اليوم، نحن أمامَ جريمةٍ وُضعت في قالبٍ دراميّ يتسّع لها، ولكن الفرق هُنا أن تفاصيل الجريمة وشُخوصَها لم يكونوا من وحي خيال صُناع العمل بل أُخذوا من واقعةٍ مأساوية شهدتها ولاية تكساس في صيفِ عام 1980. عُرضت أولى حلقات مسلسل Candy في التاسع من مايو هذا العام عبر منصّة Hulu وحاز على تقييم 7.2 على موقع IMDb.

مسلسل Candy.. بين الرتابة والمثالية

بين حياةِ كانديس مونتغمري -التي تلعب دورها الممثلة جيسيكا بيل- الصاخبة، الحافلة بالترتيبات والخطط البراقة لمنحِ طفليْها الكثير من ذكرياتِ الطفولة الخالدة. وبين حياةِ بيتي جور -التي تلعب دورها الممثلة ميلاني لينسكي- المُعبّأة بالرتابة والعُزلة وبعض الصرامة التي تجتاح سلوكها والتي يمكننا مُلاحظتها منذ الدقائق الأولى في مسلسل Candy، بين كلتيهما، تقع الجريمة المروّعة.

ولكن ما الذي يدفع صاحبة الحياة المِثالية لقتل صاحبة الحياة الرتيبة؟ أوليسَ من المفترض أن تستبدلا الأدوار؟
سواءً أكنتَ قد سمعت من قبل عن الجريمة أو أنك تسمع عنها للمرةِ الأولى فإنّ مسلسل Candy سيُبقيكَ على ترقّبٍ دائم، نظرًا لأنه لا يصبّ تركيزه على الجريمة فحسب، بل ما سبقها من تفاصيل حياة الاثنتين أيضًا. مُسلطًا الضوءَ على ذلك الكبت الذي تضطر ربّات المنازل للتعامل معه، تمامًا مثل كاندي وبيتي، وكيف تُفرغه كل منهما في تناقضٍ مَهيب.

اقرأ أيضًا: مراجعة مسلسل Man Vs Bee.. لماذا “مستر بين” مميز وغير قابل للتكرار؟

قصة مسلسل Candy

ما يميزّ حقًا هذا المسلسل عن غيره من أعمال الجريمة هو أننا منذ الحلقة الأولى نعرفُ من هو المُجرم، ولكننا نتتبع خطواته نحو الجريمة بتأهبّ. في هذا المسلسل، لا ينصبّ الضوء على الضحية فقط كما نراه جليًا في العنوان، بل يضع الجانية ودوافعها أيضًا في الحُسبان. على مدارِ خمسِ حلقات فقط، يتمكّن المسلسل من إبعادِنا عن مسرحِ الجريمة تمامًا حتى نكاد ننسى أمرها ثم تُعيدنا الأحداث إليه من جديد بعبقريّة فذّة.

اقرأ أيضًا: أفضل أفلام الدراما الأجنبية 2022.. حبكات تجمع ما بين الغموض والتشويق

عن الخيانة والصداقة وأشياء أخرى

حين تبدأ علاقة ابنتي كل من كاندي وبيتي في التوطّد، تشرع علاقة الأمّين، هي الأخرى، في أخذ مجرىً آخر نحو صداقةٍ متوجسة. وتبدأ بيتي شيئًا فشيئًا التسلل من عُزلتها التي تغرق فيها تمامًا في مُحاولة منها أن تُصبح فراشةً اجتماعية مثل كاندي التي تتصرف على سجيتها طوال الوقت ولا تتكلف عناء التعامل مع الوحدة مثلما تفعل بيتي.

مع صورةٍ مهتزّة تحملها بيتي تجاهَ جسدِها وعلاقةٍ مُضطربة تربطها مع زوجها -ألان جور الذي يلعب دوره الممثل بابلو شرايبر- والذي تكثر رحلات عملِه خارج البلاد؛ إذ ببيئة خصبة تكوّن نفسها بنفسِها تنتظرُ إلقاء بذرة الخيانة الزوجية لتضمّها بقوة وتُراقبها وهي تنمو رويدًا رويدًا، ومن ثم تتشكلّ طوبًا لتبني جِدارًا منيعًا يفصلُ بين الزوجين. وعلى الأغلب، فقد استطعتم جميعًا تخمين من هي الطرف الثالث في تلك العلاقة المزعزعة.

تُعد كاندي تجاوزًا صارخًا للحياة التي تعيشها بيتي بكل المقاييس، والبقعة الوحيدة التي شوهت تلك اللوحة المثالية التي رسمتها كاندي لنفسها على مدارِ أعوام كانت بقعة دم بيتي التي خلّفتها جريمتها الشنيعة على حذائها، تلك البقعة التي ابتلعتها تمامًا كما ابتلعت العزلة بيتي.

في دورِ شخصيةٍ مُركّبة ومزدوجة ومكتظّة بالمشاعر المعقدّة مثل كاندي، برعت جيسيكا بيل في إعطاء كل جانب من شخصية كاندي حقها في سبيل فَهم دوافعها. استطاعت بيل إظهار ذلك الجانب القوي من كاندي الذي كانت تصرّ على إبرازه لكل من حولها، والجانب الهشّ والضعيف الذي لم تستطع مواجهته إلا أمام مرآتها، وهو الجانب الذي قام بالجريمة تاركًا جانبها القويّ يتحمّل تبعات انتفاضتِه وتمردّه.

وعلى الضفّةِ الأخرى، استطاعت ميلاني لينسكي إحكام لعب شخصية قد تبدو عادية لكنها تمتلك جانبها المظلم مثل بيتي التي التهمتها عزلتها. استطاعت أن تتقمصَ دور الأم وربّة المنزل التي تبحث عن الدعم الدائم والإشادة بأمومتِها، ولكنها لم تجده أبدًا. حتى حين ظنّت أنها قد تمكنّت أخيرًا من تكوين صداقة جيدة مع جارةٍ لها تخفف عنها وطأة الوحدة، إذ بها تسقط مقتولةً على يدِ جارتِها.

يقول الناقد السينمائي أليكس مايدي:

”في الحلقة الأولى وحدها، انتقلتُ من التعاطفِ مع شخصية كاندي إلى الشكّ فيها ثم العودة إلى التعاطفِ مرةً أخرى. مع تسلسلِ الحلقات الخمس، تجد نفسك أيضًا تستجوب تصرفّاتِ الضحية. مسلسل كاندي هو عملٌ متكاملٌ رغم قِصَرِه، يتعمق في التفاصيل الحياتية التي سبقت الجريمة عِوضًا عن الجريمة ذاتِها.“

جريمةٌ وليدةُ اللحظة

في مسلسل Candy، نحن أمام جريمةٍ لم تضع صاحبتها أي خطط مسبقة لارتكابِها؛ جريمةٌ وليدة اللحظة بكل ما تحمله الجملة من معنى. في يومِ جُمعة مُشمس، عرضت كاندي أن تأخذ ابنة بيتي -التي كانت تقضي الليلة في بيتِ كاندي- مع ابنتِها لتمرينِ السباحة. ولكن هذا يتطلب أن تمرّ كاندي على بيتِ بيتي المُجاور لتجلبَ ملابس السباحة وحبّة نعناعٍ حتى لا تشعر صغيرة بيتي بالغثيان أثناء التمرين. وفي هذا المرور السريع، ينقلب كل شيء رأسًا على عقِب.

تخرج كاندي من شُقة بيتي بوجهٍ شاحبٍ وخطواتٍ ثابتة وملابس غارقةٍ في الدماء، غير مُكترثة بتصاعد نحيب طفلةِ بيتي التي لم تُغادر المهد وحريصةً على أن تذهب في الميعاد تمامًا لتُعطي ابنة بيتي الأخرى حبّة النعناع. تمضي في طريقها وكأنّ شيئًا لم يكن، وحين يتصل ألان في المساء قلِقًا على بيتي لعدم ردّها على الهاتف، تجيبه بنبرةٍ حَنون إن كان يريدها أن تذهب لتفقّد حالِها، تنغمس في خِداع كل من حولها حتى تكاد تخدع نفسَها.

مع المعايير الجندرية الصارمة، والتوقعات الهائلة التي تُبقي دائمًا النساء تحت الرَّصد -وربّات المنازل بصورة خاصة- سواءً في الثمانينات من القرن الماضي أو في قرننا الحاليّ، تتجلى مُعاناةٌ مكتومة من خلال تنهدات بيتي أو النحيب المتزايد لرضيعتها أو الضوضاء المتعالية من أطفالِ كاندي.

ورُبما يكون هذا هو جوهر المسلسل واختياره لهذه الزاوية بالتحديد لعرضِ جريمة وقعت بين امرأتين اشتركتا في حمل فراغٍ ضخمٍ داخلهما. قرر مسلسل Candy أن يتعمق في الآثار النفسية للعيشِ مع كل هذا الضغط المتزايد، وكيف يُمكن لامرأة مثل كاندي أن تكونَ نِتاج بيئتها التي أزحمتها بالضغوطِ حتى انفجرت في لحظةِ ضعفٍ وأصبحت بين ليلةٍ وضُحاها قاتلة متخفية.

هل يُلقي المسلسل باللوم كله على المجتمع؟ لا، ولكنه يجعلنا نُعيد التفكير في حجمِ الضغطِ الذي نُلقيه على أعباءِ الأمهات دون حتى أن ندرك، وأن جوانبنا الهشة والضعيفة هي من تمتلك في جوفِها القوة الحقيقية والمحرّكة، لذا لا حاجة للخجلِ منها ومحاولة إخفائها عن أنظارِ الجميع وكأنها وصمة عار.