مراجعة مسلسل Ethos: قصص مختلفة لنساء يعشن في مجتمع واحد

مسلسل Ethos
شيماء العيسوي
شيماء العيسوي

5 د


"استرجعت مخيلتي الذكريات

حبيبي أين وأين أنا؟

ما كان ذنبنا افترقنا هكذا

خسرت ذاتي انظر كيف حالي"

جزء من أغنية حجر الحظ التركية للمغني فيردي أوزبيان

يعرف مصطلح الحنين للماضي -Nostalgia- على أنه حالة حنين شديدة للماضي يعاني منها الفرد من مشاعر توق شديدة للعيش في أوقات سابقة بسبب اعتقاده أنه كان في أفضل الأحوال آنذاك. يقدم مسلسل "Ethos طيف اسطنبول" في حلقاته الثمان، مصطلح الحنين للماضي بشكل مختلف، حيث يرصد أثر ازدياد الهوة بين طبقات المجتمع التركي، الطبقة العلمانية المخملية من جانب، والطبقة المتوسطة الإسلامية المحافظة من جانب آخر. معتمداً في ذلك على الصورة تارة، والموسيقى تارة أخرى، وأخيراً على العنصر الأهم وهو "المرآة".

يقدم المسلسل الذي -هو من إخراج وتأليف بيركون أويا- ثلاثة نماذج مختلفة من النساء، يعكس كل منها جانبًا من المجتمع التركي. المثير للدهشة أن هؤلاء السيدات يختلفن عن بعضهن كل الاختلاف للدرجة التي يجعل تصديق انتمائهن لنفس المجتمع أمرًا عسيرًا حقًا، مع ذلك في الحقيقة هن ناتج نفس المجتمع الذي مزقه التطرف الفكري من كل الجوانب. ما رأيكم إذًا أن نبدأ تسلسل الشخصيات من النهاية للبداية؟ إنها جولبين إذًا!


إنه حقًا شيء مختلف عن الآخرين المحيطين به

فيديو يوتيوب

من الصدف اللطيفة أن يكون للمسلسل ثلاثة أسماء مختلفة، كل منها من لغة مختلفة بمعنى جديد يعكس جانبًا من جوانب المسلسل، فالاسم الأول باللغة التركية وهو "Bir Başkadır" الذي يمكن ترجمته نصيًا لـ "شيء مختلف عما يحيط به".

ذو صلة

يقدم لنا المسلسل شخصية يمكن فعلاً وصفها أنها مختلفة عما يحيطها بكل الأشكال، وهي الطبيبة غولبين-تولين اوزان. غولبين تنتمي لأسرة كردية مسلمة متشددة، وبنظرة سريعة على التاريخ الكردي في تركيا نجد أنه حتى وقت قريب لفظ "كردي" نفسه كان مجرّمًا ذكره علنًا، وبإضافة ذلك لحقيقة النبذ العام الذي يعاني منه هذا العرق في عدّة مناطق وبلدان، من المنطقي أن ينجم عنه شخص عنصري، متشدد دينيًا وفكريًا وعنيف بشكل عام.

إلا أن الدكتورة غولبين تظهر على النقيض تمامًا، فهي متعاطفة للغاية مع الآخرين، تؤمن بأهمية العلم ولا سيما الطب -على عكس السائد حولها- فيمكن اعتبارها النقيض التام من أختها المتعصبة جولان التي ترى في محاولة مداواة أخيهما القعيد كفرًا بيّنًا.

اقرأ أيضًا: أبرز مسلسلات رمضان 2022.. خريطة كاملة للأعمال المصرية والسورية والمشتركة


هل تحكمنا حقاً تلك الأخلاقيات؟

الاسم الثاني للمسلسل هو Ethos، وهو الاسم الإنجليزي المعتمد على منصة نتفليكس المنتجة للمسلسل، وهو لفظ يوناني قديم يعني مجموعة المثل والقيم التي تحكم مجتمعًا ما وتدفع قراراته. تعكس الطبيبة بيري -دفني كايالار هذا الجانب من المجتمع التركي، الجانب العلماني الذي ينتمي داخليًا للثقافة الأوروبية. تأتي معاناة بيري الأساسية من اختلال تلك الـ "إيثوس" في المجتمع التركي، حيث زرع والدها بداخلها منذ الطفولة شكلًا معينًا للمجتمع التركي الخالي تمامًا من أي مظهر من مظاهر التدين، ولا سيما الإسلام.

لذا تكره بيري ما أصبح عليه المجتمع من انتشار للمحجبات ليصل الأمر للأعمال الدرامية التركية، التي تكرهها بيري في الأساس لكونها دون المستوى وتصدر عليها تلك الأحكام دون أن تتابع منها أي شيء. وبعد أن حافظ عليها أهلها في فقاعة مخملية تشبه تلك الصورة العالقة في أذهانهم من ماض سحيق كان به المجتمع التركي علمانيًا بحتًا في بدايات القرن العشرين، تخرج بيري للواقع الأليم لتجد نفسها ضمن مجموعة لا تشبهها مطلقًا، وكأول ردة فعل طبيعية تنغلق بيري على نفسها فتتحول مع الوقت لشخص وحيد تمامًا في حالة نفور دائم من المختلفين عنه.

اقرأ أيضًا: مسلسل مين قال.. صراع الأجيال وتشريح نفسي معقد لشخصيات مختلفة


ما شكل طيف اسطنبول؟

فيديو يوتيوب

تعني طيف اسطنبول -الذي هو الاسم العربي للمسلسل- خيالًا أو لمحة من اسطنبول، هل يمكن اعتبار مريم- أويكو كرايل هي طيف اسطنبول الحقيقي؟ فعلى الرغم من أن تركيا دولة علمانية لا دين رسميًا لها، إلا أن 97% من الشعب تقريبًا ينتمون للدين الإسلامي تتراوح درجة تدينهم بين التشدد والانتماء الاسمي فقط. تنتمي مريم للفئة الإسلامية المتدينة، التي تعتمد في كبائر وصغائر الأمور في حياتها على آراء شيخ القرية، حتى وإن كانت لا تضيف جديدًا للموضوع ولا تمت له بصلة، حتى وإن كانت خاطئة تسبب الضرر فقد قال الشيخ. تعبر مريم عن الطبقة المتوسطة المحافظة التي ظلت تنمو في تركيا مؤخرًا وأدت إلى انقسام واضح في العادات والتقاليد والثقافة إضافة إلى الفن والفكر.

تربط بيركون أويا تلك الدوائر الثلاثة الأساسية عند طريق اتصالها معًا بسبب المرض النفسي، تعاني مريم من نوبات إغماء متكررة، وبعد الكشف الطبي عليها تبين أنها لا تعاني من أي مشكلة عضوية لذلك تحول للدكتورة النفسية بيري. وفي أول الجلسات ترفض مريم الحديث بأي شكل عن نفسها، إلا بكلمات بسيطة تستدل منها بيري على عدة أمور منها كبت المشاعر التي تعاني منه مريم فيؤدي إلى نوبات الإغماء المتكررة، إصابة زوجة أخيها باكتئاب حاد نتيجة تعرضها لصدمة ما، إلا أن أسرة مريم لا تعترف بالعلاج النفسي، وأخيرًا أن بيري في مواجهة مع أشد الأشخاص التي تنفر منهم وعليها أن تتعامل معها بشكل محترف تمامًا!

وعليه تتجه بيري لمعالجة غولبين لمشاركتها أفكار الغضب/ الكره التي اجتاحتها بمجرد رؤية مريم في الوقت نفسه التي تبدأ الأخيرة في النفور من كم العنصرية والطبقية التي تتحدث بها عن مريضتها التي ترى أن كلًا منهما لا تختلف كثيرًا عن الأخرى، فكما عبرت: "تضع مريم غطاء على شعرها في حين تضع بيري كيسًا من الكرتون حول رأسها" وهكذا يظهر الأمر وكأنها دائرة متصلة تعكس المجتمع التركي.


هل وقع مسلسل Ethos في فخ التنميط؟

إجابة هذا السؤال هو نعم ولا معًا، للوهلة الأولى يبدو أن مسلسل Ethos يظهر النساء بشكل مقولب للغاية، ولا سيما مريم كما عبرت زينب شريف أوغلو دانيس العضو في "جمعية النساء التركيات والديموقراطية" بأن المسلسل كان يجب أن "يتجاوز البديهيات" في تمثيله الانقسام بين النساء التقليديات والمعاصرات، مقرة في الوقت عينه بأن المسلسلات التلفزيونية غير قادرة على عرض "نظرة شاملة" للوضع في البلاد.

ولكن مع نظرة فاحصة أكثر نجد أن الشخصيات التي قدمها مسلسل Ethos حقيقية بشكل كبير، حتى شخصية سنان/ أليكان يوسيسوي الذكر المكتئب الذي يتخذ من العلاقات الجنسية المتعددة وسيلة للترفيه عن نفسه ولكن سرعان ما يقع مرة أخرى في هاوية الاكتئاب وفقدان قيمة الذات. فحتى وإن كان المسلسل "غير قادر على عرض نظرة شاملة للبلاد" إلا أنه مع ذلك قد عرض بشكل لا بأس به لنوعية شخصيات موجودة بالفعل.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة