى يستوطنها اليهود. وكانت حيفا من بين أوائل المدن التي شهدت تهجيرًا للآلاف منهم. الرواية عن سعيد وصفية، زوجان من حيفا، اضطرّا إبان الحرب إلى مغادرة المدينة وترك ولدهما الصغير خلدون في البيت، وبعد عشرين سنة، يقرّر الزوجان العودة إلى منزلهما.

رحلة العودة توثيقٌ لكلّ ما قد يصيبُ البعيد عن بيته ووطنه. يصل الزوجان إلى حيفا، فيجدان بيتهما قد تمّ الاستيلاء عليه من طرف مستوطنة يهودية، وابنهما الصغير خلدون، قد تغير وتحول إلى دوف، ونشأ على التعاليم اليهودية، وانخرط في الجيش. تطرح الرواية تساؤلات كثيرة في معنى الهوية، وتفتّش عن دفء الوطن، وتقصّ آلام الفقد: نحن لا نفقد شخصًا بمجرّد أن ننعاه، قد يتجسّد فقدنا في ربح الطرف الآخر له.

أيّ خلدون يا صفيّة، أيّ خلدون؟ لقد علّموه عشرين سنةً كيف يكون، يومًا يومًا، ساعةً ساعة… ثمّ تقولين خيارٌ عادل؟ إنّ خلدون، أو دوف، أو الشيطان إن شئتِ لا يعرفنا. 

يجعل غسان من الرمزية سلاحه من جديد، فخلدون المفقود رمزٌ لوطنٍ انتهب قسرًا، وجرت محاولاتٌ كثيرة لتجريده من هويّته، وريشات الطاووس التي كانت سبعًا، ثمّ صارت خمسًا ترمز إلى القوة والصمود، والحوار المحكم الذي جرى بين سعيد وابنه المتغير خلدون يرمز إلى مقاومة منطق الاحتلال، وغيرها من الرموز التي حاول بها الكاتب عكس واقع مرير.

غسّان يخبرنا كذلك وبطريقة أو بأخرى بأنّ كلّ مغادرٍ خسر عشقه؛ إن عاد اختلفت عليه الملامح، وإن لم يعد أنهكه الشوق!

أمّ سعد وحراسة الوطن

رواياتُ غسان كنفاني
  • اسم المؤلف: غسان كنفاني – Ghassan Kanafani
  • تصنيف الكتاب: أدب روائي اجتماعي
  • تاريخ النشر الأصلي: 1969
  • دار النشر الأصلية: دار العودة – بيروت
  • لغة النشر الأصلية: اللغة العربية
  • عدد الصفحات: 96
  • تقييم جودريدز: 4.01
  • تقييم أمازون: 4
  • اقتباس مميّز من الكتاب: “قال لها: تصبحين على وطن، فقالت أمّ سعد: مفيش حدا بنام، بصحى، بلاقي وطن بستناه”.

أمّ سعد امرأة مناضلة حقيقية، كتب عنها غسّان بعد أن تركت عظيم الأثر في نفسه. لم تكن هذه المرأة الفلاحة التي إذا دخلت إلى الغرفة، انبعثت معها رائحة الريف، وحصاد الزيتون، أمًّا لسعد وحده، بل كانت أمًّا لكلّ الفلسطينيين. الرواية على عكس سابقتها “رجال في الشمس” لم تحمل يأسًا، ولا استسلامًا، بل كانت أملًا متّقدًا بأن يعود الفلسطينيّ إلى أرضه ذات يوم. وكيف ذلك؟ هنا، يعكس غسان قناعته بضرورة الوعي النضاليّ:

هذه المرأةُ تلدُ الأولاد فيصيروا فدائيّين، هي تُخلّف وفلسطين تأخذ.

تربي أمّ سعد، رغم حقيقة لجوئها لمدة 20 سنة في المخيمات، وواقع الفقر والمعاناة التي عاشت فيهما أبناءها على الصمود والنّضال، وترضعهم الوطنية منذ نعومة أظافرهم، وتدفعهم دفعًا نحو المقاومة من أجل ترابهم. وهي فوق كلّ هذا تحبس مشاعرها الحزينة وآلامها وتأبى إلّا أن يراها أولادها بمظهر الشجرة الثابت أصلها. هي كذلك تجسيد لمئات الأمهات من بنات جلدتها، تزفّ أبناءها الشهداء بفرحةٍ وصبر واحتساب رغم فقدها لهم إلى الأبد، هي التجلّي فيما قالته بثينة العيسى:

الفلسطينيّ إنسانٌ من طينة مختلفة.

غسّان، ورغم قصر روايته، وسلاسة أسلوبه استطاع أن يختصر فلسطين بأكملها من النهر إلى البحر في عينيّ أمّ سعد. ما زال هذا الفذّ كدأبه يستعين بالرّمز ليوصل رسالته، وتنجح رسائله في تأدية المهمة بجدارة، لا لشيء سوى لأنّه رجل صادق في كتابته، ومؤمن بشدّة فيما يكتب.

ما تبقى لكم: حسابُ الموتِ، حسابُ الخسارة

رواياتُ غسان كنفاني
  • اسم المؤلف: غسان كنفاني – Ghassan Kanafani
  • تصنيف الكتاب: أدب روائي اجتماعي
  • تاريخ النشر الأصلي: 1966
  • لغة النشر الأصلية: اللغة العربية
  • عدد الصفحات: 80
  • تقييم جودريدز: 3.62
  • تقييم أمازون: 1.5
  • ترجمات إلى لغات أخرى: اللغة الإنجليزية، اللغة الفارسية
  • الجوائز: جائزة أصدقاء الكتاب (سنة 1966)
  • اقتباس مميّز من الكتاب: “يا ولدي المسكين، أكان من الضروري أن ترتطم بالعالم على هذه الصورة الفاجعة؟”. 

الروايةُ الملتفّة على نفسها“، “الوجه الآخر لغسّان“، بهذه العبارات وصفت رواية ما تبقى لكم التي كانت المحاولة الروائية الثانية للكاتب. ماذا يتبقى للمرء بعد أن يفقد وطنه؟ لا شيء سوى الخراب، والشتات. الحكاية عن أسرة يتم تهجيرها من يافا، فيتشتت أهلها تبعًا لذلك؛ إذ تعيش الأمّ في الأردن، ويبقى أولادها حامد ومريم في غزة.

هل سيفهم القرّاء هذه الرواية عند قراءتها؟ ليس بنسبة كاملة. في الرواية صخب وعنف شديدين، ينتقل غسان عبرهما نحو حواراتٍ توزع على الشخصيات من غير سابق إنذار حتّى يفقد أحدنا أحيانًا خيط الأحداث، وصاحب الكلام. يستعمل كعادته الرمز فتحكي القصّة عن مريم الأرض المسلوبة التي تعاني من زكريا الذي يرمز للخائن الوطن، وعن حامد الذي يتوه في الصحراء بين فلسطين والأردن بحثًا عن أمّه ويمثّل صورة الفلسطيني العاجز الذي يترك بيته، وزكريا النتن الذي يسيء معاملة مريم، ويخون وطنه، كما يتطرق إلى التحليل النفسيّ لشعور الفلسيطنيين الذين يلقى عليهم القبض من طرف الإسرائيليين بفعل الخيانة.

كما لا تخلو الرواية من البعد الفلسفي الذي أكسبه الكاتب لها على طول الطور، خصوصًا فيما يتعلّق بعقارب الساعة التي لا يمكن لأحدها أن يلحق الآخر، والصحراء الشاسعة التي تلفظ كلّ ما يمرّ عبرها. في الرواية رغبةٌ قوية في قتل الخائن، وقتل العدوّ، ومحاولات لتلافي ما بقي للفاقد: يُختم المشهد بأمّ سالم وهي تبحث عن قبر ابنها، هذا ما تبقى لها منه.

اقرأ أيضًا: الكتب الـ100 الأكثر مبيعًا في الوطن العربي: كتب جديرة بالقراءة في 2021

 أرض البرتقال الحزين: أوجه متعدّدة والمأساة واحدة

رواياتُ غسان كنفاني
  • اسم المؤلف: غسان كنفاني – Ghassan Kanafani
  • تصنيف الكتاب: مجموعة قصصية
  • تاريخ النشر الأصلي: 1962
  • لغة النشر الأصلية: اللغة العربية
  • عدد الصفحات: 102
  • تقييم جودريدز: 4.01
  • تقييم أمازون: 5
  • ترجمات إلى لغات أخرى: اللغة الانجليزية، اللغة الألمانية
  • اقتباس مميّز من الكتاب: “يموت الأبطال دون أن يسمع بهم أحد”

مجموعة قصصية بعيار رواية ثقيلةٍ ثقل الأفكار التي تحملها: تتعدّد الحكاياتُ والمأساةُ واحدة. هل تريد أن تقرأ مدرسةً من القيم النضالية؟ مع كلّ ما يرافق هذا النضال من عناء، وأحداث طويلة؟ أرض البرتقال الحزين تؤدي غرض ذلك، هي حراسةٌ للذاكرة، هي رصاصةُ مقاومة، هي صوتٌ للنضال، هي صراخ حنجرة كسيرةٍ، هي البرتقال، والزيتون والكوفية، وحبر غسّان الذي يقطع أوصالنا كسكّين حادّ.

عشر قصص تجري في إطارات مكانية مختلفة، لا شيء سوى الوجع، والموت، والتيه، والفقد. تمرّ بين أعيننا المشاهد تباعًا بعد قراءتها، كأنّها لقطات هاربة من فيلم سينمائيّ: الطفل الصغير اللاهث الذي يبحث عن الماء لأمّه وهي تُحتضر، الفلاح المسنّ الذي يسقي أرض برتقاله بالدموع، والعرق، ومرارة الانتظار، ممرٌّ كئيب بين مخيمات اللاجئين، حيث يلتقط السياح صورةً تذكاريةً غير آبهين: وهل تؤخذ صورةُ المسلوب كذكرى؟ السلاح، والصراصير، وما بينهما من تناقضات وارتباطات!

في هذه المجموعة القصصية، تركَ غسّان كلمته:

لا تمت قبل أن تكون ندًا… لا تمُت!

العاشق: صرخة غسان بعد استشهاده

رواياتُ غسان كنفاني
  • اسم المؤلف: غسان كنفاني – Ghassan Kanafani
  • تصنيف الكتاب: أدب روائي اجتماعي
  • تاريخ النشر الأصلي: 1987
  • دار النشر الأصلية: مؤسسة الأبحاث العربية
  • لغة النشر الأصلية: اللغة العربية
  • عدد الصفحات: 140
  • تقييم جودريدز: 3.77
  • اقتباس مميّز من الكتاب: “ليس مرّةً أخرى، إنّ العمر الواحد لا يتّسع لأكذوبتين كبيرتين”

“العاشق”، “الأعمى والأطرش”، “برقوق نيسان” ثلاث رواياتٍ غير مكتملة، نشرت بعد استشهاد غسّان كأنما أريد بها أن تكمل حكاياته التي لم تنتهِ بمجرد استشهاده، لأنّ الفكرة لا تموت، فمن قال بأنّ هذه الروايات ناقصة؟

كان يسمّى بقاسم، وكان عاملًا في اسطبل الشيخ سلمان في الغابسية. لم يدرِ أحدٌ من هو أو من أين أتى، لكنه وأثناء ذهابه لإحضار الشاي للشيخ، يمرّ على رماد حارّ محترق بكلّ تؤدة وهدوء، فاحترقت قدماه، ولقّب بالعاشق؛ لقد قالوا بأنّ هذا الثبات لا يمكن أن ينبع إلا من عاشق، أو نبيّ. ثمّ سرعان ما بدأ جنود الاحتلال في تقصي أخباره والبحث عنه، هو إذًا فدائيّ فلسطينيّ. هل اقتبس غسان فكرته من القصّة الشعبية عن ظريف الطول؟ ذلك المناضل الذي لم يُعرف عنه كيف دخل إلى القرية أو كيف خرج منها، ولم يذكره الآخرون إلا بشجاعته ونضاله؟ ثمّ صارت سيرته أنشودة يتغنى الشعب بها: “يا ظريف الطول وقف تاقلك…”.

يدور حوارٌ بين أبو قيس الأصمّ، وعامر الأعمى، اللذان يلتقيان صدفةً خلال رحلة كليهما في البحث عن قبر الوليّ الصالح عبد المعطي، ليطلبا منه أن يردّ لهما السّمع والبصر. يعود غسان عبر هذا الحوار إلى ملاذه المفضل: إلى الرمزية في التعبير ويجسّد عبرها تشارك مسقط الرّأس (حيفا)، ومرارة العجز، والانتظار الطويل في أن تحدث معجزةٌ ما ويستردّ الأعمى بصره، والأصمّ سمعه. لم تكتمل الرواية، لكن سطور أحداثها تبلّغ المعنى ببلاغة: قبر الوليّ الصالح لن يحرّر الوطن، لقد ولّى زمن المعجزات!

برقوق نيسان، باقةُ أزهار البرقوق الأحمر التي قطفها أبو القاسم وأخذها إلى سعاد كدأبه، أبو القاسم الذي أنكر جثه ابنه الشهيد لكنّه فوجئ بثلاث جنود يصوبون سلاحًا حوله ويسألونه عن صاحبة البيت، وقرابته بها؟ من كانت سعاد؟ ولماذا أنكر أبو القاسم جثة ابنه؟ شيء من الإجابة موجود عند قراءة الرواية، والشيء الآخر رحل مع غسّان.

لم تكن هذه الأعمال وحدها هي الشاهدة على كفاح أمّة. أبدع غسّان في الكتابة عن القضية والمقاومة بالقلم في “الشيء الآخر”، و”عالم ليس لنا”، وعشرات المقالات والكتب النقدية.

سقط غسان بفعل سيارة مفخخة من الموساد الإسرائيليّ، لكنّ كتاباته لم تسقط. هي ذا نصيحةٌ متواضعة: اقرأوا لغسّان، وعلّموا قصصه لأولادكم؛ هذا الجيل يعاني من انحراف البوصلة، لذا أعيدوا المؤشر لمكانه، تداركوا الغريق قبل غرقه!

اقرأ أيضًا: من كافكا وحتى كنفاني: رسائل غرامية عرفها عالم الأدب تجنبها إن كنت تعاني من الرومانسية المفرطة وترغب بالنسيان