في هذا المقال، سنتمشى سويًا على ضِفافِ نهر أحدث الروايات العربية المتدفق، ولكن لا تقلقوا، لن نسيرَ لأميالٍ بعيدة، سنتوقفُ لنحتسيَ فنجانًا من القهوة في القاهرة ونتجول بين حقول هَرر، فهل أنتم مستعدون؟

حين ألقيتُ نظرةً فاحصة على مُعظم قراءاتي، ذُهلت وشعرت بخزيٍ ينمو ويتفاقم داخلي، تصطفّ الروايات المترجمة على اختلافِ اللغات جنبًا إلى جنب، من الكوريّة إلى البرتغالية والأسبانية، وعدّة روايات عربية شحيحة تقاسمها الرفّ على استحياء.

لطالما نمضي بخُطًى وئيدة ومترددة نحو الروايات عمومًا، ربما لأننا لا نجزم أن ما ستأتي به صفحاتها سيعجبنا أم سيخذلنا، وفريقٌ آخر يرى أن الروايات مجرّد حكايا، لا تقدّم أو تؤخرّ، ولهذا يتجنبّونها، ويمضون.

في مقالي اليوم، أوجّه حديثي للفريقِ الأول وأدعو الفريق الثاني للاستماع علّه يغير وجهة نظرِه، ودعوني أقتبسُ من حوارٍ للروائي والناقد التونسي كمال الرياحي حين سُئِل عن سبب غياب الرواية العربية عن المشهد الثقافي في الغرب قائلًا:

في الماضي، كان طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ نجومٌ على التلفاز وفي الصحافة، أما الآن، فالشعوب العربية لا تعرف نُخبتها الحقيقية، لا تعرف كُتّابها

والآن دعوني أعرض عليكم بعضًا من أحدث الروايات العربية التي حجزت مكانها على رفوفِ مكتبتي واستقرّت هُناك.

ماكيت القاهرة

أحدث الروايات العربية: ماكيت القاهرة
  • عام النشر: 2021
  • عدد الصفحات: 408
  • وصلت الرواية للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية

”كانت نود تعرف أن الجميع، وعلى اختلاف الأعراض، مرضى بالحياة"

بين أوريجا وإصبعه المُذخَر بالرصاصِ الذي قتل به والدَه في حركةٍ طفولية بريئة، وبين نود ومرآتها السحرية التي تعكسُ لها ملامح شخصٍ آخر كلما نظرت فيها، شخص لا تعرفه ولا يعرفها. وأخيرًا، يوجد بطلُنا بلياردو وولعه بسرقة ممتلكات الناس ونسبها لنفسه، حتى وإن كانت عينًا بشرية اقتنصها سلاح جندي من شخصٍ أعزل.

ينتقلُ بنا طارق إمام عبر ضواحي القاهرة، أو بالأحرى عبر أركانِ ماكيت القاهرة الذي يتشارك الأبطال الثلاث في صُنعه. ومع انسلالِ الصفحات، أدركتُ أن طارق إمام ليس فقط حكاءً بارعًا ولكنه أيضًا يمتلك نظرةً فلسفية فريدة، فبين السطور تجده يرمي لكَ سؤالًا يؤرقه، فتضطر أن تبحث له عن إجابة وافية.

احترفَ إمام في هذه الرواية باللعب مع الأزمنة، فأخذ يتنقل عبرها بالتوازي مع تنقله من شخصية لأخرى، من أوريجا المستقبلي الذي يعيش في عام 2045، ونود التي تعيش في العام الكوفيديّ 2020، ومن ثمَّ يعود بنا للماضي حيث بلياردو وهو يقف وسط أحداث الثورة المصرية عام 2011.

أخذ إمام يرتحلُ بنا من هنا لهناك تاركًا لقلمه المساحة الكاملة لرسمِ ملامح كل شخصية بتأنٍ بليغ.

في هذه الرواية، نجدُ أنفسنا أمام إبداعٍ لا سقفَ له، إبداعٌ مُترامي الأطراف، تلجُ فيه ولا تستطيع الخروج منه، أراد من خلاله إمام أن يطرح عدّة أسئلة عن المدينة وسكانها، هل هم من يصنعوها؟ وهل تمتلك المدن ذاكرتها الخاصة؟

اقرأ أيضًا: أشهر 5 روايات عربية تحولت إلى أفلام سينمائية ولم تفقد قيمتها الجمالية.

خبز على طاولة الخال ميلاد

  • عام النشر: 2021
  • عدد الصفحات: 364
  • فازت الرواية بجائزة البوكر العربية

طيلة حياتي، كانت الدنيا تحشرني في الزاوية كقطٍّ يبحث عن مهربٍ فيتّخذ قرارًا انتحاريًّا بالولوج من تحت أقدام محاصريه

هُنا، قرر النعّاس أن يعودَ بنا إلى أرض الواقع بعدما حلّق بنا إمام فوق سماءِ الخيال السابعة. فجاءت هذه الرواية مُستوحاةً من المثل الليبيّ "عيلة وخالها ميلاد" الذي غرضه هو أن يشينَ الرجل منكرًا رجولته. كُتبت الرواية كلها بصيغة المتكلم فجاءت كل الأحداث على لسانِ ميلاد، فإذ به يحكي لنا عن والده، الخباز الماهر، ولكنه -كنُخبة كبيرة من الآباء- لم يستطع أن يكتسبَ نفس المهارة في التعبير عن مشاعره لابنه وأفراد عائلته. 

يحكي لنا ميلاد خلال صفحات الرواية عن كل الشخصيات التي تقابله وتحاول أن تصنع منه رجلًا - وفقًا للمفهوم الدارج- فنجد شخصية ابنِ عمه التي تتناقض مع شخصية ميلاد تمامًا، ثم يأخذنا معه أثناء دخوله الجيش وتعامله مع تلك القوالب الجاهزة لمفهوم الرجولة، التي يحاول كل من حوله صبّه فيها، وعجنه كخبزٍ يشكلّونه كيفما يشاؤون.

وعلى الرغم من الشخصيات العديدة التي تحفل بها الرواية، إلا أن كل شخصية كان لها دورُها، وإن تغاضيت عن أحدهم لن تكتملَ الرواية إلا بحضورِه. ومع كل تلك العلاقات المتداخلة التي يُقحمنا ميلاد فيها منذ اللحظة الأولى، نجدُ علاقته مع الخبز تبرز، بطل الرواية الأساسيّ.

اقرأ أيضًا: أرشح لك روايات لكتاب شباب تستحق القراءة.

أقفاصٌ فارغة

أحدث الروايات العربية: أقفاص فارغة
  • عام النشر: 2021
  • عدد الصفحات:258

 ما إن أحاول تذكر سنواتي الأولى، حتى يتمدد بحرٌ في ذاكرتي، يشوش بصوته، وتمحو أمواجه أية ذكرى تشرع في اكتمالها

تزاحمت الحكايا والذكريات في رأسِ الشاعرة المصرية فاطمة قنديل، فقررت أن تُفضي إلى صديقها الوفيّ الذي لم يخيب ظنها أبدًا؛ الورق. رَوَت له حكايات الطفولة الممزوجة برائحة البحر وحكايات المراهقة المحفوفة برائحة السجائر ولحظاتِ النَزَق الأولى. حين يكون الكاتبُ في مواجهة الورقة والقلم فقط، تنهمرُ الكلمات منه بحريّة وأريحيّة تامّة، وهذا تمامًا ما فعلته قنديل في ”أقفاصٌ فارغة“ حيث السرد البديع المتماسك الذي تتوارى خلفه سيرةٌ ذاتية متخفّية.

هل يمكن للكتابة أن تمتلكَ القدرة على ترميم بقايا ذكرياتٍ عطِبة حرِصنا طوال حياتنا على كبتها وتناسيها؟ هل يُمكن للغة أن تُعيدَ إحياءَ مشهدٍ قد عفا عليه الزمن وأخذ يتغلغلُ في أعماقِ الماضي؟  

تخوضُ الشاعرة فاطمة قنديل تجربتها السردية الأولى متكئةً على عُكاز تجربتها الحياتية وخبرتها بمواطن اللغة وخباياها، لا لغرض البوح وفقط، بل للتداوي من خلال الكتابة أيضًا.

تخرجُ فاطمة قنديل كعصفورٍ يختبرُ جناحيه في الطيران للمرةِ الأولى، تاركًا وراءه قفصًا فارغًا، يحطُّ على ذِكرى ما، فنجد أنفسنا متورطين معه في النصّ، ثم تمضي هي في طريقِها نحو الحكيِ ونبقى نحنُ برِفقة نصٍّ زاخم، مُفعمٍ بالحياةِ، بصدقِها وأوجاعها المترنّحة. 

"أقفاصٌ فارغة" هو عملٌ تلقائيّ، مُوجعٌ وكاشف، ولكنه بالأكثر دافئ.

رامبو الحبشي

أحدث الروايات العربية: رامبو الحبشي
  • عام النشر: 2020
  • عدد الصفحات: 264
  • وصلت الرواية للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية

الذاكرة، ذلك الدهليز المخبَّأ داخل كل واحد منا، لا يعرف سوانا ما يوجد بداخله، وحتى الواحد قد تختلط عليه أشياؤه، بين الحقيقي وما سعى لأن يكون حقيقيًّا وما سعى لإنكاره كأنه لم يحدث.

وآخر رواياتنا على قائمة أحدث الروايات العربية هي "رامبو الحبشي" للكاتب الإرتيريّ حجّي جابر، الذي قرر الولوجَ بنا لعالم الخيال الرحب من جديد. 

 يقلبُ الكاتب الهامش إلى متنٍ مُبقيًا على أصلِ الحكاية، يمنحُ ألماز -بطلة الرواية- صوتًا واسمًا ونبضًا بعدما كانت مُجرد فتاةٍ قد نُقش حضورِها على هامشِ الورقة وسقط من التاريخ. تتداخلُ أحداث حياةَ الشاعر الفرنسيّ آرثر رامبو الحقيقية مع حياةِ ألماز المتخيلة من ألفِها ليائِها. يصنّف جابر روايته بأنها نوعًا من التخييل التاريخيّ، حيث يُضفّر حدثًا حقيقيًا يمكنك التيقّـن منه من خلال ضغطةِ زر، وآخرَ متخيّلًا. 

بين ذاكرةِ ألماز الحافلة بخيباتِ الأمل والأحلامِ المبتورة وبين ذاكرةِ رامبو المتخَمة برغبته التي لا تنتهي في تجربة كل شيء؛ تأتي ذاكرةُ المدينة -مدينة هَرر الحبشية-  لتمدّنـا بصورةٍ أوسع، أوضح وأشمل. فذاكرةُ المدن تبقى على حالِها وإن تغير كل الناس المتواجدين على أرضها، فالمدن وحدها من تمتلك تلك القدرة على إمدادك بتاريخها، دون أن تنتقصَ منه شيئًا أو تزين فيه حدثًا.

ستجدُ نفسك تتبع خُطى ألماز في تلصصِها على رسائل رامبو لأمه وأخته في فرنسا لا بغرضِ الفضول، بل طمعًا منها في أن تجدَ شيئًا من الاهتمام ولو على الورق، طمعًا في أن يذكرَ اسمها ولو لمرةٍ واحدة على هامشِ رسالةٍ ما، طمعًا منها في أن يتحقق حلمٌ ما بدل أن يُبتَر.

"رامبو الحبشي"؛ هي روايةٌ ملونةٌ تمامًا كغلافِها، منح فيها حجي جابر العنانَ لخياله ليكملَ أطراف الصورة التي قرر التاريخ تهميشها، قرر أن ينظر للذي جرى بعينين متطلعتين، تخترقان جِدارَ التاريخ، تقتنصُ منه الشخصيات فقط وتختارُ هي صُنع الحكاية، تسردُها وتحييها دون أن تُفقدها أصالتها.

والآن، ماذا عنكَ عزيزي القارئ؟ أي رواية تفضّل أنتَ من أحدث الروايات العربية؟