530 عامًا مرت على عبور البحار الإيطالي، كريستوفر كولومبوس، المحيط الأطلسي وهبوطه في الأمريكتين عام 1492. حدث غيّر مجرى التاريخ، يسميه البعض غزوًا واضطهادًا، نظرًا لما حدث للسكان الأصليين من إبادة وعبودية، أما البعض الآخر فيسميه اكتشافًا؛ بزعم أن كولومبوس هو أول من استطاع الوصول إلى العالم الجديد الذي لم يعرفه أحد من قبله. لكن ماذا عن وجود أدلة تخبرنا بشيء آخر!

في الواقع جاء اكتشاف كولومبوس للأمريكتين عقب هزيمة المسلمين في الأندلس، وذلك بعد أن استمر حكمهم لها قرابة الـ 8 قرون، كانوا خلالها روادًا فى علوم الفلك والملاحة وصناعة السفن، كما كانت بحار العالم القديمة بكل مضائقها وخلجانها تحت سيادتهم طوال تلك القرون، فهل غاب المحيط الأطلسي عن معرفتهم الجغرافية والاستكشافية الجبارة؟

حقيقةً، ترك لنا العلماء المسلمين من المؤلفات والتراث الجغرافي الضخم ما يكفي للإجابة عن هذا السؤال، فأخبرونا أنهم بالفعل بحثوا عمَّا وراء ذلك المحيط الذي أطلقوا عليه بحر الظُّلمات وعرفوا أسراره والبلدان المطلة عليه قبل كولومبوس بنحو 5 قرون، لكن ما الدليل على أنهم عرفوا تلك البلدان وعبروا المحيط الأطلسي؟ وما الدليل على تفوقهم على كولومبوس؟ هذا ما سنعرفه فيما يلي:

المحيط الأطلسي في خرائط المسلمين

لم يغب المحيط الأطلسي عن خرائط المسلمين، حيث تم رسمه ووصفه من قِبل الجغرافيين المسلمين، ومن أشهر تلك الخرائط وأهمها خريطة الجغرافي العربي، ابن الزيات، الموجودة الآن في مكتبة قصر الإسكوريال في مدريد، والتي تظهر فيها السواحل الشرقية للأمريكتين، بالإضافة إلى الخريطة التي رسمها الجغرافي والمؤرخ المسعودي في القرن الرابع الهجري، والتي أظهر فيها العديد من جزر المحيط، ثم وضح مُسطحًا كبيرًا سمَّاه الأرض المجهولة.

أما عن ثالث خريطة للمحيط الأطلنطي فهي تلك التي اكتشفها الأتراك عام 1929م، والتي رسمها رئيس البحرية العثماني بيري رئيس، عام 919 هـ /1515م، والمدهش في تلك الخريطة أنها تُظهر شواطئ أمريكا بتفاصيل غاية في الدقة، حتى أنها توضح أنهارًا وأماكن لم يكتشفها الأوروبيون إلا بين عامي 1540و1560م، وهذا يعني أن المسلمين عرفوا بالتأكيد تلك المناطق قبل الأوروبيين.

اقرأ أيضًا: لماذا لا تمتزج مياه المحيط الأطلنطي والمحيط الهادئ ؟

وصف دقيق لبلدان المحيط الأطلسي

وفي مؤلفاتهم وصف الجغرافيون المسلمون المحيط الأطلنطي وبعض البلدان التي تُطل عليه وصفًا دقيقًا، وقد كان للتجار المسلمين لا سيما الأندلسيون الذين أطلَّت بلادهم على هذا المحيط دور في تزويد الجغرافيين المسلمين بالمعلومات الأولية عنه، فنجد أنه في عام 682هـ/1283م نقل الجغرافي القزويني عن الجغرافي والرحالة أبي حامد الغرناطي، أن بلاد يورا التي تقع بقرب بحر الظُّلمات النهار عندهم في الصيف طويل جدًا حتى إن الشمس لا تغيب عنهم مقدار 40 يومًا، وفي الشتاء ليلهم طويل جدًا حتى تغيب الشمس عنهم مقدار 40 يومًا… وأهل يورا ليس لهم زرع ولا ضرع، بل عندهم غابات كثيرة، وأكلهم منها ومن السمك، والطريق إليهم في أرض لا يفارقها الثلج أبدًا

ومن الواضح أن هذا الوصف يتناول بعض المناطق الإسكندنافية المُطِلة على المحيط الأطلسي مثل النرويج أو بعض جزرها في الشمال.

بينما أشار الجغرافي ابن فضل الله العُمري في كتابه مسالك الأبصار في القرن الـ 8 الهجري إلى وجود أرض في الجانب الآخر من بحر الظُّلمات.

وفي عام 1335م/735هـ ذكر ابن الوردي في مُصنَّفه "خريدة العجائب وفريدة الغرائب" الذي توجد نسخته الأصلية في المكتبة الوطنية بباريس، معلومات مدهشة حول جزر المحيط الأطلسي ومناطق في أميركا الجنوبية لم يصلها أي أوروبي إلا بعد قرنين على الأقل من ذلك التاريخ.

حيث كتب ابن الوردي إن جزر الخالدات -وهي جزر الكناري- التي توجد في هذا المحيط تزخر بالمياه والأشجار والذهب، وأن كثرة الذهب هنالك جعل أهل هذه الأرض يُقايضونه فيما بينهم بالسلع الرخيصة كالأقمشة والخرز والحجارة الملونة، كما قال عن سكان هذه الأرض إن بشرتهم مائلة إلى الحُمرة، وإن لباسهم ورق الشجر، وإنهم حاربوا دواب البحر وأسماكه الكبيرة حتى يأكلوها، وتلك الأوصاف قد تنطبق على السكان الأصليين.

الرحلة الأولى للمسلمين لاستكشاف المحيط الأطلسي

هناك رحلتان قام بهما المغامرون المسلمون من الأندلس لاستكشاف المحيط الأطلنطي والبلدان التي تُطل عليه، إحداهما حكى عنها المؤرخ المسعودي في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر" المكتوب سنة 956م.

قال في كتابه إن أحد المغامرين ويدعى الخشخاش بن الأسود، أبحر فى رحلة مع مجموعة من الرفقاء في طريق بحر اسمه بحر الظلمات سنة 889 م، حيث بدأت الرحلة من ميناء بالوس دي لا فرونتيرا بأقصى جنوب الأندلس على المحيط الأطلسي، ثم تعمق شرقًا عبر المحيط الأطلسي ورسا على العديد من الجزر المتناثرة فيه، حتى وصل إلى أرض واسعة مجهولة وجد فيها غنائم ومعادن غالية وعاد منها إلى الأندلس بحمولات ثمينة.

وتعد هذه أول رحلة استكشافية للمسلمين في المحيط الأطلنطي.

الرحلة الأشهر…رحلة الفتية المغررين

أما الرحلة الاستكشافية الثانية فهي رحلة الفتية المغرَّرين، أي الإخوة المغامرين، والذين كانوا 8 إخوة وأبناء عم من مسلمي مدينة لشبونة عاصمة البرتغال حاليًا، وقد قاموا برحلة جريئة في المحيط في القرن الرابع الهجري، وعادوا منها بعد تجارب قاسية وأهوال شديدة، وقد ذكر قصتهم الشريف الإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" عام 560هـ/1165م.

وعن تلك الرحلة قال الإدريسي:

ثمانية رجال كلهم أبناء عم أنشؤوا مركبًا، ثم دخلوا البحر في أول طاروس الريح الشرقية، فجَروا بها نحوًا من أحد عشر يومًا، فوصلوا إلى بحر غليظ الموج كدر الروائح قليل الضوء، فأيقنوا بالتلَف، فردُّوا قلاعهم في اليد الأخرى وجَروا مع البحر في ناحية الجنوب 12 يومًا، فخرجوا إلى جزيرة الغنم، وفيها من الغنم ما لا يأخذه عَدٌّ ولا تحصيل، وهي سارحةٌ لا راعي لها ولا ناظر إليها، فقصدُوا الجزيرة، فنزلوا بها، فأخذوا من تلك الغنم فذبحوها، فوجدوا لحومها مُرة لا يقدر أحد على أكلها، فأخذوا مِن جُلودها وساروا مع الجنوب 12 يومًا، إلى أن لاحت لهم جزيرة فنظروا فيها إلى عِمارة وحرْث، فقصدوا إليها ليروا ما فيها، فما كان غير بعيد حتى أُحيط بهم في زوارق هناك، فأُخذوا وحُملوا في مركبهم إلى مدينة على ضفة البحر، فأُنزلوا بها فرأوا فيها رجالًا شُقرًا زُعرًا شُعُور رؤوسهم سبطة، وهم طوال القدود، ولنسائهم جمال عجيب

واستطرد الإدريسي: فاعتقلهم ملك هذه الجزيرة، وجاء بمترجم يعرف اللغة العربية، فأخبروه أنهم اقتحموا البحر ليروا ما به من الأخبار والعجائب، ويقفوا على نهايته، فلما عَلِم الملك ذلك ضحك وقال للتُّرجمان: أخبر القوم أن أبي أمرَ قومًا من عبيده بركوب هذا البحر وأنهم جروا في عرضِه شهرًا إلى أن انقطع عنهم الضوء وانصرفوا من غير حاجة ولا فائدة، ثم أمر الملك بإطلاق سراحهم بعد إغماض أعينهم ووضعهم في مراكب سارت بهم مدة 3 أيام في المحيط الأطلسي، حتى وصلوا للساحل وهم بحال سيئة وأخبروا الناس بقصتهم، وكانوا برابر، فقال لهم أحدهم: أتعلمون كم بينكم وبين بلدكم (الأندلس)؟ فقالوا: لا، فقال: إن بينكم وبين بلدكم مسيرة شهرين.

يتبين من خلال تلك الرحلة الشهيرة أنها بلغت 38 يومًا، أي أكثر من رحلة كولومبوس التي استمرت 33 يومًا، قطعوا خلالها حوالي 3800 كم، وهي مسافة كافية للوصول إلى أميركا.

وقد كتب مصطفى الشهابي رئيس المجمع العلمي في دمشق عام 1968م، إن هؤلاء الشبان نجحوا بالفعل في الوصول إلى إحدى جُزر أمريكا الجنوبية في البحر الكاريبي أو الأنتيل.

بينما يعتقد بعض المحللين الأوروبيين أن الجزيرة الأولى التي وصلها الفتية هي جزيرة ماديرا الواقعة في المحيط الأطلسي التي تتبع البرتغال حاليًا، والتي قال عنها أستاذ التاريخ عبد الحميد العبادي: إن هذه الجزيرة بها كثير من الماعز تقتات بنوع من العشب، هو السبب في مرارة لحومها.

كولومبوس يستعين بالمسلمين في طريقه للأمريكتين

والدليل على تفوق المسلمين على كولومبوس ومعرفتهم بالمحيط الأطلسي قبله، هو أنه عندما خرج كولومبوس محاولًا إيجاد طريق للإبحار إلى الهند عام 1492، كانت رحلته الأولى مكونة من 3 سفن هي نينا وبينتا وسانتا ماريا.

ووفقًا لما ذكره الدكتور كريج كونسيداين أستاذ علم الاجتماع بجامعة رايس، فإن الشريك في ملكية السفينة الأولى والثانية كان ملاحًا مسلمًا يدعى مارتن بينزون وينحدر من سلالة بني مرين الذين حكموا المغرب بين 1244 – 1465 م.

ووفقًا لكتاب "المخابرات في الدولة الإسلامية" للكاتب محمد هشام الشربيني، فإن عددًا من البحارة المسلمين من بقايا المماليك الأندلسية كانوا من أفراد البعثة الاستكشافية التي قادها كولومبوس نحو الأمريكتين، نظرًا لتفوقهم في علوم الفلك والملاحة وصناعة السفن.

إذًا فالمسلمين رسموا المحيط الأطلسي في خرائطهم ووصفوا البلاد المطلة عليه وصفًا دقيقًا، وحكت كتب التراث تفاصيل رحلاتهم إلى العالم الجديد، حتى إن كولومبوس نفسه استعان بهم في رحلته.. كل تلك الأدلة توضح كيف شق المسلمون بحر الظلمات قبل الأوروبيين بقرون.