غموض جديد من صناع مسلسل Dark.. مراجعة مسلسل 1899!

1899
ساندي ليلى
ساندي ليلى

8 د

يقول الأديب الراحل د.أحمد خالد توفيق على لسان أحد شخصياته: "إن الخيال الإنساني وغد لا يهمد أبدًا.. وحيث يوجد خيال، يوجد خوف". لو أنك اطلعت على إنجازات ومخترعات الإنسان، لوجدت أن القاسم المشترك الأعظم بينها كلها هو الخيال. إن خيال الإنسان أشبه بالمحيط الشاسع، لا قرار ولا حدود لامتداده، من هذا الخيال المتمدد، ابتكر البشر الطائرة والغواصة والسفن والسيارات، وطبعًا ابتكروا ما يجعل خيالهم وأحلامهم شيئًا ملموسًا، ابتكروا السينما، كذلك أبدعوا بقصص الخيال العلمي، لتصبح هذه القصص مع مرور الزمن من عيون الأدب وأشهر من نار على علم.

إذاً ليس مستغربًا كون المسلسلات والأفلام الخيالية هي الأكثر نجاحًا والأكثر جرأة في التقديم وعرض الأفكار، إذ يسمح الخيال اللامحدود بابتكار حبكات وانعطافات، تجعل المشاهد منجذبًا متحفزًا لما هو آت. من قلب هذا الخيال المتمدد قدمت نتفلكس مسلسلها الأكثر غموضًا وشعبية المسلسل الألماني Dark، والذي لاقى نجاحًا لافتًا ونسب مشاهدة مرتفعة.

بعد النجاح الكبير الذي حققه دارك أراد يانتيه فريزه وباران بو أودر أن يعيدا الكرة، ويسببا الحيرة والدوار للمشاهدين بتقديم تحفة غموض جديدة تجعلك تتساءل طيلة الوقت ما هي الحقيقة وأين يبدأ الخيال؟! مجددًا وعبر نتفلكس، قدم الثنائي عملًا طال انتظاره، وأثار اهتمام كثير من المشاهدين الذين وُعدوا بجرعة محترمة من الغموض والخيال، فهل وفى صناع العمل بوعدهم؟

سنقدم في هذا المقال مراجعة لمسلسل نتفلكس الجديد الذي حمل اسم 1899، والذي لربما كان مستوحى من قصة حقيقية.

اقرأ أيضاً: حارب أعداءك بمبدأ التسامح والعفو عنهم.. قصة فيلم Black Panther: Wakanda Forever


معلومات عن مسلسل 1899

ذو صلة
فيديو يوتيوب
  • سنة الإنتاج: 2022
  • طاقم التمثيل: إميلي بيتشام - وأندرياس بيتشمان - انيورين بارنارد - وميغيل برنارديو
  • عدد الحلقات: 8 حلقات
  • إخراج: باران بو أودر
  • سيناريو: يانتيه فريزه - باران بو أودر
  • إنتاج: نتفلكس
  • النوع: غموض - إثارة - رعب
  • التقييم على IMDb هو: 8.2 من 10

قصة مسلسل 1899

"العقل أوسع من السماء، فإن وضعا جنبًا إلى جنب،فإن أحدهما سيحتوي الآخر بسهولة وأنت في الجوار، العقل أعمق من البحر فإن حملتهما أزرق بجانب أزرق، أحدهما يمتص الآخر كما الإسفنج في الدلاء" تبدأ أحداث الحلقة الأولى بصوت إميلي بيتشام الهادئ، الصادح بهذه الكلمات، لتكون هذه المقولة مفتاحًا لفك غموض أحداث العمل.


عرض المسلسل في مزيج مثير من التناقضات، من الغموض والوضوح، الحقيقة والحلم، تدور أحداث العمل في بيئة أشبه ما تكون بروايات الكاتبة البوليسية الشهيرة أغاثا كريستي، حيث يجتمع العديد من الغرباء الذين لا رابط بينهم سوى تواجدهم في نفس المكان، وفي المسلسل كان المكان هو سفينة عملاقة مليئة بمهاجرين من أصقاع الأرض، تدعى كيربيروس تمخر عباب الأطلسي متوجهة في رحلة تمتد سبعة أيام إلى نيويورك، ذلك عام 1899، كان من المفترض أن تصل السفينة إلى نيويورك، لكن في منتصف المسافة تلتقي كيربيروس مع بروميثيوس، السفينة التي فُقدت منذ أربعة أشهر، ويكتشف ربان كيربيروس أن السفينة بروميثيوس خالية تمامًا إلا من طفل صغير مختبئ في قلبها. تركز الأحداث على شخصية مورا الطبيبة الممنوعة من ممارسة المهنة فقط لكونها امرأة، والتي تحاول سبر أغوار اختفاء أخيها الذي كان على متن بروميثيوس.
أما إيك قبطان السفينة المدمن على الكحول، فهو غارق في حزنه على فقدان عائلته. ركز المسلسل على هاتين الشخصيتين، لكنه لم يهمل بقية الشخصيات التي تدور في حلقة واسعة من العنف والكراهية، لتنقلب الرحلة المبهجة إلى أرض الأحلام كابوسًا مريعًا، بسبب الأمور الغامضة التي تحدث للركاب على متن السفينة، خاصة بعد أن أرغموا على الدخول إلى المنطقة الشيطانية الغامضة مثلث برمودا.
عبر ثماني حلقات مليئة بالغموض، قدم المسلسل قصة هذه السفينة بطريقة جذبت المشاهد ليحاول كشف الغموض المحيط بها، وجعلته ينهي كل حلقة مع رغبة كبيرة في مشاهدة الحلقة التالية، كي يحاول فهم ما يحدث وإيجاد مبرر منطقي للأحداث، ومع مرور حلقات العمل يتزايد الغموض أكثر فأكثر فكل سر يحمل خلفه سرًا أكبر وأعقد مما سبق.


عناوين الحلقات

لم يكن اختيار عناوين الحلقات عشوائيًا على الإطلاق فكل حلقة حملت عنوانًا دالًا على أحداثها، وعلى السر الذي ستكشفه، والذي ستتبعه الكثير والمزيد من الأسئلة.
كانت عناوين الحلقات كالتالي: 1-السفينة 2-الفتى 3- الضباب 4-القتال 5-الدعوة 6-الهرم 7-العاصفة 8-المفتاح


كتابة متقنة، موسيقى خيالية واختيار موفق لطاقم التمثيل

بعد أن أطلقت نتفلكس تريلر المسلسل، أصبح بين ليلة وضحاها العمل الأكثر انتظارًا، ووضعت آمالًا كبيرة عليه خاصة من محبي مسلسل دارك المنتظرين للتعقيد الشديد والغموض الذي اعتادوه من العمل السابق.

بألوان باردة باهتة، وسط الضباب واللامكان، انطلقت أحداث العمل الذي حمل مع كل حلقة سرًا جديدًا بطريقة كتابة مختلفة زادت الغموض، ومع تقدم الأحداث كلما ظننت أنك تقترب من حل اللغز تجد نفسك أمام أسئلة جديدة وألغاز أشد تعقيدًا من السابق، مع بعض الإسقاطات الفلسفية العميقة والتلميحات والقرائن التي زرعها الكاتبان في بعض المشاهد لكشف غموض الأحداث.
بل إن بعض الحوارات التي وردت في المسلسل اتخذها بعض المشاهدين كاقتباس أدبي مثل هذا الاقتباس الرائع
"الناس غافلون عن الواقع، إنهم لا يرون إلا ما يريدون رؤيته، مسجونون بسبب قيود عقولهم، عندما يكون كل ما عليهم فعله، هو تغيير منظورهم.. لرؤية الأشياء بنطاقها الكامل."

وجاء اختيار طاقم التمثيل ممتازًا، حيث نالت إميلي بيتشام الكثير من الثناء والمديح عن دورها المتقن، أما بقية طاقم التمثيل فقد أبدعوا في تجسيد الضياع والحيرة وانعدام الأمان، وبالطبع البعد والجفاء، كما جاء تعدد الجنسيات في صالح العمل وأضاف إلى غموضه غموضًا.
بالطبع فإن الموسيقى لها دور كبير في صناعة أي عمل، وينبغي لها أن تكون من نفس أجوائه حاملة لرسالته، كانت موسيقى العمل مخيفة باردة، زادت من الجو المقلق البارد الذي غلب على الأحداث، حتى أن العديد من المتابعين وجدوا أنها أفضل شيء في المسلسل.

لكن على الرغم من كل هذا المديح لم يسلم المسلسل من بعض الانتقادات وهذه أبرزها:


انتقادات طالت العمل

على الرغم من الثناء الذي ناله سيناريو المسلسل، إلا أنه وقع في فخ الغموض الفج، فمحاولة الكتّاب جعل الأحداث غامضة مثيرة، جعلت المشاهد عاجزًا عن فهم ما يحدث أصلًا، حتى أن بعض المتابعين وجدوا أن الحلقات الخمس الأولى مجرد تمهيد لما سيحدث لا أكثر.
كما أن التركيز على اللغز وغموضه، جعل المشاهد عاجزًا عن التعاطف مع الشخصيات، فقد شغل ذهنه بمحاولة فك الغموض، وفهم ما يشاهده بدلًا من محاولة الانسجام مع أي شخصية من شخصيات العمل. إضافة إلى المط والتطويل لجعل الأحداث كافية لثماني حلقات كاملة، فقد احتوت الحلقات على الكثير من القصص الفرعية المتعددة وهو ما كان أيضًا نقطة ضعف في العمل.
أما نهاية المسلسل فكانت الأشد غموضًا، فبينما كان غموض مسلسل دارك متركزًا في الزمن وألاعيب السفر عبر الزمن، كان غموض مسلسل 1899 مركزًا على متاهات وألاعيب العقل البشري، وعلى ماهية الواقع والخيال والحلم والحقيقة، حتى أن بعض المشاهدين اضطروا إلى قراءة تحليلات للنهاية كي يفهموا ما حدث فيها، على الرغم من أن هذا الأمر لا يعد انتقادًا بحد ذاته إلا أن البعض وجده أمرًا مزعجًا بعض الشيء. لكن كل هذه الانتقادات لم تقلل من روعة العمل وتفرده بين أعمال هذا العام، ولربما كانت تمهيدًا للمواسم القادمة من العمل.


هل المسلسل مستوحى من قصة حقيقية؟

هل سمعت عن السفينة ماري سيليست من قبل؟ إن قصتها قصة مثيرة للاهتمام جدًا ولربما اقتبس المسلسل منها.
كانت ماري سيليست سفينة شراعية ضخمة بنيت عام 1861 في كندا، كانت السفينة ومنذ اللحظة الأولى سفينة غريبة لازمها النحس بشكل مريب، لكن في عام 1872 في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني، أبحرت ماري سيليست من نيويورك متجهة إلى جنوا في إيطاليا حاملة على متنها 1701 برميلًا من الكحول الخام.
بعد ثمانية أيام من إبحارها، التقى القبطان ديفيد مورهاوس قبطان سفينة ديا كراتيا بسفينة مجهولة اتضح أنها ماري سيليست نفسها، والتي كان من المفروض أن تكون عند مضيق جبل طارق في ذلك الوقت وليس قريبًا من سواحل البرتغال.
أرسل القبطان مورهاوس أحد البحارة كي يطمئن على وضع السفينة ظنًا منه أن مشكلة قد وقعت على متنها، خلال تفتيشه للسفينة، لم يعثر على أي شخص، كان الجميع قد اختفوا دون أي أثر.

أما الأمر المثير للدهشة والرعب فهو أن السفينة قد عُثر عليها خالية من البشر تمامًا وبحالة ممتازة، لقد اختفى الطاقم تاركًا كل شىء خلفه، شحنتها الثمينة لم تمس والأغراض الشخصية للركاب لا تزال فى مكانها، بما في ذلك الأغراض الغالية والثمينة، أما الركاب فمنذ 148 عامًا لم يُعرف عنهم أي شيء، إن هذا اللغز هو من أكثر الألغاز البحرية غموضًا إلى اليوم.
وبسبب الغموض حول تلك الحادثة أصبحت "ماري سليست" مادة خصبة للأساطير وأنتجت العديد من الأفلام عنها ولربما كانت قصتها الغريبة هي ما أثار مخيلة الكتاب لصنع مسلسل 1899


المتابعون يعقدون مقارنة بين 1899 ودارك

كان السبب الأساسي في حماس الجمهور للعمل هو أنه من صناع مسلسل دارك، الذي كان حديث السوشيال ميديا طيلة مدة عرضه، بسبب حبكته المعقدة المتشابكة ونهايته الملحمية. منذ أن عرضت نتفلكس العمل، وجد المتابعون بعض أوجه التشابه بين العملين، بدءًا من الألوان الباردة الضبابية وزوايا التصوير المنذرة بالموت وانتهاءً بالموسيقى المميتة الجنائزية والبيئة السوداوية، لكن بشكل أقل تعقيدًا من دارك، كما أن بعض المشاهدين وجدوا تشابهًا بين كوادر التصوير في العملين.

لربما كان الأمر مقصودًا من صناع العمل كي يُبقوا المشاهدَ منجذبًا إلى الجو المألوف من الألغاز المستعصية سواء في تعقيدات الزمن أو في أكثر الأماكن رعبًا لأي إنسان، العقل.

في الختام يمكن لنا القول أن مفتاح نجاح أي عمل يعتمد على الخيال، هو الخيال نفسه فلا حدود للخيال ولا قيود له، وهذا الخيال غير المفيد كان المفتاح الأساسي لنجاح هذا العمل الصعب المعقد والممتع.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة