فيلم التحرر Emancipation.. عندما تكون الحرية نضالًا شعبيًا!

نهلة أحمد مصطفى
نهلة أحمد مصطفى

4 د

بعد فيلمه الأخير “الملك ريتشارد" الذي حقق نجاحًا ساحقًا، يعود ويل سميث بفيلمه الجديد "التحرر" الذي صدر في ديسمبر عام 2022 لمخرجه "أنطوان فوكوا"، وعلى الفور أصبح الفيلم حديث محبي السينما حول العالم.

فيديو يوتيوب

يشارك ويل سميث البطولة كلٌّ من "بن فوستر"، "ستيفن أوج"، "شارمين بنجوا"، و"مصطفى شاكير" وتدور قصة الفيلم المستوحاة من أحداث حقيقية، في عام 1861 حول قصة "بيتر"؛ العبد الذي أُخذ بالقوة من مزرعة سيده ليعمل في مدّ خطوط السكك الحديدية، لكنه يهرب عندما يسمع عن قرار "إبراهام لينكولن" حول تحرير العبيد، ويتابع الفيلم رحلة هروبه بما فيها من لحظات قاسية وأليمة حتى يصل إلى جيش الاتحاد حين يدرك أن الانضمام لصفوف المقاتلين في جيش الحرس الوطني هي فرصته الوحيدة للتحرر.

أصدرت شركة "آبل" الفيلم بشكل حصري اليوم الثاني من شهر ديسمبر، حيث إنه يمثل اليوم الدولي لإلغاء الرق حين اعتمدت الجمعية العامة لاتفاقية الأمم المتحدة قمع الاتجار بالأشخاص واستغلال بغاء الغير، وينصب التركيز في هذا اليوم على القضاء على أشكال الرق المعاصرة مثل الاتجار بالأشخاص والاستغلال الجنسي وأسوأ أشكال عمل الأطفال والزواج القسري والتجنيد القسري للأطفال لاستخدامهم في النزاعات المسلحة.

ويعود الفيلم إلى زمن الحرب الأهلية الأمريكية التي استمرت منذ عام 1861 وحتى 1865، وهي صراعات حدثت عندما أعلنت إحدى عشرة ولاية جنوبية انفصالها عن الولايات المتحدة مكونة "الولايات الكونفدرالية الأمريكية".. حيث كانت تلك الولايات لا تزال متمسكة بالعبودية حتى بعد أن أصدر لينكولن إعلانًا بتحرير العبيد في سبتمبر عام 1962، وهي حيث تبدأ قصة بطل الفيلم "بيتر" حيث تم أخذه إلى بلدة كلينتون بمقاطعة ميسيسبي الجنوبية ليعمل بجانب العديد من العبيد الآخرين، وهناك يسمع بإعلان تحرير العبيد الذي أصدره "لينكولن"، ويقرر الفرار عبر المستنقعات ليصل إلى جيوش الاتحاد بالشمال فيصبح إحدى غنائم الحرب، وهو الأمر الذي يتيح له التخلص من العبودية ولو بشكل مبدئي من خلال القتال في الحرب.

نجح المخرج "أنطوان فوكوا" في خلق فيلم أكشن وإثارة من الدرجة الأولى، فتم بناء القصة بطريقة لا تتيح للمُشاهد الشعور بأي لحظات من الملل أو فتور حماس المتابعة، فبعد سلسلة من المشاهد يعرض فيها الفيلم الطريقة المهينة والوحشية التي كانت تتم معاملة العبيد بها؛ قتلهم وكأنهم حفنة من الذباب، وتعذيبهم بكل الطرق التي قد تخطر أو لا تخطر على أي عقل بشري، مع مرور العشرين دقيقة الأولى، تبدأ القصة في الانغماس في مشاهد الاستعداد للفرار ثم مع انقضاء النصف الساعة الأولى تبدأ الرحلة، وتبدأ معها لحظات من حبس الأنفاس والترقب الشديد في كل مرة توشك القوات على الإمساك به، أو في صراعه مع تماسيح المستنقعات ومحاولاته لمداواة جروحه الجسدية الجسيمة دون إصدار أي أصوات تأوه حتى لا تسمعه القوات، وفي المرات العديدة التي كانت كلاب الصيد على وشك العثور على مكان اختبائه.. مشاهد عديدة تم تصويرها وإخراجها بشكل رائع، ما أدى إلى التوحد التام من المشاهد معها، وأنا متأكدة تمامًا من أن جميع المُشاهدين لم يتوقفوا عن الدعاء لبيتر بالنجاة، حتى وإن كانت القصة حقيقية والنجاة مؤكدة، إلا أن تلك المشاعر لا يمكن السيطرة عليها أمام أحداث الفيلم المحتدمة.

ذو صلة

على الرغم من التصوير الرائع للفيلم والبناء الجيد لتسلسل الأحداث، إلا أنه لا يمكننا القول إنه لا يخلو من المشاكل، وخاصة مشاكل السيناريو. فعلى مستوى الكتابة، افتقد الفيلم لما قد يجعله مختلفًا عن الأفلام التي ناقشت أزمة العبودية. فلا تخلو السينما الأمريكية من الأفلام التي تدور حول العبودية، ومعظمها أفلام حفرت لنفسها مكانًا خالدًا في التاريخ وفي أذهان الناس، منها على سبيل المثال لا الحصر، فيلما "اثنا عشر عامًا من العبودية" و"الكتاب الأخضر"، لذلك كان من المهم أن يقدم فيلم "التحرر" رؤية جديدة للأمور، حتى وإن كانت لقصة حقيقة.

فالفيلم يتعرض لقصة "بيتر" من خلال المنظور المعروف عنها، قصة الفرار واللجوء إلى الجيش، لكنها في المقابل على سبيل المثال لم تتعمق في الجانب الشخصي لبيتر، فنحن لا نعلم أي شيء عنه سوى مكان ولادته وأسرته، لا نعلم ما هي خلفيته، حياته في الصغر، أو لماذا عقيدته الدينية بالشكل التي هي عليه.. ربما كان الهدف من ذلك هو تجريد الشخصية من أي سمات شخصية متفردة فيمكن حينها أن يكون بيتر رمزًا لجميع العبيد.. لكن هذا الاختيار سلب من القصة فرديتها وخصوصيتها وهو الأمر الذي قد لا ينسجم معه العديد من المُشاهدين الذين يفضلون التقرّب أكثر لكل شخصية بعينها.

تقديم قصة شديدة الحساسية كتلك تُلزم صُنّاعها اختيار ممثل قادر على تقديم أداء على نفس القدر من الحساسية، وهو الأمر الذي استطاع "ويل سميث" القيام به ببراعة. فاستطاع سميث من خلال "بيتر" إظهار مشاعر معقدة ومركبة، ما بين العزيمة والانكسار والألم والإصرار.. أحيانًا كل منها على حدة، وأحيانًا أخرى جميعها في آنٍ واحد. فأداء سميث في الفيلم هو أغلب ما يتحدث عنه المشاهدون بعد الانتهاء من المشاهدة.

وبالطبع لا يمكن التغافل عن "بن فوستر" الذي قدم أداء مميزًا للغاية.

فيلم "التحرر" هو فيلم جيد وممتع إلى أقصى حد، وبلا شك أحد أهم أفلام عام 2022 مهما اختلفت الآراء حول مدى جودته.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات