يعيش كل منا في هذه الحياة وفقًا لفلسفة الحياة اليومية الخاصة به، ويحيا مقتنعًا في أغلب الأحيان بأن منظوره هذا هو الأصح والأدق من غيره، دون أن يطلق تسميةً على منطقه الحياتي أو أسلوبه الذي يتبعه في علاقاته المتنوعة؛ سواء في الحياة الخاصة أو العامة.

نعم؛ يعيش كلٌّ منا وفق فلسفته الخاصة، حتى وإن كان يرى الفلسفة أمرًا مبتذلًا وخارجًا عن المنطق، وربما يكون هذا هو السبب الذي دفع سقراط في يوم من الأيام لمحاولة معرفة نفسه، ولمساعدة الشباب على تعرّف ذواتهم ومحبتها كأول خطوة في الوصول إلى الحقيقة.

إن معرفتنا لذواتنا مهمة جدًا، فبدونها لا نستطيع تحديد ما نريد من هذه الحياة، ونحن في العادة نقرر ما نريد من الحياة بعد تفكير عميق، ويكون ذلك مرتبطًا بطبيعة البيئات التي ننتمي إليها، ونوع الثقافة التي نحملها، إضافة إلى مدى رغبتنا في بناء قناعات جديدة مختلفة عما تربينا عليه.

كل ما سبق هو جزء من فلسفاتنا الخاصة والتي تعني أننا نعيش وفقًا لهذا النمط دون غيره، وهذا ما يدفعنا هنا للتعرف على فلسفة الحياة اليومية وضرورتها في حياتنا، من خلال التعرف على أهم ما يجب أن نقوم به كي نستطيع بناء فلسفاتنا الخاصة.

اعرف ذاتك.. أول خطوة لفلسفة الحياة اليومية

إنه أول الدروس التي تعلمناها من سقراط، لماذا سقراط؟

لأنه انطلق في تعليمه للشباب من حقيقة أنّ علينا أن ننطلق من ذواتنا أولًا، فنحن في الحياة نولد ونعيش وفقًا لما نتعلمه من أسرنا، ومن ثم من مدارسنا وبيئاتنا، وتكون القواعد الأخلاقية التي ينادي بها مجتمعنا هي الأساس الذي ننطلق منه في تصرفاتنا وسلوكاتنا المتعددة.

هنا لا بد أن نتساءل: أين نحن من كل هذا؟ كيف تتكون شخصياتنا الحقيقية إن كنا مجرد توابع لا تقرر أي شيء؟

مع سقراط يبدو أساس فلسفتنا اليومية هو الذات، لأننا إن فهمنا ذواتنا حقًا سنكون قادرين على فهم الحياة بشكل صحيح، وهذا يعني أن ندرك موقعنا من هذا العالم، وأن نكون قادرين على وضع خططنا لحياتنا الخاصة والعملية.

وعليه إن كنت ترغب ببناء فلسفة حياتية خاصة، عليك أولًا وقبل كل شيء سبر أغوار ذاتك، والتأمل بكل ما فيها لتنتقل في المراحل اللاحقة لمعرفة الآخرين الذين يشاركونك هذا العالم.

اعرف الآخرين

"دون الآخر، الأنا مستحيل" هذا ما يقوله فريدريك هاينريتش جاكوبي، ليبين بوضوح تام أن وجود الآخر ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها أبدًا، فهو الذي يشاركني الحياة، ومن دونه لا يمكن لحياتي أن تستمر، فأنا أحتاج الآخر بدءًا من لحظة وجودي، وسواء كنت من أنصار الفردانية أو من أنصار الاجتماعية، فإن الحياة لا يمكنها الاستمرار إذا كنت فردًا وحيدًا.

هنا لا بد أن نشير إلى أن كل شخص منا يبني من خلال علاقته مع الآخر فلسفةً خاصة ومختلفة، فهناك من يجد الآخر جحيمٌ لا بد منه، بينما يذهب آخرون لاعتبار الآخر جزءًا هامًا وأساسيًا في حياته.

في النتيجة: نحن لا يمكننا إنكار وجود الآخر، وعليه نتخذ قرارنا في الحياة، فإما نحب وجوده وننسجم معه ونتشارك كل لحظاتنا، وإما أن نرفض وجوده ونحاربه بوصفه عدوًا لنا، أو لا نبالي له ولوجوده أبدًا.

كن سعيدًا

ولادتنا ومماتنا أمرٌ خارج عن نطاقنا، ولكن ما بينهما هو ما نستطيع التحكم به، فحياتنا تمر بمراحل متعددة وعلينا أن نحياها بحلوها ومرها، ولذلك عليك أن تحاول لتكون سعيدًا، فما تعيشه ينعكس عليك وعلى كل من يعيشون معك.

السعي للسعادة أمرٌ جميلٌ، والإنسان الذي لا يرفع من سقف توقعاته، ولا يبني أحلامًا خيالية لا تتطابق مع الواقع، يبقى شعوره متوازنًا ومليئًا بالرضا، وهذا فعليًا ما يجلب لحظات السعادة، فالسعادة ليست مطلقة ولا تدوم، ولكن لحظاتها ممكنة ونحن نستطيع أن نعيش بعضها فتكفينا لنكون راضين عن حياتنا.

اقرأ أيضًا: هل نحن أحرار في هذا العالم؟ فلسفة الحياة بين المنافسة والحرية.

ابتعد عن مراقبة الآخرين

كي تعيش حياتك بشكلٍ إيجابي عليك أن تبتعد عن مراقبة الآخرين، وعن تقييم تصرفاتهم وأفعالهم، فأنت لست مسؤولًا عما يفعله الناس، ولا يحق لك التدخل فيما يخص غيرك إن لم يكن فعله مضرًا بالمصلحة العامة، وحتى إن كان مضرًا بالمصلحة العامة فإن هناك سبلًا قانونية يفرضها المجتمع تضع حدًا للأفعال الشريرة.

في الحقيقة ما نقصده فعلًا هنا، أولئك الذين يتعيشون على قصص الناس الخاصة، ويتداولونها فيما بينهم محاولين إعطاء قيمة لحياتهم من خلال التقليل من قيمة حياة الآخرين، فيتدخلون ويسيئون وأحيانًا يتسببون بالضرر، فقط من باب التسلية، فتكون فلسفة حياتهم مبنية على الاهتمام بالأمور التافهة والثرثرة التي لا تنفع.

ومقابل هؤلاء، نجد من يتخذون قرارًا في حياتهم أن يعملوا، فيبتعدون تلقائيًا عن أجواء الثرثرة والإساءة، ويهتمون في حياتهم بالأمور النافعة لهم ولغيرهم من الناس، فتكون فلسفة حياتهم مبنية على الإنتاج، والفعل الإيجابي المثمر.

ساعد الآخرين

مساعدة الناس يعطينا شعورًا إيجابيًا، لأنها تسهم في بناء إحساسنا بأننا مفيدون ونافعون، وهذا يعطي قيمةً ومعنىً لحياتنا، ويجعلنا أكثر ثقة بذواتنا وأكثر قدرة على بناء محيط إيجابي يدفعنا للعيش بحرية وسعادة.

عليك إذًا أن تختبر شعورك عندما تساعد أحدًا ما، وقتها ستعرف معنى أن تكون مفيدًا ويتغلغل إلى داخلك ذلك الشعور اللطيف بالجدوى من الحياة.

اقرأ أيضًا: إنت هتتفلسف؟! عن دهشة الفلسفة.. بداية رحلة البحث عن الحقيقة!

كن قويًا

عندما تقوم ببناء ذاتك تدريجيًا، انطلاقًا من معرفتها ووصولًا إلى معرفة الآخرين والوسط المحيط، وعندما تكون قادرًا على مساعدة الآخرين بعيدًا عن الثرثرة والإساءة، ستكون قويًا، والقوة هنا لا تعني قدرتك على الضرب أو التدمير، وإنما تشير إلى قدرتك على التفوق والنجاح ومساعدة الآخرين.

عندما تتخذ فلسفة مبنية على قوة الشخصية تكون قادرًا على الإفصاح عن رأيك دون خوف أو خجل، وستكون مراعيًا ومحبًا وقادرًا على النجاح.

ابتعد عن المبالغة

الإفراط والمبالغة أمران يضران بالإنسان، وعندما يستطع الإنسان ضبط مشاعره وعدم المبالغة بإظهارها سيكون قادرًا على فهم كل شيء بشكل أفضل، فاليوم نعاني من فقدان الثقة في العلاقات لأننا نسعى دائمًا لإظهار أفضل ما لدينا محاولين إخفاء عيوبنا، وهذا يعني أننا سنخسر في نهاية العلاقة لأننا لم نكن صادقين.

لنلقِ نظرة بسيطة اليوم على طبيعة العلاقات التي تجمع الناس، إنهم يتعارفون لأول مرة، وفي المرة التالية يتعانقون وكأنهم عاشوا كل طفولتهم وشبابهم معًا، يتحادثون وكأن صداقة متينة جمعتهم، وفجأة يفترقون لأنهم لم يعرفوا عن بعضهم الحقيقة، فكل ما عرفوه كان جزءًا من تمثيلية تعلموها معتقدين أنهم كلما كانوا غامضين كانوا محبوبين، وهذا بالضبط جيد لفترة ولكنه يفقد معناه مع الوقت.

لذلك لا تبالغوا بمشاعركم، لا في الحب ولا في الكراهية، فالمبالغة أمر سلبي قد يؤثر على استمرارية علاقاتنا وجودتها.

لا تبنِ النجاح بأذية الآخرين

يسعى الناس جميعًا للنجاح والتفوق، ولكنهم يختلفون عن بعضهم بعضًا في الآليات التي يستخدمها كل منهم، فالبعض يحسنون من أدائهم ومعلوماتهم، يثابرون ويتفوقون وينجحون بجدارة.

بينما يسعى البعض الآخر لأذية من حولهم بهدفهم الحصول على فرصهم، وهذا نجده بكثرة ضمن أجواء العمل، عندما يحاول أحدهم التقليل من شأن زملائه كي يحصل على فرصهم، لا سيما إن كان فاقدًا للقدرة على التفوق والنجاح، وهذا النوع من النجاح وهمي، غير حقيقي، ولا يفضي لنتيجة حقيقية، ومصيره في النهاية فشل ذريع.

في النتيجة: ما سبق ذكره، عبارة عن مجموعة من الإرشادات البسيطة لفلسفة الحياة اليومية التي قد تساعدك على بناء أفكارك الخاصة حول الحياة بكل تفاصيلها، بهدف العيش بشكل إيجابي وإيجاد المعنى الذي يجعلك تتابع حياتك راضيًا عما تفعله، وتبقى لك الحرية في اختيار الأفضل من وجهة نظرك.

فلسفة الحياة اليومية لا تعني أبدًا أن نحفظ أقوال الفلاسفة والمفكرين، وأن نكتبها على صفحات التواصل الاجتماعي، وإنما هي ما نبنيه من أفكار حول حياتنا وعلاقاتنا ورغباتنا، إنها نحن بالفعل.