أثيرت الضجة مرةً أخرى مع صدور الفيلم الوثائقي «والدنا Our Father» والذي يحكي قصة طبيب يُخصّب مريضاته النساء اللواتي يرغبن بالإنجاب مع عدم إمكانية الحصول على سائل منوي سليم، بسائله المنوي الخاص مدعيًا أن هناك «مانحون Sperm Donors» هم مَن يفعلون ذلك، وأنهُ لا يستخدم مانحًا واحدًا لأكثر من 3 مرات، ليثير الأمر الكثير من الجدل في الولايات المتحدة الأمريكية لا سيما ولاية إنديانا بوليس.

ليتبين لاحقًا أنهُ ليس هو وحده مَن يفعل ذلك، بل هناك أطباء أيضًا يمارسون نفس القضية، إذ يضعون سائلهم المنوي الخاص مُدّعين أنهُ من قبل مانح خارجي لا علاقة لهُ بالأمر.

قد يقول قائل.. وما المشكلة؟ المشكلة أن الطبيب الذي سنحكي عنهُ في مقالنا، تبين أنهُ يمتلك 94 طفلًا من خلال هذه العملية وحدها! والقضية الأكبر أن إحدى البنات -بنته البيولوجية، الشقيقة رقم 61 في الفيلم واسمها أليسون كرامر- إحدى مريضاته! فقد كان قاب قوسين أو أدنى من زراعة سائل منوي آخر في بنته البيولوجية مرةً أخرى!

والكثير من الأشياء المحرّمة المتشابكة، لعلنا هنا نذكر شيئًا منها، مما أوضحهُ الفيلم الوثائقي..

اقرأ أيضًا: فيلم Top Gun.. النقيب مافريك ومعنى اختراق حدود الإنسان

فيلم Our Father.. قصة طبيب ينفّذ لعبة قذرة

تدور قصة فيلم Our Father الذي يروي أحداثًا حقيقيةً، حول مجموعة من النساء اللاتي يردن أن يحظين بفرصة إنجاب طفل. يُعاني بعض أزواجهنّ من بعض المشاكل وبالتالي لا يمكنهم منح حيوانات منوية سليمة، في حين يمتلك البعض الآخر أزواجًا سليمين معافين وهنا تكمن المشكلة الكبرى!

حيث يقوم الطبيب «دونالد كلاين Donald Cline» بإيهام النساء اللواتي يردن الخضوع لعملية زرع نطفة وسائل منوي، بأنهُ يجلب تلك النطاف من خلال متبرعين ومانحي نطاف من مشفى مُقابل لعيادته، والذين هم في غالبهم أطباء مقيمين من المشفى نفسها، إلا أن الحقيقة تظهر في النهاية أنهُ كان يأخذ سائله المنوي الخاص ويحقنه في النساء الراغبات في الإنجاب والحصول على الأطفال.

تكمن الطامة الكبرى في بعض الحالات التي كان الأزواج فيها مُتعافين، وكان مطلبهم فقط أخذ السائل المنوي للزوج وزرعه في زوجته عن طريق عملية نقل خارجية، وهي حالة قد تُطلب في بعض الظروف الصحية عندما يكون هناك انسداد في القنوات الناقلة للنطاف عند الرجل أو مشاكل أخرى في الطرق التناسلية، إلا أن الطبيب كلاين حتى في هذه الحالة كان يأخذ سائله المنوي ويحقنهُ في النساء!

فالرجل يبدو أنه بشكل ما يُريد لجيناته ومورثاته الشخصية أن تنتشر، بغض النظر عن مطالب مَن يأتيه من مرضى!

اقرأ أيضًا: فيلم The Outfit.. عندما يجتمع نجما أوسكار في عمل فني واحد!

الـ Our Father.. عنصرية الشعر الأشقر والعيون الزرقاء

مما أوضحهُ فيلم Our Father، أن الرجل "دونالد كلاين" ينتمي لجماعة دينية تشدد على أهمية إنجاب الأطفال -من عرق واحد فقط، وهم البيض الشقر- وأهمية أن ينحصر دور الأنثى في إنجاب أكبر قدر ممكن من الأطفال، ومن خلال المقابلات التي أجرتها إحدى بناته -البيولوجيات فقط- معهُ أو المراسلات الصحفيات، قلن جميعاً إنهُ يمتلك مسدسًا بشكل دائم ويضعه على جانب حزام بنطاله.

فهو إذاً من الشخصيات المعروفة في الولايات المتحدة الأمريكية، أولئك الذين يرون في أنفسهم «الكاو بوي» ويحبون ترامب كثيراً.

اقرأ أيضًا: فيلم The Unbearable Weight of Massive Talent.. هل وزن الموهبة ثقيل؟

بداية قصة Our Father.. جاءت من الابنة الأولى جاكوبا

جاكوبا هي إحدى البنات اللاتي وُلدن بطريقة منح النطاف والسائل المنوي.. خطرَ على بالها في إحدى المرات أن تقوم بفحص لحمضها النووي بغية إيجاد شقيق ما هنا وهناك وتتعرف عليه وتبني علاقة أخوة على أعلى تقدير، وصداقة على أقل تقدير، أو لا شيء فتكون حينها قد كسبت شرف المحاولة، إلا أن نتائج تحليلها أوضحت أن لها حوالي 7 أقارب وأشقاء! وهذا رقم كبير إلى حدٍ ما دفعها للشك والبحث أكثر في الموضوع.

قابلت إحدى الشقيقات وأخبرتها بأهمية إجراء اختبار لحمضها النووي، وفعلت ذلك وتبين بالفعل أنها أختها بشكل متطابق، ومن هنا بدأت الكرة بالتدحرج أكثر وأكثر.

الشقيقة رقم 14 واسمها جولي.. الشقيق مات رقم 17.. الشقيقة هيثر رقم 22.. الشقيقة ليزا رقم 33.. الشقيقة جيسون رقم 48.. الشقيقة كيري رقم 53.. الشقيق اليسون رقم 61.. وهكذا..

لدرجة أنها أصبحت تشك في كل شخص تراه في الطريق وتقع عيناها عليه أنهُ من المحتمل أن يكون أخاها أو أختها! وبات البعض منهم يتوسل ألا يكون قد قابلَ أحدًا أو واعدَ أحدهم سواءً ذكراً أو أنثى كيلا يكون في النهاية هو أخوه أو أخته دون أن يدري!

الأهم من هذا كله مشكلة الهوية، وهي مشكلة مؤسفة كانت إحدى البنات تبكي من خلال الفيلم. إذ قالت إن الأمر أشبه ما يكون "بمحو" لشخصيتك.. ففجأة وأنت عمرك 35 سنة، دون علمك، وحتى دون علم والديك - تلك الحالات التي خدعها كلاين وأوهمها أن نطفة الزوج هي المزروعة في حين أنها نطفته هو، هي الأصعب- تجد نفسك بلا هوية! إنسان لا ملامح ولا صفات لهُ.

مجرد سائل منوي من إنسان بلا مشاعر ولا أخلاق يلعب لعبة قذرة، يوجدك إلى الحياة بطريقة مخادعة لأبويك. ويبني حياتك ويؤسسها على كذبة.

لماذا فعل الطبيب دونالد كلاين ذلك؟ هل من الممكن أن يكون الإنسان هكذا بلا أخلاق يلعب ألعاباً مريضة فقط من باب التسلية أو زيادة نسل محدد من الأعراق؟

ما الخطب الذي يجري في دماغه؟

اقرأ أيضًا: فيلم In The Name Of The Father: علاقة ابن بأبيه غيّرت في مسارات حكومة بأكملها

عودةً إلى عام 1963

من خلال البحث والتقصي، والذي تبنته الابنة الأولى والأكثر حضورًا إعلاميًا، وهي جاكوبا، إضافةً لأحد زملاء الطبيب كلاين والذي تركه بعد صداقة دامت حوالي 30 سنة، وجدا أن مشكلته قد تكون تقبع في عام 1963 حينما كان كلاين ما يزال شاباً يقود سيارته بسرعة ورعونة نوعاً ما، ليصدم فتاة صغيرة في مقتبل العمر وتفارق الحياة من فورها.

قد يكون الأمر أحدث نوعاً من "الرض النفسي" لكلاين فأراد أن يفتح باباً "للتعويض من خلال جيناته وسائله المنوي" كونه هو الذي سلب الحياة من خلال إصابته لتلك الفتاة من ذلك العام. إلا أن تلك الحادثة لا تبرر حصول جريمته الشخصية. هناك فرق بين التعويض وبين تدمير حياة أزواج ومسح هويات -بشكل حرفي- لأجيال عندما يدركون أن حياتهم بأكملها مبنية على فكرة خاطئة.

زوج يعاني من مشاكل صحية، فيرغب في زرع سائله المنوي بشكل خارجي لزوجته، يتدخل الطبيب كلاين ويزرع سائله الشخصي ضمن امرأة ذلك الرجل! لماذا؟ ما الذي يجري في عقله اللعين؟

لا تبرر جريمة إصابة فتاة صغيرة جريمة أخرى أشنع منها. يشير الأمر هنا لمشكلة نفسية مرضيّة، ولهذا لجأت جاكوبا إلى المحكمة. وبدأت فصلًا جديدًا في القضية.

محاولة محاكمة Our Father.. محاكمة الطبيب دونالد كلاين

لا يوجد قوانين لمثل هكذا أمور في ولادية إنديانا التي حدثت فيها المشكلة، ولا يمكن التحقق من مثل هكذا أمور بعد مرور زمن طويل على وقوع الحادثة، لا سيما أن أقل ابن من أبناء كلاين عُرض في فيلم Our Father كان عمرهُ تقريباً 30 سنة، فنحن نتحدث عن مسافات زمنية طويلة، وقوانين غير موجودة لمناقشة مثل هكذا حالات إلا أن جاكوبا استطاعت أن تصل مع مدعيها العام إلى أحد الخطوط.

وهو في أحد اللقاءات التي جمعتها بذلك الأب البيولوجي، عندما قدّم مجموعة وثائق مزورة عن أنه لا يستخدم نطاف المانح سوى ثلاث مرات فقط، منعاً لاختلاط الأنساب وانتشار كم كبير من الأجنة لابن واحد، هذه النقطة تحديدًا التقطها الفريق القانوني وقدموها كدليل للمحكمة على إعاقة مجرى العدالة، وتزييف وثائق ومحاولة خداع القانون.

إضافةً طبعًا لقضية السائل المنوي الخاص به، لكن من البداية واضح أنها لن تنجح لأنه لا يوجد قانون عن تلك الأمور موجود في الولاية، ولا تشريعات محددة، لذلك لا يتعدى الأمر كونه محاولة "احتيال ناعمة" رغم عظمة الأمر بالنسبة لأصحابه.

إضافةً إلى أن الطبيب دونالد كلاين يحظى بشعبية عالية ضمن الوسط الذي يقطن به، كونه طبيبًا لهُ باع طويل في إنجاب الأطفال وتحقيق أماني الناس في الولادة بعد حالات عقم عسيرة، لذلك كان من الصعب جدًا أخذه واستدراجه إلى سجن أو غرامات عالية.

وكانت النتيجة المتوقعة.. أن 500 دولار فقط كغرامة، ولا حكم جنائيًا أو أي شيء آخر. إلا أنهُ في نهاية الفيلم يعرض على الشاشة بأنه بعد انتشار هذه الفضيحة ونشرها على مجلات كبرى كالنيويورك تايمز، أُقر قانون جديد في ولاية إنديانا يمنع ذلك، ويضبط موضوع التبرعات هذا.

الحصيلة حتى تاريخ الفيلم.. لدى الـ Our Father أكثر من 94 ابنًا موثقًا!

كانت إحدى النساء اللاتي أرادت الحصول على ولد وذهبت إلى الطبيب كلاين، تقول فيما بعد إنها تعتقد أن الطبيب كان إنسانًا أخلاقيًا، وأن "تلك اللمسات" كانت بغاية طبية بحتة ولا مانع في ذلك، لكن عندما كشفت الحقيقة وعرفت أن ذلك السائل المنوي كان سائلهُ الخاص به، قالت: يبدو أني تعرضت للاغتصاب حوالي 14 مرة!

لأن عملية الزرع لا تنجح في المرة الأولى ولا الثانية، وتحتاج عدة مرات.

فكان الطبيب كلاين يكرر نفس العملية، يستقبل المريضة في غرفة الإجراء. يذهب هو لغرفة أخرى ليستخرج سائله المنوي ويزرعهُ فيها.

فيتداخل الحابل بالنابل، ولم يعد معروفاً أين هي "لمسة الطبيب الفاحص" وأين هي لمسة "الإنسان المغتصب الذي يستبدل نطفة الزوج بنطفته الخاصة؟". هنا تمامًا يُعرّف كلاين نمطًا جديدًا للاغتصاب، اغتصاب دون تلامس جسدي!
لكن تبقى القضية الأصعب هي بالنسبة لأولئك الشبان الذين كبروا وترعرعوا ولم يكن آباؤهم سوى ضحية تزوير وخداع، لا سيما قصة جولي أو الشقيقة 14 التي أراد أبواها فقط نقل نطفة الأب الخاصة من هنا لهناك، فتدخل كلاين ووضع بصمته الفريدة!

حينها تُمحى الهوية، ويتعرض الإنسان لصدمة قد تلازمهُ طيلة حياته.