في الموسم الرمضاني الماضي قُدم لنا مسلسل "خلي بالك من زيزي" على منصة شاهد، استمر المسلسل لمدة 30 حلقة. وبقدر الانبهار والإشادة بالعمل في النصف الأول منه حظي المسلسل على انتقادات شديدة في الثلث الأخير منه بسبب هبوط الإيقاع، وهو الأمر المعتاد عليه في مسلسلات رمضان. وهذا العام يقدم لنا نفس فريق الكتابة مسلسل آخر بعنوان "مين قال" يعرض على نفس المنصة يعتمد على نفس الثيمة النفسية. وإن كنت واجهت أية مشكلة مع مسلسل خلي بالك من زيزي، ففي الأغلب ستواجه نفس المشكلة مع مسلسل "مين قال".

نظرة سريعة على التشريح النفسي لشخصيات مسلسل مين قال

مسلسل مين قال من إخراج نادين خان ومن تأليف ورشة سرد تحت إشراف مريم نعوم، المسلسل فكرة وسيناريو مجدي أمين وشارك في الكتابة كل من عبدالعزيز النجار ومنى الشيمي. المسلسل بطولة جمال سليمان، نادين، أحمد داش، ديانا هشام ومجموعة من الوجوه الجديدة. تدور أحداث المسلسل في إطار الصراع بين الأجيال المختلفة، وبالأخص الجيل القديم وجيل زد- Z generation.

يسير خط الأحداث الرئيسي حول مشكلة شريف (احمد داش) مع والده جلال (جمال سليمان) بسبب اختلاف وجهة نظر كل منهما فيما يتعلق بالدراسة الجامعية، في حين يرى جلال ضرورة الالتحاق بكلية الهندسة يرغب شريف في الالتحاق بتخصص ريادة الأعمال. وبسبب الضغط الذي يتعرض له شريف يلجأ للكذب على أهله ويبدأ في تنفيذ مشروعه.

على مدار الخمسة عشر حلقة يعرض لنا العمل مدى ضعف شخصية شريف في مقابل سيطرة والده التامة عليه وعلى كل شؤون المنزل تحت اسم "الحب والخوف"، فبسبب حب/ التملك الزائد الموجود عند جلال نجد شريف شخصية ضعيفة للغاية، كذلك أخته سارة التي تنهار وتهرب مع أول مواجهة حقيقية لها مع المجتمع الخارجي في المستشفى.

فمن المعروف في القوانين النفسية للتربية أن الإغداق لا يختلف كثيراً عن المنع، فمثلاً خطورة إغداق الحب والاهتمام والرعاية والخوف على الأطفال يساوي خطورة منعهم بالضبط، وتلك هي الفكرة الأساسية التي يطرحها المسلسل فيما يتعلق بهذا الخط الدرامي. وعلى هامش ذلك يعرض لنا العديد من المشاكل التربوية الأخرى وأثرها على المراهقين، فنجد الشاب المعنف من والده (صلاح) الذي يلجأ للمخدرات، الفتاة (فريدة) التي تعاني من مشكلات تجاه الأب- Daddy issues بسبب بعد والدها عنها بالتالي تعاني من العاطفية المبالغ بها والتعلق المرضي بعلاقتها العاطفية، الفتاة (زينة) التي تعاني من مشكلات تجاه الأم- Mommy issues بسبب المقارنة الدائمة بين جمال الأم والابنة، وبالتالي تعاني من فقدان تام للثقة بالنفس، وأخيرًا الشاب (عمرو) الذي يعاني من ضغط والده المستمر لكي يكون الأفضل في كرة القدم، مما يؤدي في النهاية لإنهاء العلاقة بينهما وترك عمرو للمنزل. في نفس الوقت يعرض المسلسل خطًا دراميًا واحدًا يظهر به نتائج التربية الإيجابية، وهي علاقة سلمى بوالدها، لتظهر لنا في النهاية هي الشخصية الوحيدة الأقرب لتكون سوية بين كل الشخصيات. ولكن هل يعني ذلك أن العمل قدم لنا خطوطًا درامية مترابطة؟

النهايات السعيدة مكانها المسلسلات فقط

للأسف وقع مسلسل مين قال في نفس الخطأ الذي وقع به مسلسل خلي بالك من زيزي، فبعد أن أخذ منحى نفسيًا بحتًا في رسم الشخصيات وشبكة العلاقات التي تحكمهم طوال الوقت، فجأة نجد أنفسنا قرب مرحلة النهاية/ حل العقدة تتحول الدنيا لربيع مشرق وألوان زاهية متجاهلين الأسس المنطقية التي تم وضعها طوال الفيلم. ففي الحلقات الثلاثة الأخيرة تبدأ عقد الأبطال في الشباب بالحل تدريجياً، حتى ولو لم يقدم العمل حلها بالتفصيل، بل اكتفى بحل مشكلة شريف ووالده لتكون مرآة لباقي العلاقات الموجودة في المسلسل.

فبعد صراع طويل بين الأب المتحكم وشريف السلبي ضعيف الشخصية، فجأة تنكشف كذبة شريف، و فجأة يطرد من المنزل، ومع كل الشحن النفسي الذي يخلق لدى المتلقي تجاه الأب، ومع انتظار طويل للحظة المواجهة التي ينفجر بها شريف، يقدم لنا مشهدًا ضعيفًا للغاية في الحلقة الأخيرة لا يحتوي على أي نوع من الحل، وحتى مشهد إصابة شريف بنوبة هلع نتيجة تلك المواجهة يتم اقتصاصه. لنصل في النهاية -غير مدركين كيف- لرضا الأب عن شريف وقراراته، فخره به بعد فوزه في المسابقة وحل كل مشكلات شريف النفسية!

مناقشة الأمراض النفسية وتأثيرها على الأفراد في الدراما والأعمال الفنية بشكل عام يجب توخي الحذر في تناولها بشكل كبير. ويرجع ذلك لتأثيرها على المتفرج، فحاول أن تتخيل أن يتابع شخص يعاني من مشاكل نفسية وشخصية بسبب الأبوين مسلسلًا يعرض له قصصًا مشابه حلت بكل هذه البساطة والهدوء، فحضن وقبلة واعتذار مجوف قادرين على إنهاء سنين من الصراعات والإيذاء النفسي الذي تعرض لها البطل، يشعر ذلك المتفرج بالنقص والضعف، وكأنه هو المتخاذل في حل مشاكله، وكأن الأمر بتلك البساطة ولا يتطلب رحلة علاج طويلة مرهقة ومكلفة نفسيًا ومادياً.

خان وداش.. الثنائي المميز في مسلسل مين قال

هذا هو العمل الثالث الذي يجمع المخرجة نادين خان والممثل الشاب أحمد داش، فبعد مسلسل سابع جار صاحب النجاح والقبول الجماهيري الكبير، اشتركا معاً في فيلم أبو صدام العام الماضي، والذي عرض في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ ٤٣، وحصل النجم محمد ممدوح جائزة أفضل ممثل عليه. يجتمع الثنائي خان وداش مرة أخرى في مسلسل مين قال.

الجدير بالذكر واللافت للنظر هو التناقض الواضح بين شخصيتي داش في العملين، ففي ابو صدام يقدم لنا حسن الشاب المراهق المنتمي لطبقة اجتماعية عشوائية، يعاني مما يعاني منه كل مراهقي تلك الطبقة من نقص الموارد، والرغبة الجنسية المتأججة التي تُصرف بطرق محددة، حتى في مشيته وحركات جسده يتقن داش دوره بشدة لدرجة تنسيك خلفيته الأساسية. وعلى النقيض تمامًا؛ فشخصية شريف في مسلسل مين قال تتعامل بسلبية مفرطة مع كل الأمور، تراجع وخوف دائم يؤدي في النهاية لنوبات هلع، أي أنه شخص مسيطر عليه وخاضع تماماً.

فيمكن بشكل ما رؤية حسن وشريف شخصين متناقضين تمامًا، ينتمي كل منهما لعالم مختلف، وكذلك لا يمكن تجاهل إتقان داش تقديم كل منهما مع قدرة جبارة على إجبار المتلقي على تصديق أنه كل منهما. وبالرغم من مشاركة داش في العديد من الأعمال مع العديد من المخرجين بمن فيهم عمرو سلامة الذي قدمه طفلًا، فإن تناغمه مع المخرجة نادين خان يتضح بشدة لدرجة أن تكون أعماله معها هي أفضل أداء يقدمه حتى الآن.

اقرأ أيضاً: أبرزها عدم مصادمة الجمهور في أخلاقه ودينه.. كيف حقق الكبير أوي هذا النجاح الساحق بأجزائه الستة؟